arrow down

يوم عرفة .. فضله ووظائفه

بقلم فضيلة د. مهران ماهر عثمان ( عضو رابطة علماء المسلمين )

بسم الله الرحمن الرحيم

يوم عرفة

الحمد لله ب العالمين، وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فهذه وقفات مع يوم من أيام الله، يجدُر بالمسلم أن يتعرَّض فيه لنفحات ربه، وهو يوم عرفة..

تحديد يوم عرفة:

هو اليوم التاسع من ذي الحجة.

ومن اليوم الثامن في هذا الشهر إلى الثالث عشر لكلِّ يوم اسمٌ يُعرف به..

فالثامن: يوم التروية.

والتاسع: عرفة.

والعاشر: يوم العيد، والنحر، ويوم الحج الأكبر. وسمي بذا لأن معظم أعمال الحج تقع في هذا اليوم، من رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، والنحر، والطواف، والسعي..

والحادي عشر: يوم القر؛ لأن الحجاج يقرون في منى ولا ينفرون في هذا اليوم.

والثاني عشر: يوم النفر الأول.

والثالث عشر: يوم النفر الثاني.

وهذه الثلاثة الأخيرة هي أيام التشريق.


فضله:

1/ يوم عرفة يوم أقسم الله به، ولا يقسم الله إلا بعظيم.

قال تعالى: {وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج/1-3].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» رواه الترمذي.

وقال سبحانه: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر/1-3].

قال ابن كثير رحمه الله: “قد تقدم في هذا الحديث أن الوتر يوم عرفة؛ لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر؛ لكونه العاشر. وقاله ابن عباس، وعكرمة، والضحاك أيضاً”[تفسير القرآن العظيم (8/390)].

2/ يوم إكمال الدين:

عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ ؟ قَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا}. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ” رواه البخاري ومسلم.

3/ وهو يوم عيد لنا:

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي.

4/ يباهي الله بأهل الموقف ملائكته:

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» رواه أحمد.

قال ابن عبد البر رحمه الله:” وهذا يدلُ على أنهم مغفورٌ لهم لأنه لا يباهي بأهل الخطايا إلا بعد التوبة والغفران والله أعلم”.

وقال المناوي رحمه الله –معلقاً على هذا الحديث-:” وذا يقتضي الغفران وعموم التكفير؛ لأنه لا يباهي بالحاج إلا وقد تطهَّر من كل ذنب، إذ لا تباهي الملائكة وهم مطهرون إلا بمطهر، فينتج أن الحج يكفر حق الحق وحق الخلق حتى الكبائر والتبعات، ولا حجر على الله في فضله ولا حق بالحقيقة لغيره” [فيض القدير (2/354)].

وهذه الاستنباط جاء مصرحا به في حديث الأنصاري الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأَقْبَلَ عليه فَقَالَ: «سَلْ عَنْ حَاجَتِكَ وَإِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ»؟ قَالَ: فَذَلِكَ أَعْجَبُ إِلَيَّ. قَالَ: «فَإِنَّكَ جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ خُرُوجِكَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، وَتَقُولُ: مَاذَا لِي فِيهِ؟ وَجِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ وُقُوفِكَ بِعَرَفَةَ، وَتَقُولُ: مَاذَا لِي فِيهِ؟ وَعَنْ رَمْيِكَ الْجِمَارَ، وَتَقُولُ: مَاذَا لِي فِيهِ؟ وَعَنْ طَوَافِكَ بِالْبَيْتِ، وَتَقُولُ: مَاذَا لِي فِيهِ؟ وَعَنْ حَلْقِكَ رَأْسَكَ، وَتَقُولُ: مَاذَا لِي فِيهِ»؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ. قَالَ: «أَمَّا خُرُوجُكَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ الْبَيْتَ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ وَطْأَةٍ تَطَأُهَا رَاحِلَتُكَ يَكْتُبُ اللَّهُ لَكَ بِهَا حَسَنَةً، وَيَمْحُو عَنْكَ بِهَا سَيِّئَةً. وَأَمَّا وُقُوفُكَ بِعَرَفَةَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلائِكَةَ، فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَيَخَافُونَ عَذَابِي، وَلَمْ يَرَوْنِي، فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ فَلَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ رَمْلِ عَالِجٍ، أَوْ مِثْلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، أَوْ مِثْلُ قَطْرِ السَّمَاءِ ذُنُوبًا غَسَلَ اللَّهُ عَنْكَ. وَأَمَّا رَمْيُكَ الْجِمَارَ فَإِنَّهُ مَذْخُورٌ لَكَ. وَأَمَّا حَلْقُكَ رَأْسَكَ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَسْقُطُ حَسَنَة. فَإِذَا طُفْتَ بِالْبَيْتِ خَرَجْتَ مِنْ ذُنُوبِكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» رواه الطبراني في الجامع الكبير.

