arrow down

الْفَوَائِدُ الْحِسَانُ فِيْ  حَدِيْثِ السِّتِّ مِنْ شَوَّالِ

عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»[1].

فِيْ الْحَدِيْثِ فَوَائِدُ:

الْأُوْلَى: قَوْلُهُ (شَوَّالٍ): أَوَّلُ أَشْهُرِ الحجِّ [2]، يَلِي رَمَضَانَ، وَجَمْعُهُ: شَوَّالَاتٌ وَشَوَاوِيْلٌ[3]، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِشَوَلَانِ الْإِِبِلِ فِيْهِ بِأَذْنَابِها؛ لِأَنَّها تَشُوْلُ بِهَا عِنْدَ الْلِّقَاحِ. وَيُقَالُ لَهَا عِنْدَ ذَلِكَ: الشُّوَّلُ، إِذَا لَقِحَتْ، فَهِيَ شَائِلٌ. وَقَالُوْا فِيْ الْجَمِيْعِ: نُوْقٌ شُوَلَانٌ[4].

وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَطَّيَّرُ مِنْ عَقْدِ الْمَنَاكِحِ فِيْهِ، وَتَقُوْلُ: إِنَّ الْمَنْكُوْحَةَ تَمْتَنِعُ مِنْ نَاكِحِهَا، كَمَا تَمْتَنِعُ طَرُوْقَةُ الْفَحْلِ إِذَا لُقِحَتْ، وَشَالَتْ بِذَنَبِها، فَأبْطَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم طِيَرَتَهُمْ[5].

وَقَالَت عَائِشَةُ رضي الله عنها: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟»[6].

الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (الدَّهْرِ): (دَهَرَ) الدَّالُ وَالْهَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْغَلَبَةُ وَالْقَهْرُ. وَسُمِّيَ الدَّهْرُ دَهْرًا؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَيَغْلِبُهُ[7]. وَالدَّهْرُ فِيْ الْحَدِيْثِ السَّنَةُ.

الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ) نَكِرَةٌ فِيْ سِيَاقِ الشَّرْطِ، فَهِيَ عَامَّةٌ لِكِلِّ سِتٍّ مُتَتَابِعَاتٍ، أَوْ مُتَفَرِّقَاتٍ أَوْ يَوْمَيْنِ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ ثَلَاثَةٌ.

الرَّابِعَةُ: أَفَادَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ فِيْ الْحَدِيْثِ دَلَالَةً بِالْمَفْهُوْمِ، وَبَيَانُهَا: مَنْ حَصَلَ مِنْهُ شَرْطُ صِيَامِ رَمَضَانَ وَالسِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ، حَصَلَ لَهُ أَجْرُ صِيَامِ الدَّهْرِ، فَدَلَّ بِالْمَفْهُوْمِ الْمُخَالِفِ أَنَّ مَنْ انْخَرَمَ عِنْدَهُ هَذا الشَّرْطُ لَمْ يَفُزْ بِالْأَجْرِ الْمَذْكُوْرِ.

الْخَامِسَةُ: يُسْتَحَبُّ صِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ؛ لِأَنَّهَا إِذَا ضُمَّتْ إِلَى صَوْمِ رَمَضَانَ عَدَلَتْ صِيَامَ الدَّهْرِ؛ وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَيَكُوْنَ صِيَامُ رَمَضَانُ كَعَدْلِ صِيَامِ ثَلَاثِمِائَةِ يَوْمٍ، وَيَكُوْنُ صِيَامُ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ بِعَدْلِ صِيَامِ سِتِّيْنَ يَوْمَاً، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ السَّنَةِ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ فِيْ كُلِّ عَامٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ أَجْرًا، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّصلى الله عليه وسلم  ذَلِكَ بَجَوَامِعِ كَلِمِهِ؛ فَعَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «جَعَلَ اللهُ الْحَسَنَةَ بِعَشْرٍ فَشَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَسِتَّةُ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ تَمَامُ السَّنَةِ»[8]، "وَلَا فَرْقَ فِيْ ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُوْنَ شَهْرُ رَمَضَانَ ثَلَاثِيْنَ أَوْ تِسْعَاً وَعِشْرِيْنَ وَعَلَى هَذَا حَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "شَهْرَا عِيْدٍ لَا يَنْقُصَانِ رَمَضَانُ وَذُوْ الْحِجَّةِ" وَقَالَ: الْمُرَادُ كَمَالَ آخِرِهِ سَوَاءٌ كَانَ ثَلَاثِيْنَ أَوْ تِسْعَاً وَعِشْرِيْنَ وَأَنَّهُ أُتْبعَ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ فَإِنَّهُ يَعْدِلُ صِيَامَ الدَّهْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ"[9].

