arrow down

تعدد الزوجات تشريع رباني باقٍ ما تعاقب الملوان

بقلم فضيلة البروفيسور/ الأمين الحاج محمد ( عضو رابطة علماء المسلمين )

بسم الله الرحمن الرحيم

تعدد الزوجات تشريع رباني باقٍ ما تعاقب الملوان

من الأمور التي عمت بها البلوى في هذا العصر، نتيجة تقليد قطاع من المتمسلمين وتشبههم بالكفار والملحدين، وتمردهم على شرعة خاتم الأنبياء والمرسلين، حيث لم يسلم من ذلك حتى بعض المنتسبين إلى العلم والدين، التمرد على التعدد والتشكيك في حِله.
فمنهم من علق التعدد ببعض المستحيلات نحو رضا الزوجة الأولى، ومنهم من رفع عللاً عليلة وشبهاً داحضة مردودة، بل بلغت الجرأة ببعضهم أن زعم أن تعدد الزوجات في هذا العصر التعيس البائس صار محرماً، مما دفع بعض من لا خلاق له من الحكام أن سن قانوناً يحرم التعدد!! ويعاقب من تعاطاه إلاَّ إذا أقر أن التي يعاشرها كانت خليلة وليست حليلة، وفي هذه الحال يُعتذر له، ويُخلى سبيله كبرت كلمة تخرج من أفواههم، وساء حكماً سطره بنانهم.
التعدد مشروع ومباح شرعه رب العالمين، وأباحه أحكم الحاكمين الله رب العالمين، حيث قال تعالى: “وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً” [النساء:6]
فلا ولن يستطيع أحد أن يحرمه، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، فلن يضر إلاَّ نفسه.
جاء في تفسيرها: (أن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية، وأول الإسلام من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء فقصرتهن الآية على أربع) [الجامع لأحكام القرآن جـ5/12]
هذا ما كان عليه أهل الإسلام حتى نبتت نابتة في هذا العصر كما قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: (افرنجية العقل، نصرانية العاطفة، رباهم الافرنج في ديارنا وديارهم، وأرضعوهم عقائدهم، صريحة تارة، وممزوجة تارات، حتى لبسوا عليهم تفكيرهم، وغلبوهم على فطرتهم الإسلامية فصار هجيِّراهم وديدنهم أن ينكروا تعدد الزوجات، وأن يروه عملاً بشعاً غير مستساغ في نظرهم، فمنهم من يصرح ومنهم من يجمجم، وجاراهم في ذلك بعض من ينتسب إلى العلم من أهل الأزهر المنتسبين للدين، والذين كان من واجبهم أن يدفعوا عنه، وأن يُعَرِّفوا الجاهلين حقائق الشريعة) [ عمدة التفسير جـ3/102]
شُّبه المتمردين على شرع رب العالمين
يرفع المتمردون، أصحاب الأهواء، في ردهم لهذا التشريع الرباني شبهاً داحضة، وعللاً عليلة، لابد من الإشارة إليها حتى لا يغتر بها المغترون، ويدلس بها على الجاهلين.
والشُّبه هي:
1. “فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً”
الشُّبهة الأولى التي يرفعها هؤلاء هي عبارة عن كلمة حق يريدون بها باطلاً، لأن المراد بذلك اليتيمات، وليس النساء عامة.
قال القرطبي رحمه الله: (قوله تعالى: ” وَإِنْ خِفْتُمْ ” شرط، جوابه: ” فَانكِحُواْ ” أي إن خفتم ألا تعدلوا في مهورهن وفي النفقة عليهن -اليتيمات اللائي في حجوركم- ” فَانكِحُواْ مَا طَابَ ” أي غيرهن. وروى الأئمة واللفظ لمسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة في قول الله تعالى: ” وَإِنْ خِفْتُمْ…. ” قالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالُها وجمالُها، فيريد وليها أن يتزوجها، غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهن إلاَّ أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن). [الجامع جـ5/11]
