arrow down

من فضائل عشر ذي الحجة

بقلم فضيلة د. قاسم بن علي العصيمي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

إن لعشر ذي الحجة منزلة عظيمة عند الله تعالى وقد أقسم الله بها في كتابه فقال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2] قال أكثر المفسرين ليالي العشر في الآية هي ليالي عشر ذي الحجة و اختاره ابن كثير وابن رجب.

والله سبحانه وتعالى لا يقسم إلا بعظيم فأراد أن يلفت عباده إلى فضل هذه الليالي ليشغلوها بصالح الأعمال التي يقام بها ذكره سبحانه وتعالى.

وذكره سبحانه وتعالى هي وظيفة للعباد يحبها الله تعالى ولهذا ندبهم إليها بقوله: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَات} [الحج: 28].

والأيام المعلومات في الآية عند أكثر المفسرين هي عشر ذي الحجة، وقيل سميت معلومات للحرص على علمها.

ومن فضلها أنها من الأشهر الحرم، وأنها محل لأداء ركن من أركان الإسلام وداخلة دخولا أوليا في أشهر الحج المذكورة في قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]

وفي السنة النبوية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عليه وآله وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام -يعنى: العشر- قالوا: يا رسول الله, ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» [رواه البخاري].

ومعنى «أحب إلى الله» أي أفضل فصار العمل فيهن فاضلا وإن كان مفضولاً لشرف هذه الأيام، ولهذا كان سعيد بن المسيب يجتهد في هذه العشر في العبادة حتى ما كاد يُقدر على مثل اجتهاده.

ومن الأعمال الصالحة التي كان يقوم بها السلف في العشر:

1- يحرص المسلم في هذه الأيام على تجديد التوبة والبراءة من الشرك والمشركين، ويحذر المعاصي فإنها تحرم المغفرة في مواسم الرحمة قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8-9].

2- استحباب التكبير والتحميد والتهليل المطلق لقوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج:28]. ويدخل في الذكر تلاوة القران الكريم، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم, والدعاء، قال الإمام البخاري: "كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما".

3- عدم الأخذ من الشعر والأظافر والبشرة شيئا في أيام العشر لمن أراد أن يضحي: لحديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا» [رواه الإمام مسلم وغيره].

فقد ذهب الإمام أحمد وبعض أصحاب الشافعي وابن حزم وابن القيم و الشوكاني والشنقيطي إلى أن الأخذ منها محرم حتى يضحي، والحكم يختص برب الأسرة أما أفرادها فلا يدخل إلا من ضحى عن نفسه.

4- الصوم فقد كان مجاهد وابن سيرين وعطاء وغيرهم يصومون كل أيام العشر ماعدا العيد.

5- قيام الليل: فقد كان بعض السلف يقول: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر..

6- استحب بعض السلف العمرة في هذه العشر كما حكي عن ابن عمر رضي الله عنه.

7- الإنفاق من المال الحلال على الأرحام والفقراء وفي سائر وجوه الخير لأن الله تعالى يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم} [آل عمران: 92].

8- الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وما أحوجنا إلى الدعاء في هذه الأيام، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في سياق آيات الحج محذرا عباده من بعض الدعاء وموجها لهم إلى الدعاء الذي يجب أن يقولوه: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 200-202].

9- وفي يوم عرفة: يستحب الصيام لغير الحاج بالإجماع ففي صحيح مسلم سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية» [ورواه بنحوه أحمد والترمذي].

ويقول سعيد بن المسيب رحمه الله: "أيقظوا خدمكم يتسحرون لصوم عرفة"، كما يتأكد الذكر والدعاء للحاج وغير الحاج في هذا اليوم لعظم فضله، وفيه يبدأ التكبير المقيد بعد الصلوات من بعد صلاة الفجر يوم عرفة في قول أكثر أهل العلم.

اللهم وفقنا لما يرضيك وجنبنا ما يسخطك وأصلح شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.