 وَقَدْ عَمِلَ بِهَذَا الْحَدِيْثِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَطَاوُوْسُ وَالشَّعْبِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاق، وغيرهم، وكرهه آخرون منهم الحسن البصري، وكان إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ سِتَّةُ أَيَّامٍ الَّتِي يَصُومُهَا بَعْضُ النَّاسِ بَعْدَ رَمَضَانَ تَطَوُّعًا، كَانَ يَقُولُ: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ بِهَذَا الشَّهْرِ لِلسَّنَةِ كُلِّهَا» [10].

وَاعْتَذَرَ لَهُ الْعُلَمَاءُ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّمَا قَالَهُ مِنْكِرَاً عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ وُجُوْبَ صِيَامِهَا، وَأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِصِيَامِ رَمَضَانَ عَنْهَا فِيْ الْوُجُوْبِ.

وَمِمَّن كَرِهَهَا أَبُوْ حَنِيْفَةَ وَأَبُوْ يُوْسُفَ وَالثَّوْرِيُّ، وَوَجْهُهُمْ فِيْ ذَلِكَ مُشَابَهَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذْ كَانُوْا يَزِيْدُوْنَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الصِّيَامِ الْمَفْرُوْضِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَمِمَّنْ كَرِهَهَا مَالِكٌ وَابْنُ مَهْدِيْ، قَالَ مَالِكٌ: فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: إِنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا، وَلَمْ يَبْلُغْه ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ، وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ، وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ أهل الْجَفَاءِ وَأَهْلُ الْجَهَالَةِ، مَا لَيْسَ فيهُ لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ رُخْصَةً من أَهْلِ الْعِلْمِ، وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ [11]، وَكَانَ يَخْشَى أَنْ يَلْحَقَهَا أَهْلُ الْجَهَالَةِ بِرَمَضَانَ إِذَا رَأَى الْعُلَمَاءَ يَصُوْمُوْنَهَا.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "وَهَذِهِ الْأَيَّامُ مَتَى صِيمَتْ مُتَّصِلَةً كَانَ احْتِذَاءً لِفِعْلِ النَّصَارَى، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُرِدْ هَذَا، إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَهُوَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَمَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ فَهِيَ بِشَهْرَيْنِ" وَذَلِكَ الدَّهْرُ. وَلَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ شَوَّالٍ لَكَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَشَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذِكْرِ شَوَّالٍ لَا عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ؛ لِوُجُوبِ مُسَاوَاةِ غَيْرِهَا لَهَا فِي ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرَ شَوَّالَ عَلَى مَعْنَى التَّمْثِيلِ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ النَّظَرِ فَاعْلَمُوهُ"[12].

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ وَالْإِحَاطَةُ بِعِلْمِ الْخَاصَّةِ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَالَّذِي كَرِهَهُ لَهُ مَالِكٌ أَمْرٌ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَوْضَحَهُ، وَذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يُضَافَ إِلَى فَرْضِ رَمَضَانَ وَأَنْ يَسْتَبِينَ ذَلِكَ إِلَى الْعَامَّةِ، وَكَان رحمه الله  مُتَحَفِّظًا كَثِيرَ الِاحْتِيَاطِ لِلدِّينِ[13].