5/ أنه اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم:

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان – يعني عرفة – وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلَّمهم قبلا، قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ{ [الأعراف/172، 173] رواه أحمد وصححه الألباني، فما أعظمه من يوم! وما أعظمه من ميثاق!!

6/ أنه يوم العتق من النار:

تقول عَائِشَةُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» رواه مسلم.

وظائفه:

1/ الصوم.

قال نبينا صلى الله عليه وسلم:«صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» رواه مسلم.

وفي لفظ لمسلم: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ:«يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ».

والسنة للحاج أن يفطر في يوم عرفة. قال الإمام مسلم في صحيحه:” بَاب اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ مسلم”، ثم أورد حديث أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ رضي الله عنها المخرج في الصحيحين: أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَه.

أما حديث نهى صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرف بعرفة فضعيف [انظر السلسلة الضعيفة، حديث رقم (404)].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصم يوم عرفة، وحججت مع أبي بكر فلم يصمه، وحججت مع عمر فلم يصمه، وحججت مع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به ولا أنهى عنه” رواه عبد الرزاق في المصنف.

وقال عطاء:” من أفطر يوم عرفة ليتقوى به على الدعاء كان له مثل أجر الصائم” رواه عبد الرزاق في المصنف.

2/ الدعاء:

فعن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» رواه الترمذي.

قال في تحفة الأحوذي (8/482): “«خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْم عَرَفَةَ»؛ لِأَنَّهُ أَجْزَلُ إِثَابَةً وَأَعْجَلُ إِجَابَةً”.

فلو لم يكن الدعاء فيه مستجاباً لما كان خير الدعاء.

وقد اختلف العلماء هل هذا الفضل للدعاء يوم عرفة خاص بمن كان في عرفة أم يشمل باقي البقاع، والأرجح أنه عام، وأن الفضل لليوم، ولا شك أن من كان على عرفة فقد جمع بين فضل المكان وفضل الزمان.

قال ابن قدامة رحمه الله:

قال القاضي: ولا بأس بـ ” التعريف ” عشية عرفة بالأمصار ( أي: بغير عرفة)، وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله – أي: الإمام أحمد – عن التعريف في الأمصار يجتمعون في المساجد يوم عرفة، قال: “أرجو أن لا يكون به بأس قد فعله غير واحد”، وروى الأثرم عن الحسن قال: أول من عرف بالبصرة ابن عباس رحمه الله وقال أحمد: “أول من فعله ابن عباس وعمرو بن حُرَيث”.

وقال الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع: كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة، قال أحمد: لا بأس به ؛ إنما هو دعاء وذكر لله. فقيل له: تفعله أنت؟ قال: أما أنا فلا، وروي عن يحيى بن معين أنه حضر مع الناس عشية عرفة” [المغني (2/129)].

3/ التكبير:

وهو قسمان:

مطلق، وهذا يكون في العشر كلها، ومقيد بدبر الصلوات، وهذا يكون لغير الحاج من فجر عرفة إلى آخر أيام التشريق، وللحاج من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق.

ولا بأس من أن يكون التكبير جماعياً. قال الإمام الشافعي رحمه الله- في التكبير في الفطر- : “فإذا رأوا هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى” [الأم (1/462)].


تنبيه على حديث لا أصل له

«أفضل الأيام يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غير جمعة».

مواقف خالدة

فقد وقف مطرف بن عبد الله وبكر المزني بعرفة فقال أحدهما: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي.

وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم.

وقف أحد الصالحين بعرفة فمنعه الحياء من ربه أن يدعوه فقيل له: لم لا تدعو؟ فقال: أجد وحشة، فقيل له: هذا يوم العفو عن الذنوب، فبسط يديه ووقع ميتاً.

وروي عن الفضيل بن عياض أنه نظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقاً -يعني سدس درهم – أكان يردهم؟ قالوا: لا، قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.

وقال ابن المبارك جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تذرفان فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له.

رب صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.