arrow down

فضل شهر رمضان وما خص به من الأمور العظام

كان الصحابة الكرام، والسلف العظام يتسابقون في الخيرات، ويتنافسون على أعمال البر ويشتغلون بمعالي الأمور ولا يلتفتون إلى سفاسفها ومحقراتها.

من ذلك: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: "ذهب أهل الدثور "الأموال" بالدرجات العلا والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون. فقال: «ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم؟» قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: «تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين» [متفق عليه].

وزاد في رواية: أن الأغنياء سمعوا بذلك ففعلوا مثلما فعل الفقراء فرجع الفقراء وأخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك وطلبوا منه أن يعلمهم شيئاً آخر فقال لهم: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء».

فالله عز وجل فضل بعض الرسل والأنبياء والملائكة على بعض، وبعض الشهور والأيام والأماكن على بعض، من ذلك تفضيله شهر رمضان على سائر الشهور وخصه بعظائم الأمور. فعلى المسلمين أن يعرفوا لهذا الشهر قدره، وأن يحسنوا ضيافته ورفده، فهو ضيف عظيم وزائر كريم، فضائله لا تنقضي وجوائزه لا تحصى.

من تلك الفضائل التي خص بها شهر رمضان وميز بها على سائر الشهور والأزمان ما يأتي:

أولاً: أُنزِل فيه القرآن الكريم، والذكر الحكيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فقال عز من قائل: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185].

فقد أنزل الله تعالى فيه القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم أنزله الله على رسوله الكريم منجماً ومقسطاً لمدة ثلاث وعشرين سنة.

ثانياً: أوجب الله صيامه وجعله ركناً من أركان الإسلام وفرضاً من فروضه فقال: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [سورة البقرة:185]، ولم يوجب صيام غيره من الشهور.

ثالثاً: أودع فيه ليلة القدر التي هي أفضل وأكرم من ألف شهر فقال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر:1- 5]. وقال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [الدخان: 3- 5].

يظن البعض أن الليلة المباركة هذه هي ليلة النصف من شعبان والراجح أنها ليلة القدر.

رابعاً: من خصائص هذا الشهر الكريم أن عمرة فيه تعدل حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة ـ او حجة معي» [متفق عليه، مسلم رقم:"1256"].

قلت: تعدل حجة معه في الفضل والثواب ولكنها لا تقوم مقام حجة الإسلام.

خامساً: الصيام في رمضان أجره مضاعف على سائر الشهور والأيام وذلك لشرف الزمان.

سادساً: خص باعتكاف العشر الأواخر منه ـ والاعتكاف هو الخلوة الشرعية للتخلي بين العبد ورب البرية ـ فاعتكاف العشر الأواخر من رمضان سنة مؤكدة ولهذا لم يدعه الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أن هاجر إلى المدينة إلى أن توفاه الله عز وجل.

بل في السنة التي توفي فيها اعتكف العشرة الوسط والعشر الأواخر، واعتكف نساؤه بعده. ولهذا تعجب الإمام محمد بن شهاب الزهري لتهاون الناس في هذه السُّنة المؤكدة وترك جلهم لها. فقال: "عجباً للمسلمين تركوا الاعتكاف ولم يتركه نبيهم منذ أن هاجر إلى أن توفاه الله".

قلت: على الغرم من فضل الاعتمار في رمضان فإن الرسول لم يعتمر فيه بينما لم يدع الاعتكاف قط إلى أن فارق هذه الحياة الدنيا.

فعلى المسلمين أن يسعوا إلى إحياء هذه السنة التي قد أميتت والفضيلة التي هجرت وتركت.

سابعاً: كذلك خص شهر رمضان بصلاة القيام التراويح ـ في لياليه وجعل قيامها إيماناً واحتساباً سبباً لغفران الذنوب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» [متفق عليه، مسلم رقم: "759"].

هذه السنة العظيمة والهدية الكريمة خالف فيها الشيعة فحرموا أنفسهم من غفران الذنوب كما حرموها من كثير من أبواب الخير.