السَّادِسَةُ: أَحَبَّ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ، صَيَامَهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ مُتَتَابِعَةً، قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله : "وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَهَا مُتَتَابِعَةً فِي أَوَّلِ شَوَّالٍ فَإِنْ فَرَّقَهَا أَوْ أَخَّرَهَا عَنْ شَوَّالٍ جَازَ . وَكَانَ فَاعِلًا لأَصْلِ هَذِهِ السُّنَّةِ ، لِعُمُومِ الْحَدِيثِ وَإِطْلاقِهِ . وَهَذَا لا خِلافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد[14].

وَعُمْدَتُهُمْ فِيْ ذَلِكَ حَدِيْثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ» وَفِيْ رِوَايَةٍ "يَوْمَاً" [15].

وَحَدِيْثُ  ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الحَالُّ المُرْتَحِلُ». قَالَ: وَمَا الحَالُّ المُرْتَحِلُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ القُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ» [16]، وَيَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَلِعُمُوْمَاتِ الْأَدِلَّةِ الْمُحَبِّبَةِ لِلْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾[17].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾[18].

وَكَرِهَ مَعْمَرٌ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ صِيَامَهَا بَعْدَ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمَيْنِ بَعْدَهُ.

وَقَدْ سَرَدَ طَائِفَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ الصَّوْمَ إِلَّا يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى [19].

السَّابِعَةُ: أَفَادَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ أَجْرَ صَوْمِ الدَّهْرِ حَاصِلٌ لِمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَسِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ أَيِّ شَهْرٍ مِنْ شُهُوْرِ الْعَامِ، وَاسْتَدَلُّوْا لِذَلِكَ بِحَدِيْثِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «صِيَامُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ السِّتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ السَّنَةِ» ، يَعْنِي رَمَضَانَ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ [20].

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلَوْ صَامَ هَذِهِ السِّتَّةِ أَيَّامِ مِنْ غَيْرِ شَوَّالَ يَحْصُلُ لَهُ هَذَا الْفَضْلُ؟ فَكَيْفَ خَصَّ صِيَامَهَا مِنْ شَوَّالٍ؟ قِيْلَ: صِيَامُهَا مِنْ شَوَالٍ يَلْتَحِقُ بِصِيَامِ رَمَضَانَ فِيْ الْفَضْلِ فَيَكُوْنُ لَهُ أَجْرُ صِيَامُ الدَّهْرِ فَرْضَاً ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَذَكَرَ: أَنَّهُ فِيْ بَعْضِ الْحَدِيْثِ حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِيْ جَامِعِهِ[21].

قَالَ الْقَارِيْ رحمه الله : " ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ ثَوَابَ صَوْمِ الدَّهْرِ يَحْصُلُ بِانْضِمَامِ سِتٍّ إِلَى رَمَضَانَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيْ شَوَالٍ، فَكَانَ وَجْهُ التَّخْصِيْصِ الْمُبَادَرَةَ إِلَى تَحْصِيْلِ هَذَا الْأَمْرِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى مَحْصُوْلِ هَذَا الْأَمْرِ"[22].

وَقَالَ الْكَشْمِيْرِيُّ رحمه الله: "فَإِنَّهُ إِذَا صَامَ رَمَضَانَ يَكُوْنُ أَجْرُ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَبَقِيَ شَهْرَانِ، وَإِذَا ضَرَبْنَا سِتَّةً فِيْ عَشَرَةٍ حَصَلَ سِتُّوْنَ يَوْمًا ، وَلِصَوْمِ الدَّهْرِ أَنْوَاعٌ عَدِيْدَةٌ مِثْلُ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ بِيْضٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَضَابِطُهُ الْحَسَنَةُ بَعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا خُصُوْصُ الْأُمَّةِ الْمَرْحُوْمَةِ"[23].

وَقَالَ الْقِرَافِيُّ رحمه الله: "وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ صِيَامَ السِّتِّ فِيْ غَيْرِ شَوَّالٍ، خَوْفًا مِنْ إِلْحَاقِهَا بِرَمَضَانَ عِنْدَ الْجُهَّالِ، وَإِنَّما عَيَنَّها الشَّرْعُ مِنْ شَوَّالٍ لِلتَّخْفِيْفِ عَلَى الْمُكَلَّفِ لِقُرْبِهِ مِنْ الصَّوْمِ، وَإِلَّا فَالْمَقْصُوْدُ حَاصِلٌ فِيْ غَيْرِهِ، فَيُشْرَعُ التَّأْخِيْرُ جَمْعَاً بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ"[24].

قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله: "وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَهَا مُتَتَابِعَةً فِي أَوَّلِ شَوَّالٍ فَإِنْ فَرَّقَهَا أَوْ أَخَّرَهَا عَنْ شَوَّالٍ جَازَ . وَكَانَ فَاعِلًا لأَصْلِ هَذِهِ السُّنَّةِ ، لِعُمُومِ الْحَدِيثِ وَإِطْلاقِهِ . وَهَذَا لا خِلافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد[25].

وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ رحمه الله : "وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: تَحْصُلُ الْفَضِيْلَةُ بِصَوْمِهَا فِيْ غَيْرِ شَوَّالٍ، وِفَاقَاً لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ، ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ؛ لِأَنَّ فَضِيْلَتَهَا كَوْنُ الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، كَمَا فِيْ خَبَرِ ثَوْبَانَ، وَيَكُوْنُ تَقْيِيْدُهُ بِشَوَّالٍ؛ لِسُهُوْلَةِ الصَّوْمِ؛ لِاعْتِبَارِهِ رُخْصَةً، وَالرُّخْصَةُ أَوْلَى"[26].

الثَّامِنَةُ: مَنْ شَرَّكَ بَيْنَ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَالسِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ صَحَّ صَوْمُهُ قَضَاءً، وَتُرْجَى مَثُوْبَتُهُ عَلَى نِيَّةِ الصَّوْمِ مِنْ شَوَّالٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَكُوْنُ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ؛ تَمَسُّكَاً بِظَاهِرِ حَدِيْثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه فِيْ التَّنْصِيْصِ بِالتَّبَعِيَّةِ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»[27].

قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الْعِرَاقِيُّ فِيْ حَقِّ مَنْ شَرَّكَ بَيْنَ قَضَاءِ مَا أَفْطَرَ مِنْ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ وَبَيْنَ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ: "يُحَصِّلُ أَصْلَ سُنَّةِ الصَّوْمِ وَإِنْ لَمْ يُحَصِّلْ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ لِتَرَتُّبِهِ فِي الْخَبَرِ عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ"[28]، واللهُ أَعْلَمُ.

التَّاسِعَةُ:  أَنَّ صِيَامَ شَوَالٍ وَشَعْبَانَ كَصَلَاةِ السُّنُنِ الرَّوَاتِبِ قَبْلَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوْضَةِ وَبَعْدَهَا فَيَكْمُلُ بِذَلِكَ مَا حَصَلَ فِيْ الْفَرْضِ مِنْ خَلَلٍ وَنَقْصٍ، فَإِنَّ الْفَرَائِضَ تُجْبَرُ أَوْ تُكَمَّلُ بِالنَّوَافِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ وُجُوْهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ فِيْ صِيَامِهِ لِلْفَرْضِ نَقْصٌ وَخَلَلٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَا يَجْبُرُهُ وَيُكَمِّلُهُ مِنْ الْأَعْمَالِ؛ وَلِهَذَا نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَنْ يَقُوْلَ الرَّجُلُ صُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ، أَوْ قُمْتُهُ كُلَّهُ، قَالَ الصَّحَابِيُّ فَلَا أَدْرِيْ أَكَرِهَ التَّزْكِيَةَ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ الْغَفْلَةِ، وَكَانَ عُمَرُ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيْزِ رحمه الله يَقُوْلُ: مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَلْيَصُمْ، يَعْنِيْ: مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ فِيْ آخِرِ رَمَضَانَ فَلْيَصُمْ بَعْدَ الْفِطْرِ فَإِنَّ الصِّيَامَ يَقُوْمُ مَقَامَ الْإِطْعَامِ فِيْ التَّكْفِيْرِ لِلسَّيِّئَاتِ، كَمَا يَقُوْمُ مَقَامَهُ فِيْ كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْكَفَّارَاتِ فِيْ مِثْلِ كَفَّارَاتِ الْقَتْلِ وَالْوَطْءِ فِيْ رَمَضَانَ وَالظِّهَارِ[29].

