arrow down

ليكن ظنك حسنا

ليس يخلو المرء من عيب يخالطه أو ذنب يقارفه أو زلة تغلبه عليها نفس أمارة بالسوء، وقديماً قيل:

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ***  كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

ومن هذا المنطلق كان وجوب حسن الظن بالناس أصلاً من أصول أخلاق الإسلام فلا يجوز لإنسان أن يسيء الظن بالآخرين لمجرد التهمة أو التحليل لموقف، فإن هذا هو الكذب، ففي الحديث: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" ومن جراء هذا التوهم يبني نسيج الاتهام وتركيب الأمور بعضها على بعض حتى تجعل نسيجاً متكاملاً، ولو تأمل المرء أصله لعلم أنه خيط عنكبوت "وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ" (العنكبوت: من الآية41).

لقد جاءت الشريعة المطهرة الشاملة من أجل عمارة الأرض والخلافة فيها ولا يكون هذا إلا بوجود ا لحب والوئام بين الناس "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره"، وتتحقق الأخوّة بالمحبة "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" فكل إنسان يحب أن يظن به الظن الحسن، فلا يجوز له أن يسيء الظن بالآخرين ومن هذه القاعدة كانت الأحكام الفقهية التي رأسها أن دم المسلم وماله وعرضه عظيمة الحرمة لا يجوز انتهاكها إلا بحق الإسلام فكيف أن تبني أحكاماً على كلمة سمعتها لم تحسن فهمها أو فعل قابلته من صاحبه لم تعلم ما حمله عليه، ولله در المحدث الملهم عمر _ رضي الله عنه _ حينما قال: "لا يحل لامرئ مسلم سمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءاً وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجاً".

فكل عمل يقابلك أو كلمة تلامس أذنك، فلا يحسن أن تكون ضيافتك لها سوء ظن وبناء للأوهام.

إن في حسن الظن راحة للفؤاد وطمأنينة للنفس وسلامة من أذى الخواطر المقلقة التي تفني الجسد، وتهدم الروح، وتطرد السعادة، وتكدر العيش.

إنه متى ما أحسن الزوجان الظن بينهما تلاشى كثير من الإشكال الواقع في البيوت.

ومتى ما أحسن الظن المختلفون اختلافاً شريفاً مبنياً على الاجتهاد والتعددية المشروعة جاءت ثماره على المجتمع يانعة مفيدة في تعاون بناء على أصل الأخوة التي تحمل المحبة للآخرين.

إن حسن الظن لا يعني التغفيل أو التعطيل للعقل في حكمه على الأخطاء الواضحة والفعال الصارخة التي تناقض القيم أو تهدم الأسس من الأخلاق أو غير ذلك، وإنما حسن الظن محمول على أصل الطبيعة الإنسانية في حبها للبقاء ولا يكون ذلك إلا بالتعاون الصادق المبني على احترام الآخرين، ولا يكون الاحترام إلا بالتقبل للآخرين وحملهم على المحمل الحسن "لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً" (النور: من الآية12)، والحمد لله على نعمة القرآن الذي جاء فيه وجوب حسن الظن بالناس وتحريم الظن السوء بأمر قرآني فريد "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" (الحجرات: من الآية12).

وليعلم أن سوء الظن هو مفتاح الشرور فهو يحمل على التجسس، والتجسس يحمل على الترصد، ثم إطلاق التهمة، ثم الانتقام والقرآن يريد أن يكون عالم البشرية عالماً نظيف المشاعر، مكفول الحرمات، مصون الغيبة والحضرة لا يؤخذ فيه أحد بظنه، ولا تتبع فيه العورات، ولا يتعرض أمن الناس وكرامتهم وحريتهم فيه لأدنى مساس.

وما أحوج الأمة في ظرفها العصيب إلى نشر روح المحبة والوئام والانسجام بين أفرادها وأسرها ومجتمعاتها لتتحول إلى أمة منتجة قوية منيعة مرهوبة الجانب.

بقلم

د. وليد بن عثمان الرشودي

عضو رابطة علماء المسلمين

28 / رمضان / 1437هـ

3 / يوليو / 2016م