ولهذا كثرت دندنتهم حول العدل، حول صدر الآية في قوله تعالى: “وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ” وتركوا باقيها: “فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ” [النساء:134] فمالوا إلى ما تهواه قلوبهم، وعزفوا عن باقيها.
رحم الله الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر حين قال راداً على هذه الشُّبهة القذرة:(وشرط العدل في هذه الآية “فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً” شرط شخصي لا تشريعي، أعني: أنه شرط مرجعه لشخص المكلف، لا يدخل تحت سلطان التشريع والقضاء فإن الله قد أذن للرجل – بصيغة الأمر- أن يتزوج ما طاب له من النساء، دون قيد بإذن القاضي، أو بإذن القانون، أو بإذن ولي الأمر، أو غيره، وأمره أنه إذا خاف – في نفسه – أن لا يعدل بين الزوجات أن يقتصر على واحدة. وبالبداهة أنه ليس لأحد سلطان على قلب المريد الزواج، حتى يستطيع أن يعرف مافي دخيلة نفسه من خوف الجور أو عدم خوفه، بل يترك ذلك لتقديره في ضميره وحده. ثم علمه سبحانه أنه على الحقيقة لا يستطيع إقامة ميزان العدل بين الزوجات إقامة تامة لا يدخلها ميل فأمره أن لا يميل، فاكتفى ربه منه في طاعة أمره بالعدل. أن يعمل منه بما استطاع، ورفع عنه ما لم يستطع.
وهذا العدل المأمور به، مما يتغير بتغير الظروف، ومما يذهب ويجيء بما يدخل في نفس المكلف، ولذلك لا يعقل أن يكون شرطاً في صحة العدل)[عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير لأحمد شاكر جـ5/104-105.الهامش]
الممنوع تعمد الحيف:
العدل مطلوب من الزوج سواء كانت له زوجة واحدة أو أكثر ولم يكلف الله المرء بما لا يطيق، ولهذا كان رسولنا يقسم بين زوجاته ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)الحديث. وقد يكون زوج الواحدة أكثر حيفاً وظلماً لزوجه وأولاده من المعدد. وقد ينوي المرء العدل ويعزم عليه عند الزواج، ثم لا يوفق في ذلك.
2. دعوى الشفقة على الأسرة وعلى الأبناء
من الشُّبه التي يثيرها أعداء التعدد زعمهم أن التعدد يعد سبباً لتفكك الأسر ولضياع الأبناء، يالها من رحمة فاقت رحمة العزيز الحكيم، حيث زعموا أن جل المتشردين من آباء فقراء معدمين لم يمكنهم النفقة عليهم والتوجيه لهم. وليتهم مع هذا الافتراء والزعم أنهم أباحوا التعدد للأغنياء والقادرين. بل هم ضد التعدد من حيث المبدأ تقليداً للكفار وتشبهاً بهم.
3. ما قاله رسول الله صلى الله عليهوسلم عندما أراد عليُّ أن يتزوج بنت أبي جهل على فاطمة رضي الله عنها.
من الشُّبه التي يرفعها هؤلاء الجراء على التمرد على شرع الله قوله صلى الله عليه وسلم عندما أراد عليُّ أن يجمع بين فاطمة وبين بنت عدو الله أبي جهل وجاء يستأذنه في ذلك: (فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن. إلاَّ أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي، وينكح ابنتهم، فإنما هي بضعة مني، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها) الحديث. وكعادتهم في التدليس والتلبيس والمكر حيث بتروا الحديث، ولم يشيروا إلى ما فيه دمغهم وإدانتهم على زعمهم الباطل هذا وهو قوله: ( وإني لست أحرم حلالاً، ولا أحل حلالاً ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحداً أبداً) [متفق عليه]
