arrow down

لماذا الحديث عن الفضائيات الإسلامية ؟

نشأة وتاريخ:

لا امتراءَ في أنَّ مصطلح الفضائيَّات الإسلاميَّة هو مصطلحٌ جديدٌ نسبيًّا؛ حيث إنَّه قبلَ عام 2000م لَم يكنْ ثمَّة ما يُسمَّى بفضائيَّة إسلاميَّة.

ومع بُزوغ فجر عام 2001م شَهِدَ العالم الإسلامي ميلادَ ثلاث قنَوات فضائيَّة إسلاميَّة، هي بالتتابُع قناة: "اقرأ" التابعة لمحطَّة راديو وتليفزيون العرب (ART)، والتي تبثُّ برامجها فعليًّا منطلقةً من دبي والقاهرة، ثم قناة "طيبة" الفضائيَّة، والتي أُعلِن عن تأسيسها في العام نفسه لتنطَلِق من دبي، والتي كان من المقرَّر أنْ تبدأ بثَّها المباشر مَطلَعَ عام 1424هـ - 2004م، إلاَّ أنها - ولأسبابٍ متعدِّدة - لم تنطَلِق بعدُ!.

كما أُعلِن في العام نفسه عن قَناة "الرحمن" بجاكرتا، والتي تعدُّ الأولى من نوعها في إندونيسيا وجنوب شرق آسيا بأسرِه.

ومع إطلالة شهر رمضان المبارَك عام 1423هـ - 2003م بدَأ البثُّ التجريبي لقَناة المجد الفضائيَّة، من خِلال القمر الصناعي نايل سات (102) وعرب سات، منطلقةً أيضًا من مدينة دبي للإعلام، ثم القاهرة والرياض.

وإذا كان الحديثُ عنِ الفَضائيَّات الإسلاميَّة، فإنَّ هذا لا يَعنِي أنَّ هذا المصطلح قاصرٌ على فضائيَّات تُبَثُّ من الشرق أو بالعربيَّة؛ ففي الوقت الذي تعثَّرت فيه مُحاوَلات مُتعدِّدة لقنوات إسلاميَّة عربيَّة، نجد أنَّ إحدى المحطَّات الأمريكيَّة المسلمة قد أخَذتْ على عاتقها عبءَ التعريف بالإسلام.

كما شهدت توسُّعًا ملحوظًا فورَ بدء البثِّ في عام 2004م على القمر الصناعي جلوبال كاست، ثم مدَّت إرسالَها إلى كثيرٍ من المُدُن الأمريكيَّة بواسطة شركات الكيبل الأرضي، وغدَتْ قناة (Bridges) أو "جسور" واحدةً من تلك القنوات التي تُبشِّر بالإسلام في ظَلام الغرب!.

وبالتزامُن مع هذا الحدَث المهم في الغرب، فإنَّ الشرق المسلم قد هَبَّ من خِلال قَناة "الهدى" التي تبثُّ برامجها بالإنجليزيَّة ليقوم بدَورِه أيضًا في الذود عن الإسلام وثَوابِته، والتعريف بأصوله ومبادئه.

وغنيٌّ عن البَيان أنَّ الفضائيَّات العربيَّة الحكوميَّة قد خَصَّصتْ وقتًا من بَرامِجها لما يُسمَّى بالبرامج الدينيَّة، إلا أنَّ قناة دينية إسلاميَّة حكوميَّة لَم يشهد العالم الإسلامي افتتاحها بعدُ!

ومن قبلُ فَشِلَ وُزَراءُ الأوقاف والشُّؤون الإسلاميَّة بدول منظَّمة المؤتمر الإسلامي في تنفيذ الدِّراسة التي قاموا بتبنِّيها في خِتام اجتِماعهم السابع عام 2002م بالعاصمة الماليزيَّة، وذلك بعنوان: "الإستراتيجيَّة العامَّة للتعريف بالإسلام باللغات المختلفة"، والتي كان من أهمِّ بُنودها إنشاء قَناة فضائيَّة بلُغاتٍ متعدِّدة، وحتى تاريخ قريب لَم تَتَبَنَّ حكومةٌ عربيَّة أو إسلاميَّة أو جهةٌ دوليَّةٌ إسلاميَّة مقترح إنشاء هذه القناة الإسلاميَّة المنتظَرَة!.

في حين أنَّ القنوات الفضائيَّة الدينيَّة الخاصَّة هي التي تُحلِّق منفردةً في سَماء الفضائيَّات الإسلاميَّة، سواء أكانت عربيَّة الهُويَّة والمنشأ مثل "الهدى"، أو غير عربية كـ"جسور"، أو "إسلاميك سيتي"، والتي تبثُّ برامجها لأكثر من 2.5 مليون مسلم أمريكي.

