arrow down

موقف ابن كثير من الياسا

بقلم فضيلة د. عادل بن حسن الحمد ( عضو رابطة علماء المسلمين )

حمَّل الله العلماء أمانة بيان الحق وإظهاره للناس، لأن العلماء هم ورثة الأنبياء كما جاء في حديث أبي الدرداء عند أبي داود والترمذي، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)). وإنما سمو ورثة الأنبياء لأنهم ورثوا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه، قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر: 32].
ووظيفة الأنبياء هي تبليغ رسالة الله للناس، قال تعالى: يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [المائدة: 67]، وهي وظيفة العلماء من بعدهم.
وتبليغ رسالة الله للناس تعتريه عقبات، منها خشية الناس، فنفاها الله عز وجل عن أنبيائه، فقال: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [الأحزاب: 39]، قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: ((يَمْدَحُ تَعَالَى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ أَيْ: إِلَى خَلْقِهِ وَيُؤَدُّونَهَا بِأَمَانَتِهَا وَيَخْشَوْنَهُ أَيْ: يَخَافُونَهُ وَلَا يَخَافُونَ أَحَدًا سِوَاهُ فَلَا تَمْنَعُهُمْ سَطْوَةُ أَحَدٍ عَنْ إِبْلَاغِ رِسَالَاتِ اللَّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا أَيْ: وَكَفَى بِاللَّهِ نَاصِرًا وَمُعِينًا. وَسَيِّدُ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَقَامِ -بَلْ وَفِي كُلِّ مَقَامٍ -مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّهُ قَامَ بِأَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَإِبْلَاغِهَا إِلَى أَهْلِ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، إِلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ بَنِي آدَمَ، وَأَظْهَرَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ وَدِينَهُ وَشَرْعَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَالشَّرَائِعِ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَأَمَّا هُوَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ بُعث إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ عَرَبهم وَعَجَمِهِمْ، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الْأَعْرَافِ: 158] ، ثُمَّ وَرِثَ مَقَامَ الْبَلَاغِ عَنْهُ أُمَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَكَانَ أَعْلَى مَنْ قَامَ بِهَا بَعْدَهُ أَصْحَابُهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، بَلَّغُوا عَنْهُ كَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، وحَضَره وَسَفَرِهِ، وَسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. ثُمَّ وَرِثَهُ كُلُّ خَلَفٍ عَنْ سَلَفِهِمْ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، فَبِنُورِهِمْ يَقْتَدِي الْمُهْتَدُونَ، وَعَلَى مَنْهَجِهِمْ يَسْلُكُ الْمُوَفَّقُونَ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ الْمَنَّانَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ خَلَفِهِمْ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ أَبِي البَخْتَري، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ أَنْ يَرَى أَمْرَ اللَّهِ فِيهِ مَقَالٌ ثُمَّ لا يَقُولُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَقُولَ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ، خَشِيتُ النَّاسَ. فَيَقُولُ: فَأَنَا أَحَقُّ أن يخشى)).( )
وقد تمثل الإمام ابن كثير هذا في نفسه عندما غزى التتار بلاد المسلمين وأشكل على الناس الموقف منهم ومن قتالهم، حتى سكت كثير من الفقهاء عن بيان هذه المسألة، فبين حكمها وأزال غموضها، حتى أصبح كل من يكتب في هذه المسألة من بعده يستشهد بكلامه فيها إلى يومنا هذا.
وتفصيل ذلك أنه لما ظهر جنكيز خان على قومه وأصبح ملكهم في سنة 599ه ، أراد أن يجمع القبائل المغولية تحت زعامته ويبني الإمبراطورية المغولية، فوضع لهذه القبائل نظاما مكتوبا سماه (الياسا) ويقال (الياسة) و ( الياسق) و (اليساق)، ثم ألزمهم بالنزول على حكمه، واشتمل (الياسا) على عقوبات صارمة قصد بها جنكيز خان القضاء على حياة الفوضى في المغول وأسبابها، وتوحيد القبائل المغولية، ثم توارثه بنوه من بعده وأصبح شرعة فيهم لا يخالفونه، بل عظموه وقدسوه كتقديس المسلمين للقرآن الكريم.
