arrow down

العدل والإحسان في الإسلام

العدل والإحسان خلقان عظيمان من أخلاق الإسلام، جاء الإسلام بالحث عليهما والأمر بهما وهما متلازمان قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل:90]، يقول أهل العلم: إن بين العدل والإحسان علاقة متلازمة، فلابد أن يكون مع العدل إحسان؛ ولذلك قرن بينهما في الآية السابقة وطلب من الناس أن يقوموا بهما على أكمل وجه.

والإحسان أعم وأرفع من العدل، فالعدل أن يأخذ الإنسان حقه ويعطي الآخر ما يستحقه، أما الإحسان فهو أن تأخذ أقل ما تستحق وتعطي فوق ما هو حق عليك، فلذلك صار العدل أدنى مرتبة من الإحسان.

والعدل التوسط والاعتدال والقسط عليه قامت السموات والأرض، وهو من شعار الإسلام ومن أخلاق وقيم الحضارة التي انفرد بها الإسلام دون غيره من الأديان الوضعية.

ومن أسماء الله تعالى العدل؛ ومن صفات النبي صلى الله عليه وسلم العدل.

وللعدل صور وأقسام:

أولاً: العدالة وهي والعدل بمعنى واحد، ولذلك يوصف الإسلام وأهله القائمون به على أكمل وجه بأنهم أصحاب عدالة وأن الإسلام دين العدالة ودين العدل وهو الوسط كما قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143]، أي: عدلاً، {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة:143].

ومن خصائص هذا الدين أنه يملك العدالة ويقوم عليها، ومن ذلك عدالة التصور والاعتقاد، ولو أنك قارنت في تصورات الهندوس والبوذيين والنصارى واليهود والوثنيين وسائر الملل المنحرفة لوجدت الظلم والانحراف بعينه! ولن تجد هذه الصفة متمثلة واضحة إلا في الإسلام؛ لذلك يقول الله سبحانه وهو ينص على هذه الصورة الواضحة والخصيصة المهمة في هذا الدين يقول: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]، وعكس العدل هو الجور والجور هو الظلم، وأي ظلم أعظم من أن يخلقك الله ويرزقك ويصورك جل وعلا ويسخر لك ما في الكون ثم تصرف العبادة لغيره.

وهذا النوع من العدالة في التصور والاعتقاد مما اختص به الإسلام عن سائر الملل المنحرفة؛ لذلك لو قرأت في القرآن الكريم لوجدت نصوصاً كثيرةً جداً بمعناها دون لفظها تدعو إلى العدل.

ثانياً: عدالة الإنسان مع نفسه وهي في المرتبة الثانية بعد عدالته مع ربه سبحانه، والعدالة مع النفس حمايتها دنيا وآخرة من الهلاك، قال سبحانه وهو يطلب من المؤمنين أن يعدلوا مع أنفسهم: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195]، وقال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]، فهذا عدل مع النفس.

ومن عدل الله سبحانه الذي فرضه على الإنسان (على نفسه) تحريم الخبائث عليه: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ} [الأعراف:157]، وإباحة الطيبات وإعطاء النفس حقها منها قال عليه الصلاة والسلام: «إن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً» [البخاري: (3/446)، مسلم: (3/162) عن عبدالله بن عمرو].. وغيرها.

فلا عدل مع النفس في غير ما جاء به الإسلام، ولذلك لما ظلم الناس أنفسهم إما بارتكاب الحرام أو عدم الالتزام بهدي الإسلام في السلوك والتصور والاعتقاد خرجت البشرية بمعنيين متضادين:

الأول: المادية الجافة التي تسعى وراء الجسد وراحته وشهوته، فقيام الحضارات والاختراعات وسائر التقنيات اليوم كلها لخدمة الجسد فقط.

الثاني: الرهبنة التي أهملت الجسد ودعت إلى أن يكون اهتمام الإنسان بجانب الروح فقط.

والإسلام عدل بين هذا وذاك؛ لأنه في الحقيقة ينظر إلى الإنسان أنه مخلوق من جسد وروح؛ الروح من الملكوت الأعلى {وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة:9]، ولذلك لا يمكن أن ترتفع وتنمو إلا بشيء من أعلى وهو الوحي.

والجسد مخلوق من الطين في أصله، فلا يقوم نموه إلا على هذه الأمور التي هي من الأرض، وحينما يوجد انفصام بين هذين الأمرين فإنه إما أن يهتم الإنسان بالجسد ويصير مادياً بحتا، وإما أن يهتم بالروح وحدها ويكون من الرهبان الذين مقت الله صنيعهم وجعل حياتهم حياة مبتدعة.