قال الإمام القحطاني في نونيته:

وصيامُنا رمضانَ فرضٌ واجـبٌ *** وقِيَامُنا المسنون في رمضان

صلى النبي به ثلاثا رغـبة *** وروى الجماعـــة أنها ثنتـان

إن التراوح راحة في ليله *** ونشاط كل عويجز كسلان

والله ما جعل التراوح منكـراً *** إلا المجوس وشيعة الصلبان

الحمد لله الذي هدى أهل السنة ـ أهل الحق والعدل ـ إلى كل خير وحرم اليهود والشيعة من ذلك.

صلاة التراويح صلاها رسولنا صلى الله عليه وسلم جماعة مع أصحابه ثلاث ليالٍ وقيل ليلتين، ثم لم يخرج إليها بعد خشية أن تفرض على الأمة وكان صلى الله عليه وسلم رحيماً بها.

ثامناً: من صام رمضان إيماناً بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد، واحتساباً للأجر والثواب غفر له ما تقدم من ذنبه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» [متفق عليه، مسلم: "760"].

تاسعاً: إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران، وصُفِّدت ـ غُلَّت ـ مردة الشياطين، سروراً عقد بمجيئه وفرحاً، فقد صح عنه أنه قال: «إذا جاء رمضان: فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين» [متفق عليه، مسلم رقم: "1079"].

عاشراً: كان جبريل عليه السلام يدارس فيه الرسول القرآن الكريم لأنه شهر القرآن. فعن ابن عباس: "وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن" [متفق عليه، مسلم رقم: "2307"] وعارضه القرآن في عام وفاته مرتين.

الحادي عشر: كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان: «أحيا ليله، وايقظ أهله، وشد مئزره» [متفق عليه، مسلم رقم: "1174"].

الثاني عشر: من فَطَّرَ فيه صائماً فله مثل أجره، لا ينقص ذلك من أجره شيئاً.

الثالث عشر: هو شهر الجود والمواساة، كان كثير من السلف يواسون من افطارهم أو يؤثرون به ويطوون، وكان ابن عمر يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله لم يتعش تلك الليلة. فعن ابن عباس: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فلرسول الله أجود من الريح المرسلة" [متفق عليه].

الرابع عشر: شَرَّفه الله بأعظم غزوتين في الإسلام، غزوة بدر الكبرى وغزوة فتح مكة.

الخامس عشر: رخص فيه بختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام، أما في غير رمضان فليس من السنة الختم في أقل من ثلاثة أيام.

السادس عشر: كان السلف الصالح يودعونه لستة أشهر، ويستقبلونه لستة أشهر.

السابع عشر: ختم صيامه بإخراج زكاة الفطر وبعيد وهو عيد الفطر.

هذا قليل من كثير من فضائل هذا الشهر وخصائصه، فعلينا انتهاز هذه الفرص، واستثمار هذه الهبات، والتعرض لنفحات الرحمن في شهر البر والإحسان والقرآن، وصلى الله على خير من صلى وصام واعتكف وقام، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم وعنا معهم بعفوه وكرمه وجوده.

موعظة:

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185]، القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً يتصدع، ومع هذا فلا قلب يخشع، ولا عين تدمع، ولا صيام يصان عن الحرام فينفع! ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع! قلوب خلت من التقوى فهي خراب بلقع، وتراكمت عليها ظلمة الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع.

كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة. وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة: لا الشاب منا ينتهي عند الصبوة، ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فيلتحق بالصفوة.

أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة، وإذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة، وإذا صاموا صامت منهم الألسنة والأسماع والأبصار؟ أفما لنا فيهم أسوة؟!

كم بيننا وبين أهل الصفا أبعد مما بيننا وبين الصفا والمروة، كلما حسنت منا الأقوال ساءت الأعمال، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله" [لطائف المعارف: 239 ـ 240].

بقلم

البروفيسور/ الأمين الحاج محمد

رئيس رابطة علماء المسلمين

الثلاثاء 24 / شعبان / 1437هـ

31 / مايو / 2016م