ولما غزى التتار بلاد المسلمين عبر الحملات المتتابعة تأثرت طوائف من القبائل المغولية بتعاليم الإسلام العظيمة وبتطبيق المسلمين لهذا الدين فدخلوا في الإسلام، إلا أنهم من شدة تعظيمهم وتقديسهم (للياسا) لم يتركوا العمل بما فيه ولو خالف الشريعة الإسلامية، ففتن الناس بذلك.
وكانت الفتنة أن التتار في أول أمرهم لما غزو بلاد المسلمين لم يتحرج المسلمون من قتالهم لأنهم كفار يعبدون غير الله، ويحكمون (بالياسا)، ولكن جاء التحرج من قتالهم لما دخلت طوائف من التتار الإسلام ونطقوا بالشهادتين مع استمرارهم لغزو بلاد المسلمين وتعظيمهم للياساوالتحاكم إليها، هنا وقعت الحيرة بين الناس؛ كيف يقاتلون من دخل في الإسلام ونطق بالشهادتين؟ فكان لابد من بيان حكم التحاكم بالياسا وحكم قتالهم.
فتصدى عالمنا الجليل ابن كثير لبيان حقيقة (الياسا)، فقال رحمه الله:
((جنكيزخان، السُّلْطَانُ الْأَعْظَمُ عِنْدَ التَّتَارِ وَالِدُ مُلُوكِهِمُ الْيَوْمَ، ينتسبون إليه ومن عَظَّمَ الْقَانَ إِنَّمَا يُرِيدُ هَذَا الْمَلِكَ وَهُوَ الّذي وضع لهم الياسا الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا، وَيَحْكُمُونَ بِهَا، وَأَكْثَرُهَا مُخَالِفٌ لشرائع الله تعالى وكتبه، وهو شَيْءٌ اقْتَرَحَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَتَبِعُوهُ فِي ذلك))( ). ((وأما كتابه الياسا فَإِنَّهُ يُكْتَبُ فِي مُجَلَّدَيْنِ بِخَطٍّ غَلِيظٍ، وَيُحْمَلُ على بعير عِنْدَهُمْ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَصْعَدُ جَبَلًا ثُمَّ يَنْزِلُ ثُمَّ يَصْعَدُ ثُمَّ يَنْزِلُ مرارا حَتَّى يُعْيِيَ وَيَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُ مَنْ عِنْدَهُ أَنْ يَكْتُبَ مَا يُلْقَى عَلَى لِسَانِهِ حِينَئِذٍ، فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ بِمَا فِيهَا ... ثُمَّ ذَكَرَ الْجُوَيْنِيُّ نتفا من الياسا مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ مَنْ زَنَا قُتِلَ، مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَاطَ قُتِلَ، وَمَنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ قُتِلَ، وَمَنْ سَحَرَ قُتِلَ، وَمَنْ تَجَسَّسَ قُتِلَ، وَمَنْ دَخَلَ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فَأَعَانَ أَحَدَهُمَا قُتِلَ، وَمَنْ بَالَ فِي الْمَاءِ الْوَاقِفِ قُتِلَ، وَمَنِ انْغَمَسَ فِيهِ قُتِلَ، وَمَنْ أَطْعَمَ أَسِيرًاأَوْ سَقَاهُ أَوْ كَسَاهُ بِغَيْرِ إِذَنْ أَهْلِهِ قُتِلَ، وَمَنْ وَجَدَ هَارِبًا وَلَمْ يَرُدَّهُ قُتِلَ، ومن أطعم أسيرا أو رَمَى إِلَى أَحَدٍ شَيْئًا مِنَ الْمَأْكُولِ قُتِلَ، بَلْ يُنَاوِلُهُ مِنْ يَدِهِ إِلَى يَدِهِ، وَمَنْ أَطْعَمَ أَحَدًا شَيْئًا فَلْيَأْكُلْ مِنْهُ أَوَّلًا وَلَوْ كان المطعوم أميرا لا أسيرا، وَمَنْ أَكَلَ وَلَمْ يُطْعِمْ مَنْ عِنْدَهُ قُتِلَ، وَمَنْ ذَبَحَ حَيَوَانًا ذُبِحَ مِثْلَهُ بَلْ يَشُقُّ جَوْفَهُ وَيَتَنَاوَلُ قَلْبَهُ بِيَدِهِ يَسْتَخْرِجُهُ مِنْ جَوْفِهِ أَوَّلًا. وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُخَالَفَةٌ لِشَرَائِعِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى عِبَادِهِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ،))( ).
