arrow down

الختام بالحسنى والربا وصور التحايل فيه

بقلم فضيلة د. صالح بن علي الوادعي (عضو رابطة علماء المسلمين)

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، أما بعد:

الوقفة الأولى:

الختام بالحسنى:

أسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعل أعمالنا كلها صالحة، وأن يجعلها لوجهه خالصة، وأن لا يجعل لأحد من خلقه فيها شيئاً.

أيها الأحباب في الله!

نقف مع آيتين من كتاب الله سبحانه وتعالى فيما سمعنا، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها، وأن يملأ قلوبنا يقيناً وإيماناً.

ضرب الله سبحانه وتعالى مثلاً في كتابه الكريم فيه عبرة لكل مسلم فقال: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة:266].

هذه الآية ينبغي أن نجعلها نُصب أعيننا حتى نلقى الله سبحانه وتعالى، فالثبات من الله عز وجل -أسأل الله أن يُميتنا على الإسلام والتوحيد- قال كما ابن عباس رضي الله عنهما: "هذا مثل ضربه الله لرجل عمل صالحاً زماناً طويلاً ثم ختم له بالسوء". نسأل الله عز وجل حسن الختام.

ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله سبحانه وتعالى أن يثبت قلبه، فقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، وكان أكثر أيمانه عليه الصلاة والسلام: «لا ومقلب القلوب»، وسئل عليه الصلاة والسلام: لماذا هذا الدعاء؟ ولماذا هذا اليمين؟ فقال: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه». أسأل الله سبحانه وتعالى أن يقيم قلوبنا على التوحيد.

أيها الأحباب في الله!

من كان الخاتمة أمام عينيه ويخاف منها فسيوفقه الله سبحانه وتعالى، وسيختم له بخير، وإذا كانت خبايانا خير فسيختم لنا بخير، وأبشروا بخاتمة الخير. فهذه عادة الله سبحانه وتعالى في من عنده خبايا من أعمال صالحة لا يطلع عليها إلا الله سبحانه وتعالى.. لا يطلع عليها قريب لا زوجة ولا ولد ولا غيرهم.

كان بعض السلف يبيت الليل وقد ملأ دمع عينه وسادته، ولا تشعر به زوجته.

عاش داود بن أبي هند -من أئمة التابعين رحمه الله تعالى- عشرون سنة يصوم ولا يدري أهله بصيامه، ولا أهل سوقه بصيامه، كان يأخذ زاده من بيته، فإذا خرج من بيته ظن أهله أنه سيأكل ذلك الزاد في السوق، وإذا أتى السوق ظن أهل السوق أنه أكل في بيته.

ولا يقبل الله سبحانه وتعالى المراءاة في النفقة كما قال: {كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} [البقرة:264]، وفي آية آل عمران ذكر مثلاً من دعاء الصالحين فقال: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8].

الوقفة الثانية:

الربا وصور التحايل فيه:

هذه الوقفة مع قول الله سبحانه وتعالى في آيات الربا: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة:275]، فيوم القيامة يمتلأ بطنه -كما جاء عن بعض أئمة التفسير- من هذا المال الذي أكله من حرام، ورابى فيه ومحقه الله سبحانه وتعالى؛ فيأتي يوم القيامة يتخبط.

وفي حديث الرؤيا الطويل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً قائماً على الشط، ومعه حجر يلقم فم ذلك!! هذا حال أكلة الربا.

أيها الإخوة!

الناس تساهلوا في الربا، والله عز وجل يقول: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة:276]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة:278].

وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه»، وفي رواية غير ابن مسعود: «لعن الله آكل الربا وكاتبه وموكله وشاهديه»، خمسة لعنوا في الربا؛ حتى الذي يُؤَكِّل الربا ملعون مع من أكل، فلذلك لا يجوز للإنسان أن يأخذ الربا، ولا يجوز له أن يتعاطى الربا، ولا أن يتساهل فيه، وإذا كانت هناك شبهة في مال اتركه، بعض الناس منذ زمن وهو يتعامل بالربا، وأمواله في البنوك الربوية ولا يبالي، وربما يكون من المصلين، {اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278].

الأمة المسلمة اقتصادها لماذا انهار؟

{يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا}: الاقتصاد العالمي كله مبني على الربا، سلوا كم اليمن متدينة من البنك الدولي!

{يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة:276]: الربا لا يحبه الله، والصدقة ينميها الله سبحانه وتعالى، الربا خطير على الإنسان حتى في بدنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به»، ولو كان الربا يسيراً؛ فلا تستهينوا بهذا الأمر، فالربا كبيرة من الكبائر، وعظيمة من العظائم، وقال عليه الصلاة والسلام: «اجتنبوا السبع الموبقات -وذكرها منها- وأكل الربا».

فمن كان معه مال من هذا في البنوك فليتخلص منه، وله رأس ماله، وكثير من الناس يقع في هذا المحذور، صندوق التوفير البريدي ربا، صندوق التوفير في البنوك ربا. بعض الناس يقول: أنا أوفر، وهذا ربا لا يجوز، ما يأخذه ما يجوز، أي معاملة تجهلها سل عنها أهل العلم، لا تُقدم على معاملة من المعاملات إلا وتسأل أهل العلم.

وبعض الناس يأتي يقول لفلان: أقرضني مالاً؟ فيقول: ما أقرضك، لكن تاجر في مالي وأريد مالي مضموناً، أعطيك مليوناً على أن ترده لي مع الأرباح، والزيادة نسبة عشرة في المائة أو عشرون، هذا ما يجوز.. هذا عين الربا، تعطيه المليون يضارب فيه فإن ربح فلكما، وإن خسر فالمال عليك، والجهد عليه.. فالمال مقابل الجهد، ويغنم مالك ويغرم، وما دام أنك ستغنم فأنت على خطر، أما أنك تضمن حقك فما يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يُضمن، فربح شيء لا تضمنه لا يجوز.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين، وصلى الله وسلم على محمد وآله.