arrow down

وقفات سريعة مع : حديث عشر ذي الحجة

بقلم فضيلة د. عبدالآخر حماد الغنيمي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام -يعني أيام العشر - قالوا : يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء ) . [ أخرجه أبو داود (2438) ،و والترمذي (757) وابن ماجه (1727) ، وهو في صحيح البخاري ( 969) ولكن باختلاف في بعض ألفاظه ].
وهذا الحديث كما هو معلوم نص في أفضلية الأيام العشر الأول من شهر ذي الحجة ، وأنه يستحب الإكثار فيها من الأعمال الصالحة ، ولكني أريد أن أشير إشارات سريعة إلى بعض المعاني التي يمكن أن تستنبط من الحديث ،والتي ربما لم يُسق الكلام لأجلها ، فأقول وبالله التوفيق :
1- من تلك الإشارات أن الله تعالى كما أنه يفضل بعض خلقه على بعض فإنه يفضل كذلك بعض الأزمنة وبعض الأمكنة على غيرها ، لذا فضل هذه الأيام العشر على غيرها ، وقد قال تعالى : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ). ] القصص: 68].
2- ومنها ما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري ( 2/460 ) من أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة اجتماع أمهات العبادة فيها، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها .
3- أهمية الجهاد في سبيل الله ؛إذ لولا أهميته لما أشكل على الصحابة أن يكون الجهاد في غير الأيام العشر أقل درجة من العمل الصالح في الأيام العشر ، فكأنه كان مستقراً عندهم أن الجهاد أفضل التطوعات أو من أفضلها .
4- تفاوت درجات الجهاد وأن أعلاها الشهادة وإتلاف المال في سبيل الله ،لكونه صلى الله عليه وسلم قد استثنى جهاد رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ، فهذا الجهاد أفضل وأحب إلى الله تعالى من الأعمال في هذه الأيام ؛ لأن الثواب بقدر المشقة كما نقله ملا علي القاري في شرح المشكاة .
5- إثبات صفة الحب لله تعالى ، على الوجه الذي يليق به سبحانه ، وأن بعض الصالحات أحب إليه من بعض ،وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أحب إلى الله ).
6- وجه رفع ( رجل ) في قوله : ( إلا رجلٌ ) أنه بدل من ( الجهاد ) في قوله : ( ولا الجهاد) والجهاد مرفوع لأنه مبتدأ ، والمعنى : ( إلا جهاد رجل ) ، ولكن حذف المضاف واقيم المضاف إليه مقامه ، ويجوز فيه النصب أيضاً ، فنقول : ( إلا رجلاً ) ؛ لأن الكلام هنا تام منفي ، فهو تام أي ذكر المستثنى منه وهو الجهاد ، وهو منفي لوجود أداة النفي : لا ، في قوله : ( ولا الجهاد ) ، فجاز فيه الوجهان : النصب على أنه مسثتنى بإلا ، والرفع على أنه بدل من ( الجهاد) كما مر .
7- سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ( كما في مجموع فتاواه : 25/287 ) عن العشر الأوائل من ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان، أيهما أفضل؟ فأجاب بأن أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة. وقد نقل جامع فتاوى ابن تيمية عقب هذه الفتوى بيان ابن القيم لوجه هذا الجواب ،وحاصله أن المقصود من تعظيم عشر ذي الحجة إنما هو تعظيم أيامها ففيها يوم عرفة ويوم النحر وهما أفضل أيام العام ،وأما عشر رمضان فالمقصود تعظيم لياليها وإحياؤها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحييها ،وفيها ليلة القدر وهي خير من ألف شهر ، لذا كانت أفضلية عشر رمضان بلياليها ، وأفضلية عشر ذي الحجة بأيامها ، قال ابن القيم : ( فمن أجاب بغير هذا التفصيل، لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة) .
هذا والله تعالى أعلى وأعلم ، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال .