arrow down

دموع المآذن

الصلاة منجية.. الصلاة والمعارك

(3) الصلاة منجية

نعم! إنّ الصَّلاةَ صلةٌ ولقاءٌ، وتعبد ووفاء، بين العبد في الأرض، والرب في السماء، هي المعين الذي لا ينضب، والزاد الذي لا ينفد.. ولقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، بل إن كشف الكربات، وإجابة الدعوات يكون أعظم ما يكون بالصلوات، فهي عند الصالحين الطريقُ لرفع البلاء، وإجابةِ الدعاء.

روى البخاري: أن إبراهيم عليه السلام، بينما هو ذات يوم يسير مع زوجه سارة، إذ أتى على بلد يحكمها جبار من الجبابرة، فأتى هذا الجبار بعض حاشيته وقالوا: "إن ها هنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، ولا تصلح إلا لك، فأرسل هذا الجبار جنده إلى إبراهيم وسألوه من هذه معك؟".

فعلم إبراهيم عليه السلام أنه لا قوة له بهذا الطاغية، وأنه لو قال زوجتي لقتلوه، فقال لهم: "هي أختي".

ثم أتى إبراهيم إلى سارة، وقال: "يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك.. وإن هذا سألني عنك، فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني".

فأرسل الجبار إليها، فأحضرت إليه، فلما دخلت عليه، أقبل عليها، فلما رفع يده إليها شلت يده، ففزع الرجل، وقال: ادعي الله لي ولا أضرُّك، فدعت الله له، فأطلق، فوسوس له الشيطان، فأقبل إليها مرة أخرى، فدعت عليه، فأصابه كالأولى أو أشد، فلما رأى أنه لا طاقة له بها، فزع وقال: ادعي الله لي ولا أضرُّك، فدعت له فأطلق الله يديه، ففزع منها، ودعا بعض حجابه، وقال: إنكم لم تأتوني بإنسان وإنما أتيتموني بشيطان".

ثم أخرجها من قصره، وأعطاها جارية اسمها هاجر، فخرجت سارة إلى زوجها، فلما دخلت عليه فإذا هو قائم يصلي، ويدعو ويبتهل، فلما أحس بها أومأ بيده، يسألها عن الخبر، فقالت: "رد الله كيد الكافر -أو الفاجر- في نحره، وأخدم هاجر"، فانظر كيف فزع إبراهيم إلى الصلاة لما حزبته الأمور،

بل انظر إلى النبي العابد، القانت الزاهد، زكريا عليه السلام..

شيخ جاوز عمره السبعين، ضعف جسده، ورق عظمه، واقتربت منيته، فاشتهى أن يكون له ولد أو ولي، فرفع يديه إلى الله داعياً، مبتهلاً باكياً، قال الله: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا . إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا . قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا . وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم:2-6]، فتقرع دعواته أبواب السماء، فينظر الله إلى عبده الداعي، فإذا هو عابد في محرابه، يترقب إحسان ربه ويخاف من عذابه، فإذا بالبشائر تتنزل عليه وهو في الصلاة..

قال الله: {فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ . قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} [آل عمران:39-40].

(4) الصلاة والمعارك

وهكذا الرحمات.. إنما تنزل بالصلوات..

في معركة الأحزاب، لما بلغت القلوب الحناجر، وهرب كل منافق وفاجر، وقد حفر المسلمون بينهم وبين عدوهم خندقاً، وأظلم الليل، واشتد البرد، فأراد النبي  صلى الله عليه وسلم  أن يعرف حال الكفار.. فأقبل على أصحابه، ثم قال لهم: «من رجل منكم يذهب وينظر لي خبر القوم ويكون رفيقي في الجنة؟».

فما تحرك أحد، فمر عليهم ثم قال: «قم يا حذيفة»، قال حذيفة: "فما كان لي من بد إذا أمرني رسول الله أن أقوم إلا أن أقوم، فقمت، قلت: لبيك يا رسول الله؟"، قال: «اذهب وانظر لي خبر القوم ولا تحدثن شيئاً حتى تأتيني».

قال حذيفة: "فنزلت في الخندق ثم صعدت فإذا المشركون كثير، وإذا من بينهم رجل يصلي يديه على نار بين يديه ثم يلصقهما بجانبيه، فنظرت فإذا هو قائد الجيش أبو سفيان، فقلت في نفسي: إن أنا قتلته اضطرب أمرهم وانهزموا، فأخذت سهماً من كنانتي أبيض الريش، فوضعته في كبد القوس، فلما شددته تذكر ت قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم: «لا تحدثن شيئاً حتى تأتيني» فأرجعت السهم في كنانتي ونظرت في حالهم.. فإذا الريح قد اشتدت عليهم فما تقر لهم قدرًا ولا تقيم لهم بعيرًا، فدخلت في إحدى الخيام فجلست بينهم في الظلمة..".

فشعر أبو سفيان أن رجلاً قد دخل في القوم فصاح بهم وقال: "ألا لينظر كل امرئ من جليسه؟".

قال حذيفة: "فخفت أن يسألني الذي بجانبي فأفتضح، فبادرته وصحت به: من أنت؟ ففزع وقال: أنا فلان.. من بني فلان..، فسكت عنه، فلما رأى مني ذلك هاب أن يسألني، فنجوت، وخرجت من بينهم وعدت إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فإذا هو قائم يصلي ويدعو، فقعدت عنده حتى فرغ فبشرته بخبر القوم، ففرح وكبر:

«نعم! هزم الله الأعداء، ونصر الأولياء، بصلاة ودعاء»".

وكانوا كما قال الله: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب:25]، فانظر كيف فزع النبي  صلى الله عليه وسلم  إلى الصلوات فانكشفت الكربات..

خرج محمد بن واسع في جيش قتيبة بن مسلم، فلما التقى الصفان التفت قتيبة فلم ير ابن واسع، فأرسل بعض من عنده يطلبونه، فلما عادوا إليه: قالوا له: "وجدناه ساجداً، يحرك أصبعه ويدعو..".

فقال قتيبة: "والله لأصبع محمد بن واسع في الجيش أحب إليَّ من ألف شاب طرير، وسيف شهير".

فلما أتاه محمد بن واسع، قال قتيبة: "أين كنت؟"، فقال ابن واسع: "كنت أهز لك أبواب السماء.."!

فأين المرضى عن التعبد بالصلوات؟!

وأين المكروبون عن الركعات والسجدات؟!

بل.. أين المظلومون وأصحابُ الحاجات؟!

فبها يشفى المرض وتكشف الكربة.. ويغفر الذنب وتقبل التوبة.

اقرع بها أبواب السماء، والتمس كشف الكرب ورفع البلاء.

بقلم

د. محمد عبدالرحمن العريفي

عضو رابطة علماء المسلمين

الأحد 26 / شوال / 1437هـ

30 / يوليو / 2016م