ومما يدلك على عدالة الإسلام مع النفس البشرية أن الله تعالى قدم مصلحة الجسد على ركن من أركان الإسلام، فإن الله أباح الفطر للمسافر حتى لا تجتمع عليه مشقة الصوم ومشقة السفر، وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر» [البخاري: (2/687) (1844)، مسلم: (2/786) (1115) عن جابر بن عبدالله]، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام الليل كله، بل أمر أصحابه أن يقوموا شيئاً ويدعوا شيئاً، ونهاهم عن التبتل وعن اطراد الصيام، بل بين أن للجسد حق وللنفس حق.

ثالثاً: العدالة مع الآخر قريباً كان أو بعيداً صديقاً أو عدواً أو مخالفاً؛ لأن الله تعالى قال: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8]، ويقول: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} [المائدة:2]، فالعدل صفة لازمة للمسلم لا تتغير بمصادقة صديق ولا بمعاداة عدو.

وهذا النوع تبحث عنه اليوم القوانين والأنظمة وحقوق الإنسان فتجده هراءً، ظلم وأي ظلم؟! وانظر ماذا تواجه البشرية اليوم تحت اختلاف الجنس أو اللون أو العقيدة؟! وغير ذلك من المسميات، فلا عدل ولا كرامة للإنسان.

ومما يمثل العدل على مستوى الأفراد والتجمعات الصغيرة جملة كبيرة مما جاء به الشرع الحكيم، فعلى مستوى الأسرة مطلوب شرعاً من الإنسان أن يعدل بين أهله وأولاده، وقد جاء في حديث النعمان بن بشير أنه جاء يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يشهد على أعطية أعطاها لولده فقال عليه السلام: «أعطيت كل ولدك؟ قال: لا، قال: لا تشهدني على جور، اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» [البخاري: (2/938) (2507)، مسلم: (3/1241) (1623) عن النعمان بن بشير]، فهذا عدل.

ومن ذلك العدل بين الزوجات..{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ..} [النساء:3]، {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء:3].

أما جانب الإحسان:

وهو مع العدل كما قلنا أمران متلازمان، والإحسان ضد الإساءة، وهو فعل ما هو حسن، وهو يشكل مع العدل دائرة العلاقات الإنسانية، إلا أن الإحسان أعلى وأوسع وأعلى مرتبة من العدل، كما أن الإحسان يشمل دائرة النفس والأسرة والأقارب والمجتمع، بل دائرة الإنسانية كلها، بل دائرة الكون كله.

وأول دائرة من دوائر الإحسان هي دائرة الإحسان إلى النفس وهي أضيق الدوائر، والواجب على الإنسان أن يهتم بها، ومن إحسانه إلى نفسه أن ينقذها من النار، بتحقيق التوحيد وأداء الواجبات وترك المحرمات؛ لأنه سبحانه وتعالى يقول: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء:7].

وقبل الإحسان للآخرين لابد من الإحسان إلى النفس، وأعظمه أن تحقق فيها مراد الله سبحانه من العبادة لله وحده.. لذلك كان أعلى مراتب الإحسان المتعلقة بالنفس هو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى مراتب الدين حينما سئل عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» [البخاري: (1/27) (50)، مسلم: (1/36) (8)]، فذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المرتبة درجتين إحداهما أرفع من الأخرى:

الأولى: درجة النظر إلى الله سبحانه، فتعبد الله كأنك تراه.

الثانية: درجة المراقبة وهي أدنى من سابقتها، ومضمونها أن تستحضر رؤية الله لك حال الفعل.

ولذلك من عصى الله فقد أساء إلى نفسه، فلا ينتظر منه إحسان إلى الآخرين. وإذا كان الإنسان يسيء إلى نفسه فهذا يدل على جهله، ومثله كمثل شخص في الشارع يأخذ شيئاً من أوساخ الأرض ويصبه على رأسه، هذا في عالم المحسوس، والمعاصي والمحرمات أوساخ معنوية أشد فتكاً بالإنسان من الأوساخ الحسية!

والدائرة الثانية من دوائر الإحسان هي الإحسان إلى الوالدين، وقد قرن الله الإحسان إليهما بعبادته فقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء:23]، والإحسان إليهما قسمان حسي يدخل في معنى البر، ومعنوي بدلالتهما على الهدى والاستقامة والخير ونصحهما في ذلك، ولربما يتفنن المرء في الإحسان إلى الوالدين وينسى إكرامهم عند الله في الآخرة.