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم ينه عن التعدد ولم يحرمه ولكن بَيَّنَ علة كراهته لهذه الزيجة خاصة لأن فيها جمع بين بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدوى الله عليه من الله ما يستحقه، فتصرف الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الحال تصرف شخصي وليس تصرفاً تشريعياً وهو شبيه بامتناعه من أكل الضب المشوي عندما قدم على مائدته فعافته نفسه وكرهته، ولكنه لم يحرمه وأذِن في أكله، فما سمعنا أحداً من هؤلاء القوم يحرم أكل الضب الذي كره الرسول صلى الله عليه وسلم أكله.
علي رضي الله عنه بعد وفاة فاطمة عدّد، وكان تحته عند استشهاده أربع نسوة من الحرائر، وسبع عشرة من السراري.
حكم وعلل مشروعية التعدد: شرع الإسلام التعدد وأمر به أمر استحباب لِحِكَم وعلل كثيرة، وإن كان الله جل في علاه لا يسأل عما يفعل.
من ذلك ما يأتي:-
1. أن عدد النساء أكثر من عدد الرجال بكثير، سيما في آخر الزمان، حيث يكون للخمسين امرأة قيم واحد وقد ظهرت هذه العلامة بصورة جلية وإن لم تستحكم بعد.
2. بعض الرجال لا تعفه زوجة واحدة.
3. هناك طريقان لقضاء الوطر ليس إلاَّ، كما بين ربنا ذلك حيث قال: ” وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ*فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ “[المؤمنون:5-6]. فالآن لا توجد إماء، لأن المسلمين تركوا الجهاد وركنوا إلى الدنيا.
4. كثرة التبرج والسفور والاختلاط.
5. الرغبة في كثرة الولد تكثيراً لهذه الأمة.
6. الاقتداء والتآسي برسول الهدى وبإخوانه من قبل. قال ابن العباس: (خير هذه الأمة أكثرها نساء “يعني رسول الله. فقد عقد على خمس عشرة، وجمع تحته إحدى عشرة، وتوفي عن تسع) وهذه من خصائصه.
وقد كان لداود مائة امرأة، ولسليمان عليهما السلام ألف امرأة كما ذكر ذلك الحافظ ابن الجوزي في صيد الخاطر صـ94.
وتزوج الحسن بن علي بأربعمائة، وكان مزواجاً مطلاقاً، ويروى أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أحصن بثلاثمائة امرأة سبعون منهن من الحرائر. وقال ابن قتيبة رحمه الله في “المعارف”: صـ174″ثلاثة من أهل البصرة لم يموتوا حتى رأى كل منهم من صلبه مائة: خليفة بن بدر، وأبوبكرة، وأنس بن مالك”.
وسمى عدداً من المكثرين من الولد:
• عمر بن الوليد: كان يركب معه سبعون رجلاً لصلبه، وعقبه كثير.
• سعيد بن العاص بن أمية كان له عشرون ابناً وعشرون بنتاً.
• ابن سيرين ولد له ثلاثون ولداً من امرأة عربية.
• قيس بن عاصم كان له ثلاثة وثلاثون ابناً.
• جزء بن العلاء كان له أربعون ابناً.
وهذا كله بعد الله عز وجل بفضل التعدد والتسري.
فعلى المسلمين أن يحيوا سنة نبيهم وسلفهم الصالح، والحذر من التشبه بالكفار وتقليد أصحاب النار.
هذه بعض العِلَل والحِكَم في التعدد، فهل لذلك حل سوى التعدد أو الزنا؟ فالبديل عن التعدد كثرة الزنا والأخدان، والبديل عن كثرة الأولاد كثرة اللقطاء، والبديل عن الإقرار في البيوت التبرج والسفور. والبديل عن التسليم لأمر الله ورسوله الكفر البواح.
فلماذا أيها الجرآء تستبدلون الذي هو أدنى وأحط وأخسر بالذي هو خير وبركة وسعادة في الدنيا والآخرة؟!

اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون واعلموا أنه لا صلاح لآخر هذه الأمة إلاَّ بما صلح به أولها كما قال مالك رحمه الله، فمن أراد العزة في غير الإسلام أذله الله، ومن لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام والسلف العظام والخلف المباركين فلا وسع الله عليه.
والحمدلله القائل: ” فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”. فسَّر الإمام أحمد الفتنة بالشرك وصلى الله وسلم على من ختمت به الرسالة، ونسخت بشريعته الشرائع، وجُعِل الخزي والعار على من خالف أمره.