arrow down

القرآن الكريم .. كلام الله المنزل

بقلم فضيلة أ.د. حسن محمد شباله ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.

أما بعد:

لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ليكون للعالمين نذيراً، كتاب لا ريب فيه هدى للمتقين وبشرى للمؤمنين قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ هَذَا القُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء:9]، وقال سبحانه وتعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام:155]، وقال سبحانه: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة:15-16]، وقال سبحانه: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [طه:1-3]، فهذا القرآن وهذا الكتاب المبين الذي أنزله الله على عبده ليكون للعالمين نذيراً هو موعظة وهو هدى وهو شفاء لما في الصدور. أعلن سبحانه وتعالى أنه أنزله بالحق وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قال سبحانه: {وَبِالحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالحَقِّ نَزَلَ..} [الإسراء:105]، وأوحاه الله سبحانه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم وحياً وحرسه من التبديل، وحفظه إلى أن يشاء سبحانه قبيل قيام الساعة فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9].

كتاب فيه من الخير والهدى والبركة والنور ما ينبغي للمسلمين أن يسارعوا إليه، قال عثمان رضي الله عنه: لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كتاب الله سبحانه وتعالى، انظروا إلى هؤلاء القوم الذين يعرفون قدر القرآن ومكانته، فإنهم لا يشبعون من تلاوته ولا يسأمون من قراءته، ينظرون فيه تدبراً وتفكراً فتحصل لهم الخشية وتلين به القلوب ويخرون للأذقان سجداً يبكون قال تعالى: {..إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء:107-109]. تتنزل الملائكة لسماعه وتتأثر بقراءته، قرأ أسيد بن حضير رضي الله عنه ذات يوم فواتح سورة البقرة، فإذا به يرى فرسه تضطرب في مكانها، فإذا توقف عن القراءة سكنت، ثم عاد يقرأ فاضطربت حتى خشي على ولده أن تطأه بأقدامها، فتوقف عن القراءة، ثم لما أصبح أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فقال له: «يا ابن حضير تلك الملائكة دنت لسماع القرآن، ولو بقيت تقرأ لأصبح الناس ينظرون إليها لا تتوارى منهم» [البخاري: (4/1916) (4730)، مسلم: (1/548) (796)].

لقد ألقى الله الهيبة في قلوب الكفار إذا سمعوا القرآن يتلى هذا جبير بن مطعم كان مشركاً، وكان من أكابر قريش ومن علماء النسب، فلما سمع قول الله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ} [الطُّور:35] قال: كاد قلبي أن يطير، كان ذلك قبل أن يدخل الإسلام في قلبه ثم أسلم رضي الله عنه.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان قد أوتي من الخشوع والبكاء عند سماع القرآن ما لم يستطع أن يستره عن قومه في مكة، فكان إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه حتى أنه ابتنى مسجداً في فناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيجتمع عليه النساء والصبيان يستمعون له حول داره، حتى خاف المشركون على أولادهم من التأثر بقراءته وخشوعه.

الجن التي يظن الناس أنهم من أقسى المخلوقات وأبعدها عن الخشية ما إن سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لانت قلوبهم وسجدوا لله ربهم، وولوا إلى قومهم منذرين، قال الله عن قصتهم هذه: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ...الآيات} [الأحقاف:29].

حتى أصحاب الديانات الأخرى ممن لا يدينون بالإسلام إذا أراد الله بهم خيراً تأثروا عند سماعه قال الله عنهم: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة:83].

هذا القرآن الذي يكرم صاحبه يوم القيامة ويلبس تاج الوقار ويحلى بالحلية العظيمة، حتى والداه ينالهما الخير بسبب حفظ ولدهما للقرآن قال صلى الله عليه وسلم: «يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها» [الحاكم: (1/739) (2030) عن عبدالله بن عمرو]، وجاء في الحديث أن القرآن يشفع لصاحبه يوم القيامة، وأن سورة البقرة وآل عمران تأتيان كأنهما غمامتان تظلان صاحبهما يوم الحر الأكبر في ساحة المحشر.

أما والدا من حفظ القرآن فأمرهما أعجب؛ فإن الله سبحانه وتعالى يبعثهما يوم القيامة ثم يأمر ملائكته أن يلبساهما تاجين من ذهب تنظر إليه الخلائق، فيستغربان لماذا ألبسا من دون الناس؟ فيقال لهما: هذا بأخذ ولدكما للقرآن.

لقد تكفل الله بحفظ القرآن ولم يوكل حفظه إلى الناس كما هو الحال في الكتب السابقة قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، وبعد هذا الحفظ من الله لن يستطيع عابث أن يعبث به أو يزيد فيه أو ينقص منه إلى قيام الساعة، وإن كانت قد وجدت بعض المؤامرات للعبث به ولكنها سرعان ما تنكشف، فلا يمكن أن تذهب مكانة القرآن من الأرض.

ولعل من آخر تلك المحاولات ما سمعنا عنه من ذلك المخطط الرهيب الصادر عن بعض المجامع اليهودية والنصرانية، والذي يهدف إلى إصدار كتاب يسمى الفرقان الموحد، والذي حرفوا فيه وبدلوا وأرادوه أن يكون بديلاً عن القرآن، ووزعوه على بعض بلاد المسلمين، لكن هذه المحاولة باءت بالفشل وعرف الناس زيف ما فعلوه والحمد لله رب العالمين، لقد نسي أولئك أن الله قد حفظ كتابه في صدور المؤمنين قبل أن يحفظه في الصحائف والسطور.

