arrow down

سلسلة دموع المآذن

بوابة الرحمات.. الصلاة تعلّمنا

 (5) بوابة الرحمات

بل الصلاة هي مفتاح الرزق، قال الله: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى . وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:31-32].

أقبل رجل إلى ثابت البناني يستعين به على حاجة يريدها من بعض الكبراء، فمضى معه ثابت، فجعل لا يمر بمجسد إلا نزل فصلى ركعتين، حتى وصل إلى الرجل فكلمه في الحاجة، فقضاها من فوره، فالتفت ثابت إلى صاحبه فقال: "لعله شق عليك وقوفي عند كل مسجد، وصلاتي"، قال: "نعم"، قال: "ما صليت صلاة، إلا طلبت إلى الله تعالى في حاجتك أن يقضيها، وها هي قد قضيت".

نعم! الصلاة هي بوابة الرحمات، بل هي مفتاح الكنز، الذي من حصله حاز الخيرات، فرحم الله عبادًا نصبوا أقدامهم لطاعة مولاهم، فرضي ربهم بأعمالهم وعجل لهم بشراهم..

لهم مع الصلاة أخبار، في الليل والنهار، فهم في الليل، من الذين: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:16-17].

وهم في النهار من: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال:2-4]

نعم! الصلاة بها يفتح الباب، ويرفع الحجاب، إنها مفتاح السعادة..

فإذا أجدبت الأرض، وانقطع القطر، وهلك المال، وجاع العيال، فإن الصلاة هي المفتاح، فنصلي صلاة الاستسقاء، وإذا هم العبد بشيء من أمره، أو احتار في فعل شيء وتركه، فإن الصلاة هي المفتاح، فيصلي صلاة الاستخارة.

وإذا أذنب أو عصى، شرعت له الصلاة.

وإذا ضاق به الصدر، وتعسر الأمر، شرعت له الصلاة.

وإذا كسفت الشمسُ أو القمرُ، شرعت الصلاة.

فهي رأس القربات، وغرة الطاعات.

هي راحة العبّاد الأبرار، وقرة أعين المتقين الأطهار.

(6) الصلاة تعلمنا

والعبد كلما كان بالصلاة أشغل وأولع، وإليها أنشط وأسرع، كانت رحمة الله أقرب إليه، وفضل الله أوسع عليه.

وانظر إلى تلك المرأة الصالحة، مريم ابنت عمران التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين: «لم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران»، كانت مصلية عابدة في محرابها، فكان جزاؤها أن جعلها الله وابنها آية للعالمين، وأخرج منها نبياً وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ..

فلما بشرت بذلك أمرت بشكر الله على نعمه، فزادت في التعبد والصلاة..

قال الله: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ . يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران:42-43]،

والصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر..

فلا تكاد تجد أحداً حريصاً على عبادته، مقبلاً على صلاته، إلا وجدته قريباً من الخيرات، بعيداً عن المنكرات،

قال الله: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا . إِلَّا لْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج:19-23].

ألا ترى أن شعيباً عليه السلام لما أمر قومه بالإيمان، والعدل في الكيل والميزان، علموا أنه لم يمنعه من المنكرات إلا الصلاة، فـ{قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود:86].

بقلم

د. محمد بن عبدالرحمن العريفي

عضو رابطة علماء المسلمين

الثلاثاء 28 / شوال / 1437هـ

2 / أغسطس / 2016م