ثم بين عالمنا الجليل ابن كثير رحمه الله حكم التحاكم إلى الياسا فقال:
((فَمَنْ تَرَكَ الشَّرْعَ الْمُحْكَمَ الْمُنَزَّلَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمَنْسُوخَةِ كَفَرَ، فَكَيْفَ بِمَنْ تحاكم إلى الياسا وَقَدَّمَهَا عَلَيْهِ؟ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَفَرَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50]، وَقَالَ تَعَالَى فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: 65]))( ).
وقال في التفسير : ((وَقَوْلُهُ: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ المُحْكَم الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَعَدْلٍ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، مِمَّا يَضَعُونَهَا بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَكَمَا يَحْكُمُ بِهِ التَّتَارُ مِنَ السِّيَاسَاتِ الْمَلَكِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانَ، الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ اليَساق وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كِتَابٍ مَجْمُوعٍ مِنْ أَحْكَامٍ قَدِ اقْتَبَسَهَا عَنْ شَرَائِعَ شَتَّى، مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ أَخَذَهَا مِنْ مُجَرَّدِ نَظَرِهِ وَهَوَاهُ، فَصَارَتْ فِي بَنِيهِ شَرْعًا مُتَّبَعًا، يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الْحُكْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قِتَالُهُ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَلَا يَحْكُمُ سِوَاهُ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ أَيْ: يَبْتَغُونَ وَيُرِيدُونَ، وَعَنْ حُكْمِ اللَّهِ يَعْدِلُونَ. وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أَيْ: وَمَنْ أَعْدَلُ مِنَ اللَّهِ فِي حُكْمِهِ لِمَنْ عَقل عَنِ اللَّهِ شَرْعَهُ، وَآمَنَ بِهِ وَأَيْقَنَ وَعَلِمَ أَنَّهُ تَعَالَى أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَأَرْحَمُ بِخُلُقِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْعَادِلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ))( ).
ومما يدل على استشكال الناس لهذه المسألة؛ السؤال الذي وجه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول السائل: مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَأَعَانَهُمْ عَلَى بَيَانِ الْحَقِّ الْمُبِينِ وَكَشْفِ غَمَرَاتِ الْجَاهِلِينَ وَالزَّائِغِينَ:فِي هَؤُلَاءِ التَّتَارِ الَّذِينَ يَقْدَمُونَ إلَى الشَّامِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَتَكَلَّمُوا بِالشَّهَادَتَيْنِ وَانْتَسَبُوا إلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَبْقَوْا عَلَى الْكُفْرِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَهَلْ يَجِبُ قِتَالُهُمْ أَمْ لَا؟ وَمَا الْحُجَّةُ عَلَى قِتَالِهِمْ؟
فأجاب شيخ الإسلام على السؤال بفتوى طويلة مفصلة، هذا مطلعها:
((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَعَمْ يَجِبُ قِتَالُ هَؤُلَاءِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ؛ وَاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْمَعْرِفَةُ بِحَالِهِمْ. وَالثَّانِي مَعْرِفَةُ حُكْمِ اللَّهِ فِي مَثَلِهِمْ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَكُلُّ مَنْ بَاشَرَ الْقَوْمَ يَعْلَمُ حَالَهُمْ وَمَنْ لَمْ يُبَاشِرْهُمْ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِمَا بَلَغَهُ مِنْ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَأَخْبَارِ الصَّادِقِينَ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ جُلَّ أُمُورِهِمْ بَعْدَ أَنْ نُبَيِّنَ الْأَصْلَ الْآخَرَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَنَقُولُ:
كُلُّ طَائِفَةٍ خَرَجَتْ عَنْ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهَا بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛وَإِنْ تَكَلَّمَتْ بِالشَّهَادَتَيْنِ))( ).