الْعَاشِرَةُ:  أَنَّ مُعَاوَدَةَ الصِّيَامِ بَعْدَ صِيَامِ رَمَضَانَ عَلَامَةٌ عَلَى قَبُوْلِ الصَّوْمِ؛ فَإِنَّ اللهَ إِذَا تَقَبَّلَ عَمَلَ عَبْدٍ وَفَّقَهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ بَعْدَهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: ثَوَابُ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةُ بَعْدَهَا فَمَنْ عَمِلَ حَسَنَةً ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِحَسَنَةٍ بَعْدَهَا كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى قَبُوْلِ الْحَسَنَةِ الْأُوْلَى، كَمَا أَنَّ مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِسَيِّئَةٍ كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةُ رَدِّ الْحَسَنَةِ وَعَدَمِ قَبُوْلِهَا[30].

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ مَنْ وُفِّقَ إِلَى صِيَامِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ؛ لِحَدِيْثَيْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[31].

وَعَنْهُ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[32]، فَنَاسَبَ ذَلِكَ الْمُبَادَرَة إِلَى شُكْرِ الله، وَمِنْ الشُّكْرِ التَّنَفُّلُ بِالصَّوْمِ بَعْدَ النِّعْمَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]، وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا وُفِّقَ لِقِيَامِ لَيْلَةٍ مِنْ الْلَّيَالِ أَصْبَحَ فِيْ نَهَارِهَا صَائِمًا شُكْرًا للهِ عَلَى تَوْفِيْقِهِ إِيَّاهُ عَلَى الْقِيَامِ.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: فِيْ الْحَدِيْثِ تَذْكِيْرٌ نَبَوِيٌ أَنْ يَمْضِيَ الْعَبْدُ عَلَى عَهْدِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهَا الْغَايَةُ مِنْ وُجُوْدِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وَهِيَ حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَهُ ثَلاَثًا: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ» قُلْتُ: لاَ، قَالَ: «حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ: أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ"[33]، فَيُدْعَى الْعَبْدُ أَنْ يَكُوْنَ مِنْهَا كَالْحَالِّ الْمُرْتَحِلِ، الَّذِيْ إِذَا حَلَّ مِنْ عِبَادَةٍ ارْتَحَلَ إِلَى أُخْرَى، فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ  رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الحَالُّ المُرْتَحِلُ». قَالَ: وَمَا الحَالُّ المُرْتَحِلُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ القُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ»[34].

قَالَ الْحَسَنُ: «أَيْ قَوْمِ، الْمُدَاوَمَةَ الْمُدَاوَمَةَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِ أَجَلًا دُونَ الْمَوْتِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:99] [35].

