arrow down

أسباب غربة السنّة

 

إنَّ هناك عدة أسباب أدت إلى غربة السنة فمن ذلك:

أولاً: الجهل بالسنن:

 فكما قيل: الإنسان عدو ما يجهل، فينشأ المسلم على شيءٍ ويظن أنه هو الصحيح، فيتشبث بها على أنَّها سنة من سنن المصطفى- صلى الله عليه وسلم- ، فإذا جاء من يحي السنة قابله بالإنكار، ورماه بالجهل والبوار.

قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ: ( سبب الخروج عن السنة الجهل بها، والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف، فإذا كان كذلك حمل على صاحب السنة أنه غير صاحبها، ورجع بالتشنيع عليه والتقبيح لقوله وفعله )[1].

ويقول ابن القيم- رحمه الله-: ( قد غلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل، وخفاء العلم، فصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطُمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء، وغلب السفهاء، ولكن مع هذا لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث اللهُ سبحانه الأرض ومن عليها، وهو خيرُ الوارثين)[2].

وقال محمد بن الفضل البلخي: ( ذهاب الإسلام من أربعة: لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون ما لا يعلمون، ويمنعون الناس من التعلم )[3]

ثانياً : التعصب المذهبي:

 قد يؤدي التعصب إلى المذهب إلى مخالفة سنة النبي- صلى الله عليه وسلم-، بل وصل الأمر ببعضهم أن يكون المذهب وقول الإمام هو الأصل، والقرآن والسنة هي الفرع.

يقول أبو حسن الكرخي: ( كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ ) [4] .

ونقل الرازي عن شيخه المجتهد- رحمه الله- أنه قال: ( شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء، قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها، وبقوا ينظرون إليّ كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظاهر هذه الآيات، مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها ؟

ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا " [5]

ثالثاً: الانبهار بحضارة الغرب الكافر والهزيمة النفسية:

أدى هذا السبب إلى ترك بعض السنن النبوية، خاصة في هذا الزمن الذي غزا الإعلام الغربي ديار الإسلام وهيمن عليها، فأصبح يصور للناس أن ما خالف حضارتهم فيعد تخلف ورجعية، وتقهقر ووحشية، ورجوع إلى العصور الحجرية، فإذا بفئام من الناس تستحي أن تطبق سنة النبي- صلى الله عليه وسلم- خشية أن يوصفوا بهذه الصفات، ولذلك تلحظ عندما يذهب بعض المسلمين إلى ديار الكفر تجد أن بعضهم يتخلى عن بعض معالم دينه؛ فإذا بالمرأة مثلا تدع حجابها، وإذا بالرجل أحيانا يتخلف عن أداء الصلوات، ويستحي من رفع الأذان في المطارات أو في أماكن عامة كالحدائق والمنتزهات، والله المستعان .

رابعاً: عدم تعظيم السنة في القلوب:

 ولذلك يسأل كثير من الناس عن العمل الذي توجهه إليه هل هو سنة أم واجب ؟ فإذا قلت سنه، قال الأمر يسير والدين يسر والله تعالى غفور رحيم، وهكذا يتساهل بسنة النبي- صلى الله عليه وسلم- حتى تنعدم بين الناس ويعد من يفعلها غريباً، ولذلك جاءت أقوال السلف في بيان عظمة السنة ووجوب الأخذ بها، والتشديد في من تهاون بها، فمن ذلك ما قاله ابن عباس- رضي الله عنهما-: ( يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتقولون قال أبو بكر وعمر ؟

وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، ويذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: (( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) (النور:63) .

أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة: الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. [6]

وقال الشافعي: ( أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لم يكن له أن يدعها لقول أحد ) [7] .

وقال الحميدي: كنت بمصر فحدث محمد بن إدريس الشافعي بحديث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له رجل: يا أبا عبد الله تأخذ بها؟ فقال: إن رأيتني خرجت من الكنسية أو ترى علىّ زنارا ؟! إذا ثبت عندي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حديث قلت به وقولته إياه ولم أزل عنه، وإن هو لم يثبت عندي لم أقول إياه، أترى عليَّ زناراً حتى لا أقول به؟

وقال الربيع بن سليمان: سأل رجل الشافعي عن حديث النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال له الرجل: فما تقول ؟ فارتعد وانتفض وقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا رويت عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقلت بغيره.

وقال الربيع أيضا: سمعت الشافعي ـ وذكر حديثا ـ فقال له رجل: تأخذ بالحديث ؟ فقال لنا: ـ ونحن خلفه كثيرـ أشهدوا أني إذا صح عندي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فلم آخذ به فإن عقلي قد ذهب .[8]

خامساً: خوف العجب والشهرة:

فبعض الناس قد يترك السنة في زمن الغربة خوفا من فساد نيته بما يدخل عليه من العجب والشهرة المنهي عنها!! فكأنه يقول: أترك السنة في زمان الغربة خوف الشهرة ودخول العجب!! [9]وهذا لاشك خطأ فادح، فلو قلنا به لترك كثير من الأحكام الشرعية بحجة خوف العجب والشهرة، وكما قيل ترك العمل من أجل الناس شرك، والعمل من أجل الناس رياء.

سادساً : عدم وجود من يعمل بها:

فيخشى من يطبقها الإنكار عليه، وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام الشاطبي حينما قال: ( كان بعضهم تسرد عليه الأحاديث الصحيحة في خيار المجلس ونحوه من الأحكام؛ فلا يجد له معتصما إلا أن يقول: هذا لم يقل به أحد من العلماء.."[10].

سابعاً : كثرة البدع :

فالمجتمع الذي تنتشر فيه البدع تغيب فيه السنن حتى تصبح السنة غريبة، وقد دل على هذا المعنى كلام جماعة من السلف- رحمهم الله- .

وقال حسان بن عطية المحاربي: ( ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها عليهم إلى يوم القيامة )[11].

وقال ابن سيرين: ما أحدث رجل بدعةً فراجع سنة "[12].

وقال لقمان بن أبي إدريس الخولاني: ( ما أحدثت أمةٌ في دينها بدعة إلا رفع بها عنها سنة ) [13].

----------------------------------------------------------------

 [1] ـ الاعتصام (1/23) .

[2] ـ زاد المعاد (3/507)

[3] ـ سير أعلام النبلاء (14/525) .

[4] تاريخ التشريع الإسلامي للخضري ص 332 .

[5] تفسير الرازي المسمى مفاتيح الغيب (4/431) .

[6] ـ انظر : فتح المجيد ص 553-557 .

[7] إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار ص 114 . للشيخ صالح بن محمد الفلاني .

[8] انظر : في الآثار عن الشافعي حلية الأولياء (9/106) .

[9] ـ الاعتصام (2/259) .

[10] الاعتصام (2/275) .

[11] رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (1/93، رقم 129)

[12] ذكرة أبو شامة في الباعث ص 72 .

[13] ذكره الشاطبي في الاعتصام (1/40)

 

بقلم

د. محمد بن عبدالله الهبدان

عضو رابطة علماء المسلمين

السبت 14 / شعبان / 1437هـ

21 / مايو / 2016م