فهذ كله يدل على وقوع إشكال في مسألة تمس حياة الناس، فكان لابد أن يتصدى لها من يبينها ويكشف اللبس عنها.
وفي موقف ابن كثير من الياسا فوائد كثيرة، منها:
• أن التحاكم إلى الشريعة الإسلامية من ثوابت الدين الإسلامي، وهي من صميم التوحيد.
• أن بيان الحق واجب على العلماء، وخاصة في الأمور التي تشكل على الناس.
• أن من صور بيان الحق الكتابة، ولو لم تنشر إلا بعد وفاة العالم وزوال الخطر على حياته.
• أن ما يكتبه العلماء المخلصون في بيان الحق، يظهره الله ولو بعد حين، ولو كان في بطون الكتب كما في هذه المسألة فقد بينها ابن كثير في بطن كتابيه؛ البداية والنهاية، وتفسير القرآن العظيم.
• أن سكوت غالب علماء البلد عن المنكر لا يعفي العالم من الصدع به.
• أن غالب من ينتفع ببيان العلماء في مثل هذه الحالات هم عوام الناس، وفي هذا إنقاذ لهم من الوقوع في الباطل، وإخراجهم من الحيرة التي أشكلت عليهم.
• أن بيان العالم للحق لا يعني أن يوافقه بقية علماء عصره، بل قد يكون بخلاف ذلك، وهنا يقع البلاء والحسد.
• أن اقتباس الياسا من الشريعة الإسلامية بعض الأحكام لم يغير من حرمة التحاكم بها بين المسلمين.
• أن المسلم ملزم بالتحاكم إلى الشريعة الإسلامية، وهذا محط إجماع بين العلماء.
وفي زماننا هذا لاقت مسألة التحاكم إلى الشريعة الإسلامية تشغيبا كبيرا بين طرفين؛ طرف غالي وطرف جاف، حتى أصبح الكلام في مسألة الحكم بما أنزل الله من التهم التي إذا تحدث عنها أحد هجم عليه فريق من الإسلاميين وكالوا عليه التهم ووصفوه بالتكفير والخروج على الحكام، وهذا من تخليطهم وتلبيسهم فهم لا يفرقون بين الحكم العام وبين الحكم على المعين، وبين إجراء الوعيد وإنفاذ الوعيد، وبين المسألة المرتبطة بالعقيدة، وتنزيلها المرتبط بالفقه. فكما أن الله لا يرضى أن يكون له شريك في العبادة، كذلك لا يرضى أن يكون له شريك في الحكم، قال تعالى:فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110] وقال مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف: 26]وجمع بينهما في آية واحدة فقال:إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [يوسف: 40]. فهذه مسائل تحتاج إلى توضيح الحق فيها، وتحمل ما يترتب على هذا البيان من تبعات، مع ابتغاء مرضات الله وحده، فهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
رحم الله ابن كثير رحمة واسعة، وسدد الله خطا كل عالم سلك هذا المسلك في بيان الحق وإظهاره للناس، والحمد لله رب العالمين.