وعلى كلِّ حال، فإنَّ سماء الإعلام الإسلامي اليوم تزدَحِم بكثرةٍ بالقنوات الفضائيَّة الإسلاميَّة التي تَنطِق بالعربية وبغيرها، وتبثُّ ذلك للعالم الإسلامي ولغيره.

وبغضِّ النَّظَر عن تَوجُّهات تلك القنَوات وأيديولوجيَّاتها المختلفة، ومذاهبها المتعدِّدة، فإنَّ هذه الظاهِرة آخِذةٌ في التنامي والتسارُع على نحوٍ غَدَا يُشبِه من وجهٍ ما تلك المواقع الإلكترونيَّة ذات التوجُّهات الإسلاميَّة على الشبَكة العنكبوتيَّة، وهو الأمر الذي يدعو إلى تأمُّلٍ واعٍ في أهدافها وممارستها، واستِشرافٍ دقيقٍ لمستقبلها وآثارِها.

وهذا التفكُّر يجبُ أنْ يَبدَأ من إدراكٍ لحقيقتها، وحُكمِها الشرعي وضَوابِط مشروعيَّتها من جهة، وتَقوِيم أدائها وتَرسِيخ آفاقها وطُموحاتها من جهةٍ أخرى.

يُقرِّر الفُقَهاء أنَّ الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّرِه، ونحن لا نجدُ صعوبةً في تصَوُّر القنَوَات الفضائيَّة على أنها وسيلةٌ فعَّالة لتحقيق مقاصِد معيَّنة.

فإذا نُسِبت هذه الفضائيَّات إلى الإسلام، فإنها وسيلةٌ ماديَّةٌ فعَّالة في الدعوة إليه والمنافحة عنه، وهي كذلك وسيلةٌ تعليميَّة تربويَّة تثقيفيَّة ترفيهيَّة، تستمدُّ مادَّتها من نبْع الإسلام، وتمدُّ رِواقها حولَ أصوله ومقاصده.

والوسائل الدعويَّة لها أحكامُ المقاصد والغايات، فلا بُدَّ أنْ تكون الوسائل مستوفيةً للمشروعيَّة، وإلا عُدَّت انحِرافًا بالدعوة عن مسارها، وخروجًا بها عن خطِّها، ومصادمة لأصولها ومصادرها.

وفي الجملة، فإنَّ كلَّ وسيلةٍ ورَد النصُّ بِمَشروعيتها أو طلبها بوجهٍ من الوجوه فإنها مُباحةٌ، وكل وسيلةٍ دخَلتْ في دائرة المباح فهي كذلك، وفي المقابل فإنَّ كلَّ وسيلة ورَد النصُّ بتحريمها أو المنْع من استِخدامها أو النَّهي عنها بوجهٍ من الوجوه، أو كانت مختصَّة بدِين غير المسلمين أو شعارًا لهم - فإنَّها غير مشروعة، إلاَّ ما ورد النصُّ بإباحته في بعض الأحوال؛ كالكذب للإصلاح بين المتخاصِمين، ففي الحديث: ((ليس الكذَّاب الذي يُصلِح بين الناس فيُنمِي خيرًا أو يقول خيرًا))[1]، وفي رواية: "ولم أسمعْه يُرخِّص في شيءٍ ممَّا يقول الناس كذبًا إلاَّ في ثلاثٍ: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأتَه وحديث المرأة زوجَها"[2].

وقد يَرِدُ ترخيصٌ بفِعل المحظور عند الاضطرار؛ إذ لا مُحَرَّم مع الاضطرار، والضرورات تُبِيح المحظورات، فيجوز عندئذٍ أنْ تُستعمل الوسيلة المحرَّمة بالقدر الذي تُدفَع به الضرورة الملجئة والحاجة الملحَّة، ولا مشابهة هنا بين ما نحن فيه وقول غيرنا: "الغاية تُبرِّر الوسيلة"؛ ذلك أنَّ التوسعة هنا لعارِضٍ وضرورة لأجل المصلحة، وليست متروكةً للأهواء.

وبِناءً على ما سبَق من تأصيلٍ موجز، فإنَّ هذه الوسيلة الدعويَّة المعاصرة قد جمعتْ بين الدعوة بالقول والفِعل، وبين استِخدام الصوت والصورة، فإذا انتَفَى عنها أنها تُستَعمل في الدعوة إلى ما يحرم مِن كفر وبدعة وفِسْق، فإنَّه لا حرج من الإفادة منها؛ حيث لا يهدم مشروعيَّتها نصٌّ، ولا تمثِّل شعارًا لغير المسلم، والمصالح فيها راجحة.

