arrow down

حول قانون يهودية الدولة في إسرائيل
متى يعلن المسلمون إسلامية بلادهم ؟

بقلم فضيلة د. عبدالآخر حماد الغنيمي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

القانون الذي أقره الكنيست الإسرائيلي في 19/ 7 / 2018 م ، والذي عرف باسم قانون يهودية الدولة ، لم يضف جديداً بالنسبة لما نعرفه عن واقع الدولة العبرية ، فالقانون ينص على أن إسرائيل هي الوطن التاريخي للأمة اليهودية ، وعلى أن الغرض من إصدار ذلك القانون هو حماية الشخصية اليهودية لدولتهم ، كما نص على أن لكل يهودي الحق في الهجرة لإسرائيل والحصول على الجنسية الإسرائيلية في إطار القانون ،وأن على الدولة أن تعمل على تجميع شتات اليهود في الخارج ،وكذا التواصل مع الشعب اليهودي في الشتات وأن تعمل الدولة بقوة على تعزيز أواصر الصلة بين إسرائيل واليهود في الشتات ، وأن تساعد الدولة اليهود الذين يعانون المحن أو الأسر في أنحاء العالم .
وكل هذه الأمور كانت الدولة العبرية تمارسها عملياً منذ قيامها ، فهذه الدولة معروفٌ منذ قيامها أنها تقوم على أساس ديني توراتي ،وحتى من قبل قيامها فقد كان الهدف من قيامها إنشاء وطن قومي لليهود ، كما هو نص وعد بلفور الصادر في سنة 1917م .
كما أن إسرائيل كانت ولا تزال تعتبر نفسها مسؤولة عن اليهود في العالم كله ،وهل ننسى الابتزاز الكبير الذي مارسته إسرائيل على ألمانيا حتى فرضت عليها في ستينيات القرن الميلادي الماضي أن تدفع للحكومة الإسرائيلية سبعين مليون دولار سنوياً ،ولمدة اثني عشر عاماً ، وذلك من قبيل التعويض عما يزعمون أنه تنكيل وقع من هتلر تجاه اليهود في ألمانيا ،أي أن الحكومة الإسرائيلية تعتبر نفسها مسؤولة حتى عن اليهود الذين ماتوا قبل قيامها .
ربما كان الجديد في هذا القانون هو نصه على أن اليهود فقط هم الذين لهم الحق في تقرير المصير في إسرائيل ، ولعلهم جاؤوا بهذا النص بسبب ما يرونه من زيادة هائلة في أعداد المواليد بين فلسطيني عام 48 ، وهم الذين بقوا في أرضهم في الجزء الذي اغتصبه اليهود وأقاموا عليه دولتهم عام 1948م ، وهؤلااء الفلسطينيون هم بحكم القانون الإسرائيلي مواطنون إسرائيليون يحملون جوازات إسرائيلية ،لذا يخشى اليهود أن يأتي يوم يكون فيه هؤلاء الفلسطينيون هم الأكثرية في إسرائيل ،فأرادوا التحايل على الأعراف الديمقراطية بمثل هذا النص الأثيم .
وبعد : فلقد ظل المخلصون من أبناء هذه الأمة منذ قيام دولة اليهود في فلسطين يحذرون من هذه العنصرية اليهودية ، داعين إلى عدم تناسي الأساس الديني الذي تقوم عليه تلك الدولة ، وأنه لا يصح اختصار القضية في كونها قضية فلسطينية ،أو كونها قضية قومية تخص العرب وحدهم ، بل لا بد أن يرتفع فيها اسم الإسلام ،والجهاد تحت رايته ، وأن ذلك يقتضي أولاً أن يرجع المسلمون إلى دينهم فيحكموا كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، مثلما يجعل اليهود عقيدتهم الباطلة هي مرجعيتهم العليا ، فهذا والله هو السبيل ،وإلا فلن نجني إلا مزيداً من الخسائر والانتكاسات .
أنا أعلم تماماً أننا حين ننادي بهذا سنتعرض لسخرية الساخرين ،ودعاة ما يسمى بالدولة الوطنية ،الذين يقدمون –بزعمهم- رابطة الوطنية على كل رابطة ،حتىى رابطة الدين والعقيدة .
ونحن نرى أنه لا تعارض بين انتماء المسلم لوطنه الذي نشأ فيه وحبه له ، وبين كونه يدعو للحفاظ على الهوية الإسلامية لبلاده ،وأن يكون الولاء للعقيدة مقدماً على كل ولاء ،ولنتذكر أن الزعيم الوطني مصطفى كامل الذي كانت خطبه تفيض بحبه لمصر واستعداده لأن يفديها بنفسه وماله ، حتى إن أصل نشيد (بلادي بلادي ) مأخوذ من جمل مشهورة لمصطفى كامل كان يتغنى فيها بحب مصر ، هذا الرجل كان –مع كل ذلك- من أبرز الدعاة إلى الحفاظ على الهوية الإسلامية لمصر ،بل كان يرى وجوب استمرار الخلافة العثمانية وأن تكون مصر ولاية تابعة لها .
وإن من أعجب ما تُواجَه به حين تنادي بأن تُعلي بلاد المسلمين من شأن الشريعة وأحكامها ،أن يقال لك : ولكن يا أخي إن بلادنا فيها نسبة غير قليلة من غير المسلمين ،فكيف تطالب بحكم الشريعة مع وجودهم ؟ وكأن الشريعة الإسلامية ستظلم هؤلاء القوم ، وهل هناك شريعة على مدى التاريخ البشري كله أعطت للأقليات من الحقوق مثلما أعطت شريعة المسلمين . ثم بأي منطق تتحكم الأقلية في الأكثرية وتمنعها من ممارسة ما أوجبه الله عليها من تحكيم شريعته ؟
لكن يبدو أن المنطق السائد في بلادنا هو ما صرح به منذ مدة أحد وكلاء وزارة الأوقاف حيث زعم ( أن المسلمين منذ دخول الإسلام مصر وهم ضيوف على إخوتهم المسيحيين ) ، وقد تناسى هذا المسكين أن غالبية مسلمي مصر هم من أصول قبطية ،وليست عربية فهم أيضاً أصحاب أرضٍ وليسوا ضيوفاً حتى إذا تنزلنا لمستوى كلامه الهابط .
ووفقاً لهذا المنطق الضال نرى التضييق على الدعوة إلى الله عز وجل ،وتحجيم دور المساجد وتأميم أنشطتها ، والتضييق على كل مظهر إسلامي ، حتى صار المسلمون غرباء في بلادهم ،وحسبنا الله ونعم الوكيل .