وَاعْلَمْ أَنَّ  مَنْ عَمِلَ طَاعَةً مِنْ الطَّاعَاتِ وَفَرَغَ مِنْهَا فَعَلَامَةُ قَبُوْلِهَا أَنْ يَصِلَهَا بِطَاعَةٍ أُخْرَى، وَعَلَامَةُ رَدِّهَا أَنْ يُعْقِبَ تِلْكَ الطَّاعَةِ بِمَعْصِيَةٍ مِا أَحْسَنَ الْحَسَنَةَ بَعْدَ السَّيِّئَةِ تَمْحُوْهَا، وَأَحْسَنُ مِنْهَا بَعْدَ الْحَسَنَةِ تَتْلُوْهَا، وَمَا أَقْبَحَ السَّيِّئَةَ بَعْدَ الْحَسَنَةِ تَمْحَقُهَا وَتَعْفُوْهَا، ذَنْبٌ وَاحِدٌ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَقْبَحُ مِنْ سَبْعِيْنَ ذَنْبَاً قَبْلَهَا، النَّكْسَةُ أَصْعَبُ مِنْ الضَّعْفَةِ، وَرُبَّمَا أَهْلَكَتْ، سَلُوْا اللهَ الثَّبَاتَ عَلَى الطَّاعَاتِ إِلَى الْمَمَاتِ، وَتَعَوَّذُوْا بِهِ مِنْ تَقَلُّبِ الْقُلُوْبِ، وَمِنْ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَمَا أَوْحَشَ ذُلِّ الْمَعْصِيَةِ بَعْدَ عِزِّ الطَّاعَةِ، وَأَوْحَشُ مِنْهُ فَقْرُ الطَّمَعِ بَعْدَ غِنَى الْقَنَاعَةِ[36].

------------------------------------------------------------------------

[1] أخرجه: مسلم/ صحيحه (1164) (2/ 822).

[2] الفارابي/ معجم ديوان الأدب (3/ 357).

[3] نشوان الحميري/ شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم (6/ 3580).

[4] قطرب/ الأزمنة وتلبية الجاهلية (ص: 38).

[5] الأزهري/ تهذيب اللغة (11/ 283).

[6] أخرجه: مسلم/ صحيحه (1423) (2/1039).

[7] ابن فارس/ مقاييس اللغة (2/ 305).

[8] أخرجه: النسائي/ السنن الكبرى (2874) (3/239).

[9] لطائف المعارف لابن رجب (ص: 220).

[10] أخرجه: ابن أبي شيبة/ مصنفه (9724) (2/342).

[11] مالك/ الموطأ مالك (1/ 330).

[12] ابن العربي/ أحكام القرآن (2/ 321).

[13] ابن عبد البر/ الاستذكار (3/ 380).

[14] النووي/ المجموع شرح المهذب (6/379).

[15] أخرجه: البخاري/ صحيحه (1983) (3/ 41).

[16] ضعيف، أخرجه: الترمذي/ سننه (2948) (5/ 197).

[17] سورة آل عمران، آية (133).

[18] سورة الحديد، آية (21).

[19] ينظر: ابن رجب/ لطائف المعارف (ص219).

[20] صحيح، أخرجه: ابن خزيمة/ صحيحه (2115) (3/298).

[21] ابن رجب/ لطائف المعارف (ص: 220).

[22] القاري/ مرقاة المفاتيح (4/1417).

[23] الكشميري/ العرف الشذي (2/181).

[24] القرافي/ الذخيرة (2/530).

[25] النووي/ المجموع شرح المهذب (6/379).

[26] ابن مفلح/ الفروع (5/86).

[27] أخرجه: مسلم/صحيحه (1164) (2/ 822).

[28] الرملي/ نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (3/ 208).

[29] ابن رجب/ لطائف المعارف لابن رجب (ص: 220).

[30] ابن رجب/ لطائف المعارف (ص: 221).

[31] أخرجه: البخاري/ صحيحه (38) (1/16).

[32] أخرجه: البخاري/ صحيحه (37) (1/ 16).

[33] أخرجه: البخاري/ صحيحه (6267) (8/ 60).

[34] ضعيف، أخرجه: الترمذي/ سننه (2948) (5/ 197).

[35] ابن رجب/ لطائف المعارف (ص: 223).

[36] ابن رجب/ لطائف المعارف (ص: 224).

بقلم

أ.د. سلمان بن نصر الداية

عضو رابطة علماء المسلمين

الثلاثاء 14 / شوال / 1437هـ

19 / يوليو / 2016م