لقد حاول أعداء الإسلام قديماً وحديثاً تحريف القرآن بوسائل متعددة: تارةً باسم الإسلام وتارةً باسم الكفر وتارة باسم التحدي ونحوها.

إن مما نسمعه من الرافضة أن عندهم ستين جزءاً من القرآن لا يوجد منه حرف واحد في مصاحفنا الموجودة بين أيدينا، وهذا نوع من التحريف، ولكنه فشل ولله الحمد، فالقرآن حق من عند الله العزيز الحكيم.

والقاديانيون عندهم صحف وسور كتبوها في القرآن وأضافوا بعض العبارات لشيخهم أحمد القادياني الذي ادعوا أنه خاتم الأنبياء والأولياء كذباً وزوراً.

وهكذا هناك ممن ظهر في التاريخ الإسلامي ممن ادعى أنه ينزل عليه قرآن أو وحي ولكنه هذيان وهراء ضحك منه العوام قبل العلماء؛ لأن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه.

بل قد تحدى الله العرب وهم أرباب الفصاحة والبلاغة أن يأتوا بمثل هذا القرآن فلم يستطيعوا، ثم بعشر سور منه فلم يستطيعوا، ثم بسورة واحدة فلم يستطيعوا، فحصل التحدي لهم جميعاً وأذعنوا واستسلموا وقال الله سبحانه للجميع: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:88].

ومن تأمل أسلوب القرآن وبلاغته في أمثاله وقصصه وألفاظه علم أنه كلام الله وأنه سيحفظ كما وعد الله سبحانه بذلك.

وتأتي اليوم محاولات لهدم هذه الكرامة وإهانة هذا الكتاب العظيم سواءً بالإهانة الحسية أو المعنوية:

أما الإهانة الحسية فقد سمعنا جميعاً بما نال المصحف الشريف من تدنيس وتمزيق في معتقلات وسجون اليهود والنصارى اليوم في كثير من البقاع، وهذا يدل على المحاولة اليائسة من أعداء الإسلام لتدنيس هذا الكتاب العظيم.

أما التدنيس المعنوي فيتجلى من خلال التلاعب بألفاظه ومعانيه وتفسيره تفسيراً باطلاً لم يرده الله تعالى.

لقد ادعى مسيلمة الكذاب قديماً وتبعته سجاح ادعيا أنه ينزل عليهما قرآن فضحك الناس من قرآنهم الذي ينم عن فساد اللغة وفساد النفس وسذاجة ليس لها حدود، وأراد الكذاب أن يجعل جهالاته قرآناً يتلى، واستمر على هذه الحال حتى قتل شر قتلة.

وتوالت المحاولات بطرق شتى ليست كقرآن مسيلمة أو سجاح وإنما بأمور أخرى: إنها تفسيرات باطلة للقرآن وتحريفات للألفاظ، لقد طبعت إسرائيل خمسة ملايين نسخة من المصحف بعد أن حذفت كلمة واحدة منه في قوله سبحانه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:85]، فحذفوا منها: (غير) وصارت: ومن يبتغ الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وأنفقوا على هذا العمل النفقات الباهظة، ولكن سرعان ما اكتشفها العلماء الذين يحفظون القرآن، وألقي ما طبعوه في البحر والحمد لله رب العالمين.

إن مسلسل الاحتقار لكتاب الله تعالى قد غزا كثيراً من البلدان الإسلامية اليوم، لقد ركل الأعداء المصحف وداسوه بأقدامهم ورموا به في الأماكن القذرة.

ولكن هناك صوراً يجهل الناس أنها احتقار للمصحف ومن تلك الصور:

محاربة مدارس تحفيظ القرآن الكريم والتضييق عليها وعلى طلابها أو التخفيف من مناهج القرآن في المدارس، كل هذه صور من صور الاحتقار للمصحف ولكن بطريقة غير مباشرة.

إن أعداءنا يعرفون ما تعنيه حلقات القرآن أو مناهج القرآن والدراسات الشرعية، إنهم يعرفون جيداً أنها تبني ما يهدمون وتصلح ما يفسدون؛ لذلك تكاتفوا وتآمروا عليها بصور متعددة، ولقد جاء في أحد التقارير الذي أعدته إحدى الدوائر الاستخباراتية في بعض دول الغرب أنهم ينكرون على أولئك الذين داسوا المصحف الشريف بأقدامهم وقالوا: أنتم بفعلكم هذا تهيجون ملايين المسلمين، ونحن نمشي بخطوات هادئة لإفسادهم ومسخ فطرهم وإلغاء القرآن من حياتهم.

إن هذه المحاولات للعبث بالقرآن وحملته وأهله إنما المقصود منها حرب الإسلام؛ لأن الإسلام يقوم على هذا القرآن، ولقد قال أحد زعماء أعداء الإسلام: إنكم لن تستطيعوا القضاء على المسلمين حتى تقضوا على قرآنهم الذي يردهم كلما ابتعدوا، ورضي الله عن الخليفة الراشد عمر حين قال: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.

إن القرآن هدى وشفاء؛ هدى من ضلالات الجهل وظلمات الكفر، وشفاء لما في الصدور من الأمراض الحسية والمعنوية، أنزل الله كتابه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.

إن علينا واجبات نحو هذا القرآن ومن تلك الواجبات: أن نقتطع له شيئاً من أوقاتنا لقراءته وتدبره وحفظه، وأن نعمل بأحكامه وأوامره ونبتعد عن نواهيه وأن نتحاكم إليه فإن الله إنما أنزله لذلك، ومن واجبنا أن نسعى في تشجيع حملته وأن نعلمه لأبنائنا وبناتنا، وأن نكون من الداعمين لتحفيظه وتعليمه ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى.

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، والحمد لله رب العالمين.