ومن دوائر الإحسان الإحسان إلى الأقارب وهي المذكورة في قوله سبحانه: {إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى} [النساء:36]، والإحسان إلى الجيران كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وأحسن إلى جارك تكن مسلماً» [الترمذي: (4/551) (2305)، عن أبي هريرة]، فكل من له علاقة بك وجب عليك الإحسان إليه، في السكن أو في العمل أو الصحبة والزمالة.

ثم تأتي دائرة المجتمع وهي دائرة مهمة دعا الإسلام إلى الإحسان إليها وخاصة تلك الفئات الضعيفة التي تعيش في المجتمع كاليتيم والأرملة والمسكين ونحوهم، قال تعالى: {وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:36]، كل هذه الفئات مطلوب أن تحصل منك على الإحسان، وذلك بالأخلاق الحسنة والبذل لها والصدق في التعامل معها ونصحها ونحو ذلك.

ثم تأتي الدائرة الخامسة: دائرة العلاقات الإنسانية، حيث يدخل فيها الصديق والعدو، القريب والبعيد، وتشمل الإحسان إلى المخلوقين من بني الإنسان، وإن كانوا مخالفين لك في المعتقد، فمن ذلك مثلاً شفقتك ورحمتك بالكافر ودلالته على الهدى والخير، هذا كله من باب الإحسان إليه، فعلى هذا يمكن أن نتمثل دائرة الإحسان إلى المخالفين في العقيدة بالحرص على هدايتهم إلى الإسلام وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وعلى هذا النحو كانت دعوة الرسل جميعاً عليهم السلام.

وإذا تجاوزنا البشرية أو الإنسانية وجدنا دائرة أعظم وهي: دائرة الإحسان إلى كل من يعيش معك داخل هذا الكون من حيوان ونبات، وإن أبيح لك قتله، روى الإمام أحمد والطبراني وحسن إسناده المنذري «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على رجل وقد بطح شاة ووضع رجله على صفحة عنقها ثم أخذ يحد السكين، فقال له: يا هذا أتريد أن تميتها مرتين، هلا فعلت هذا قبل ذلك »، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة...» [مسلم: (3/1548) (1955) عن شداد بن أوس].

إنه لن تجد البشرية ديناً أعظم أخلاقاً في هذا الباب من الإسلام.. حتى في باب الجمادات، لا يوجد دين مثل الإسلام في الإحسان إلى البيئة، فقد نهى الإسلام عن التبول في الطرقات وفي الماء وفي ظل الناس، كما نهى عن قطع الثمر من الشجر وإفسادها، بل قد قال صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة -شجرة صغيرة- فليغرسها» [أحمد: (3/191) (13004) عن أنس بن مالك] ونحو ذلك كثير، فأي إحسان أعظم من هذا على مستوى الحجر والشجر والحيوان ونحوها.

وإذا جمعنا دوائر الإحسان مع دوائر العدل تبين لنا ذلك الترابط الوثيق بين هذه العلاقات، عدالة الإنسان مع نفسه وإحسانه إليها، عدالة الإنسان مع ربه وإحسانه إلى نفسه بعبادة ربه، وهكذا العدل مع الآخر والإحسان إليه، كل ذلك يدلنا على تلازم هذين الخلقين العظيمين.

لذلك كله جعل الله سبحانه وتعالى قيام السموات والأرض على العدل، وأمر به ورتب عليه ثماراً عظيمة في الدنيا والآخرة. فمن تلك الثمار في الدنيا: الاطمئنان والأمن والاستقرار للمجتمعات، فلا انفلات ولا انحراف في المجتمع إلا مع غياب العدل.. ولذلك تأثير على تقدم المجتمعات ونموها. كما أن المتصف بهاتين الصفتين ينال معية الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:128]، ومحبة الله جلا وعلا: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} [البقرة:195]، {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} [المائدة:42].

أما في الآخرة فقد جعل الله للعادلين من عباده ميزة عظيمة بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، -وذكر منهم- إمام عادل» [البخاري: (1/234) (629)، مسلم: (2/715) (1031) عن أبي هريرة].

إن المحسن قريب من رحمة الله تعالى: {إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ} [الأعراف:56]، ولا يقابل إحسانه إلا الإحسان: {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ} [الرَّحمن:60].

إن مجتمعاتنا اليوم فيها من الظلم والإساءة ما جعل الحياة منغصة نكدة، ولو أننا أقمنا العدل وأجرينا الإحسان لطابت حياتنا ولم يسلط علينا الظلمة والفاسدين، قال سبحانه: {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11]، وكما يقال: كيفما تكونوا يول عليكم.

بقلم

د. حسن بن محمد شباله

عضو رابطة علماء المسلمين

السبت 18 / شوال / 1437هـ

23 / يوليو / 2016م