arrow down

من مظاهر تكريم الإسلام للمرأة


بقلم فضيلة أ.د. علي بن محمد مقبول الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

أن العلماء نصوا على أن من ضرب جاريته وهي ترعى غنمًا - مثلًا - له فأكل الذئب واحدة منها أن كفارة ضربه لها هو عتقها؛ والدليل على ذلك ما رواه معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: (كانت لي جارية ترعى غنمًا لي في قبل أحد والجوانية، فاطلعتها ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة[1]، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فعَظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة)[2] فجعل النبي صلى الله عليه وسلم تكفير ضرب معاوية بن الحكم ت لجاريته أن يعتقها تكفيرًا منه عما بدر منه من ضربها، فهل هناك دين يحترم المرأة ويقدر الكرامة كدين الإسلام الذي جعله الله رحمة للعالمين؟!

ومن مظاهر تكريم الإسلام للمرأة:

قصة أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، فقد أجارت رجلين من أحمائها كتب عليهما القتل في عام الفتح، وتحكي القصة أم هانئ فتقول: (ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: مرحبًا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله! زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجلًا قد أجرته - فلان ابن هبيرة - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ)[3].

ومن الحديث السابق يتبين لنا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قبل من أم هانئ كلامها وأجار من أجارت (ومشى كلامها) ولم يخفر ذمتها؛ احترامًا منه صلى الله عليه وسلم للمرأة، وتكريمًا لها، وجعلها من المؤمنين الذين يجير عليهم أدناهم.

ومن مظاهر تكريم الإسلام للمرأة:

أن الرسول صلى الله عليه وسلم يوقف جيشًا بأكمله للبحث عن عقد فُقد لزوجته الحبيبة الغالية عائشة ل، فيبحث الناس عن العقد ولا يجدونه، ويخرج وقت صلاة الظهر ولا ماء، فيقول المسلمون: حبسنا من أجل زوجته[4]. فهل وجدتم أحدًا يحترم المرأة ويكرمها كما أكرمها رسول الهدى؟ إنه يوقف الجيش من أجل زوجته مراعاةً لشعورها وتقديرًا لها.

هل يتعامل الناس اليوم مع زوجاتهم كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع زوجته عائشة؟

ومن مظاهر تكريم الإسلام للمرأة:

أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسابق زوجته[5]؛ وهذا من التبسط ورفع الكلفة بينه وبين زوجته، فهو صلى الله عليه وسلم يقتطع جزءًا من وقته الثمين ليدخل السرور على أهل بيته صلى الله عليه وسلم، مع أن الله كلفه بتبليغ الرسالة وحمل الأمانة، فأين الدعاة والمفكرون وأساتذة الجامعة - اليوم - الذين يهملون زوجاتهم يعتذرون بضيق الوقت؟! أما كان لهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.

ومن مظاهر تكريم الإسلام للمرأة: أن القرآن ينتصر للمرأة:

فهذه خولة بنت ثعلبة كانت زوجة لأوس بن الصامت، وكان رجلًا غضوبًا قد كبر سنه، فجاء يومًا فراجعته زوجته في أمر ما، فغضب وقال لها: أنت عليَّ كظهر أمي، فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستفتيه عن حالها وتشتكي إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما أراك إلا قد حرمت عليه) فجادلت النبي صلى الله عليه وسلم واشتكت في حرقة أمرها إلى رسول الله، أهكذا بكل "بساطة" تنقطع الصلة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أراك إلا قد حرمت عليه)؟ فقالت: يا رسول الله!

أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إليك أشكو، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ [المجادلة: 1]الآيات [6].

فالرجل كان في الجاهلية يغضب لأمر من امرأته فيقول: أنت علي كظهر أمي. فتحرم عليه، ولا تطلق منه، وتبقى هكذا، لا هي حل له فتقوم بينهما الصلات الزوجية، ولا هي مطلقة منه فتجد لها طريقًا آخر، وكان هذا طرفًا من العنت والإهانة والإذلال الذي تلاقيه المرأة في الجاهلية[7].

فنزل القرآن ليحكي هذا الشأن الذي سمع الله ما دار فيه من حوار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرأة التي جاءت تجادله فيه، وهذا هو الشأن الذي أنزل الله فيه حكمه من فوق سبع سموات، ليعطي هذه المرأة حقها، ويريح بالها وبال زوجها، ويرسم للمسلمين الطريق في مثل هذه المشكلة العائلية اليومية!!

وإنه لتكريم أيُّ تكريم أن يقع مثل هذا الحادث العجيب، وأن تشعر هذه المرأة أن الله معها، حاضر شؤونها، جليلها وصغيرها، معنيٌّ بمشكلاتها اليومية، مستجيب لأزمتها العادية.. وهو الله.. الكبير المتعال.. العظيم الجليل.. القهار المتكبر، الذي له ملك السموات والأرض وهو الغني الحميد[8]، تقول عائشة رضي الله عنها[9]: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادِلة خولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [المجادلة: 1].

وخلاصة القول:
إن الإسلام يكرم المرأة ويخاطبها على أنها كائن مستقل عن الرجال وليس ملحقًا له، وأن الدخول في دين الله عمل عيني لا تصح فيه الوكالة، فالمرأة مكلفة تكليفًا عينيًا كما الرجل تمامًا، وهذا دليل على تكريمها واستقلاليتها، وأنها مخاطبة بدين الله كما الرجل، لا كما يزعم الغربيون أن المرأة لا تقرأ الإنجيل – أي: العهد الجديد - لأنها نجسة ولا تكون راهبة أو داعية إلى دينها إلا ما حصل في العصور المتأخرة رغم معارضته الكثير من القساوسة ورجال الدين الغربيين.

---------------------------------------
[1] صك بمعنى: ضرب قفاه ووجهه بيده (المصباح المنير مادة "صك") وصككتها صكة أي: ضربتها بيدي مبسوطة.
[2] الحديث أخرجه مسلم في كتاب المساجد... باب: تحريم الكلام (1/382) حديث رقم (537).
[3] أخرجه البخاري في كتاب الغسل باب: التستر عند الغسل (1/74)، ومسلم في كتاب الحيض، باب: تستر المغتسل (1/265) حديث رقم (336) (وأجرنا من أجرت) هي من رواية أبي داود في كتاب الجهاد، باب: أمان المرأة (3/193).
[4] انظر القصة بتمامها في تفسير ابن كثير (1/618) (سورة النساء).
[5] أخرجه ابن ماجة في كتاب النكاح، باب: عشرة النساء (1/636) حديث رقم (1979)، وأحمد في مسنده (6/264)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (1/334) حديث رقم (1610)، وفي الأحاديث الصحيحة حديث رقم (131).
[6] انظر القصة بتمامها في تفسير ابن كثير (4/376) (سورة المجادلة).
[7] في ظلال القرآن (6/3505).
[8] بتصرف من المرجع السابق (6/3505).
[9] انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني (13/460)..