وفي الأزهر أعلن عن ضرورة إنشاء قَناة فضائيَّة لصدِّ الحملة على المسلمين، وإبراز المنهج الوسطي للدِّين الإسلامي وسماحته، وإعلان مواقف الأزهر في القَضايا المختلفة، وأُقرَّت في حِينِه لجنة المتابعة بمجمع البحوث الإسلاميَّة - وهي أعلى سُلطة في الأزهر - الاقتراح الذي تقدَّم به د. عبدالرحمن العدوي، عضو المجمع في مايو 2004م، بضرورة أنْ يتبنَّى الأزهر قناةً فضائيَّة للدِّفاع عن الإسلام[3].

ولقد قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - في فتوى له: "أنجَحُ الطرُق في هذا العصر وأنفَعُها استعمالاً وسائلُ الإعلام؛ لأنها ناجحةٌ، وهي سلاح ذو حدَّين، فإذا استُعمِلت هذه الوسائل في الدعوة إلى الله، وإرشاد الناس إلى ما جاء به الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - من طريق الإذاعة والصحافة والتلفاز، فهذا شيءٌ كبير ينفع الله به الأمَّة أينما كانت، وينفع الله به غير المسلمين أيضًا حتى يفهموا الإسلام، وحتى يعقلوه ويعرفوا محاسنَه، ويعرفوا أنَّه طريق النجاح في الدنيا والآخرة، والواجب على الدُّعاة وعلى حُكَّام المسلمين أنْ يُسهِموا في هذا بكلِّ ما يستَطِيعون؛ من طريق الإذاعة، ومن طريق الصحافة، ومن طريق التلفاز، ومن طريق الخطابة في المحافل، ومن طريق الخطابة في الجمعة وغير الجمعة، وغير ذلك من الطُّرق التي يمكن إيصال الحق بها إلى الناس، وبجميع اللغات المُستَعمَلة حتى تصلَ الدعوة والنصيحة إلى جميع العالم بلغاتهم"[4].

وقد سُئِل فضيلة الشيخ محمد صالح العثيمين - رحمه الله - عن القنوات الفضائيَّة سؤالاً جاء فيه:

السؤال: بعض الإخوة يرى أنَّ وجود قناة شرعيَّة تُزاحِم تلك القنوات الهابطة التي تبثُّ عن طريق الدش تُسوِّغ اقتناءَه، أرجو بيان ما يَراه فضيلة الشيخ تجاه ذلك.

فأجاب قائلاً: "الذي أرى أنْ يوجد قناة إسلاميَّة يتكلَّم بها علماء راسخون في العلم، أهل عقيدة سليمة، ويُبيِّنون الحقَّ دون مُهاتَرات أو مُنازَعات أو سب للآخَرين، فهذه إذا وُجِدت نفَع الله بها، وأرجو الله - عز وجل - أن يُحقِّق هذا؛ لأنَّ بقاء الناس لا يشاهدون إلاَّ ما ينشر في هذه الفضائيَّات المدمِّرة - ضَرَر عظيم، لكن إذا وجدت قناةٌ إسلاميَّة يتكلَّم فيها علماء راسخون في العلم، أقوياء في بَيان الحق، فلكلِّ سلعة مشترٍ؛ أهل الباطل يذهبون للباطل، وأهل الخير يذهبون إلى الخير، وإذا كانت القنوات الإسلاميَّة هذه شيِّقة في العرض، وفي طرْح المسائل، وفي الإجابة عن الإشكالات - فسوف ينصَرِف إليها أناسٌ كثيرون، حتى ممَّن لا يريدون هذا، فأسال الله أنْ يحقِّق هذا عن قريب؛ حتى يشتَغِل الناس بها عن مشاهدة القنوات الفضائيَّة الفاسدة المفسدة".

السائل: يكون هذا مسوغًا لِمَن لم يحصل على الدش أنْ يشتري الدش بحجة هذا؟

الجواب:

"نعم، يشتري الدش لهذه الحجَّة، أليس الآن توجد عندنا إذاعة القرآن كلها سليمة، وهناك أناسٌ عندهم راديو، ولا يستمعون إلا إلى إذاعة القرآن؛ وما دام عندنا مصلحة مُحقَّقة، فهذه الأوهام مطروحة ولا عِبرة بها"، ا. هـ.

وإنْ كان من تعليلٍ لتلك الفتاوى وتسبيبٍ لها، فإنَّنا نُدرِكه في رسالة الفضائيَّات الإسلاميَّة والحاجة إليها، ووظيفتها، والأسس التي تقوم عليها، وذلك على نحو ما سيأتي بيانُه.

_____________

[1] أخرجه البخاري (2692)، ومسلم (2605).

[2] أخرجه مسلم (2605).

[3] موقع إسلام أون لاين في 18/6/2004م.

[4] "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة"؛ لابن باز (2/453).

بقلم

د. محمد يسري إبراهيم

عضو رابطة علماء المسلمين

الأحد 22 / شعبان / 1437هـ

29 / مايو / 2016م