arrow down

دموع المآذن

الصلاة تشفع يوم الحساب

(7) الصلاة تشفع

ومن عظمة الصلاة، وما فيها من ركوع وسجود، أنها بها تنكشف الكربة العظمى عن جميع الخلق يوم القيامة، فإذا اجتمع الأولون والآخرون، أبيضهم وأسودهم، كبيرهم وصغيرهم، عربيهم وأعجميهم، وطال الانتظار، وزاغت الأبصار، وتصبب منهم العرق، واشتد الخوف والفرق، كان انكشاف الهم، وزوال الكرب والغم، بسجدة واحدة تحت العرش..

في الصحيحين والمسند وغيرهما: أن الله يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، يُسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناسَ من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فإذا اشتد عليهم ذلك، ورجوا أن يفصل الله بينهم القضاء، قال بعضهم لبعض:"ألا ترون ما أنتم فيه، وما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم عز وجل..

فيقول بعض الناس: أبوكم آدم، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح..

فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح، أنت أبو الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة على قومي: نفسي، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم..

فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله، وخليله من أهل الأرض، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً، لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، فذكر كذباته، نفسي، نفسي، نفسي،اذهبوا إلى موسى..

فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، اصطفاك برسالاته، وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي غضب اليوم غضباً، لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى..

فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً، لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنباً، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد..".

قال صلى الله عليه وسلم: «فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم النبيين، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فأقوم فأقف تحت العرش، فأقع ساجداً لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده، وحسن الثناء عليه، ما لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي، أمتي، يا رب أمتي، أمتي، يا رب أمتي، أمتي، فيقول: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من أبواب، ثم يفصل الله القضاء بين الناس».

وهذه الشفاعة العظمى، والنجاة الكبرى، لا تكون إلا للمصلين أما غير المصلين، فلا ولا كرامة.

قال تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا . وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا . لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم:85-87].

ما هو العهد؟ قال صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (رواه أحمد، وغيره)، بل كيف يرجو تارك الصلاة، نيل الشفاعة يوم الأهوال والويلات، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه لا يعرف أمته من بين الأمم يوم القيامة إلا بآثار الوضوء، كما روى مسلم، أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً: «وددت أنا قد رأينا إخواننا»، قالوا: "أولسنا إخوانك يا رسول الله؟"، قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد»، فقالوا: "كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟"، فقال: «أرأيت لو أن رجلاً له خيل غر محجلة -أي فيها بياض ونور في الوجه والأطراف- بين ظهري خيل دُهْم بُهْم -أي سودٌ وحمرٌ- ألا يعرف خيله؟»، قالوا: "بلى يا رسول الله"، قال: «فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم».(8) الصلاة تشفع يوم الحساب

وكذلك الشفاعة في الخروج من النار، لا تكون إلا للمصلين.

فعند البخاري: أن الله تعالى إذا جمع الأولين والآخرين يوم القيامة، نادى مناد: "ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون"، فيذهب أصحابُ الصليب مع صليبهم، وأصحابُ الأوثان مع أوثانهم، وأصحابُ كل آلهة مع آلهتهم، حتى لا يبقى إلا من كان يعبد الله، من بر أو فاجر أو غبراتٍ من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم، تعرض كأنها سراب، وإذا الناس قد بلغ منهم الخوف والعطش كل مبلغ..

فيقال لليهود: "ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزيرَ بنَ الله فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد،

فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا"، والنار أمامهم كأنها سراب ماء، فيقال: "اشربوا"، فيتساقطون في جهنم.

ثم يقال للنصارى: "ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيحَ ابنَ الله فيقال؟ كذبتم، لم يكن لله صاحبةٌ ولا ولدٌ،

ثم يقال: ما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيشار لهم إلى جهنم، ويقال: اشربوا"، فيهرعون إليها، فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى من كان يعبد الله عز وجل، من بر أو فاجر..

فيقال لهم: "ما يحبسكم، وقد ذهب الناس؟"، فيقولون: "إنا سمعنا منادياً ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا عز وجل"، فينتظرون، حتى يأتيهم الله جل جلاله، في صورته التي يعرفون، فيسجد له كل مؤمن، أما من كان يتساهل بالصلاة في الدنيا، أو كان يصلي رياء وسمعة، فإنه إذا أراد أن يسجد صار ظهره طبقاً واحداً، فلا يستطيع السجود، قال الله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ . خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم:42-43].

بل إن أهل الصلاة المقيمين لها وإن دخلوا النار، فالشفاعة منهم قريبة، فإن الله تعالى إذا فرغ من القضاء بين عباده، ومضى أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، أراد أن يخرج من النار، من يخرجه، ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، فيأمر الله الملائكة أن يخرجوهم، فيأتونهم فإذا هم في غمرات النار، وبعضهم قد غاب في النار إلى قدميه، وبعضهم قد غاص إلى أنصاف ساقيه، فتبحث الملائكة عنهم ليخرجوهم، فلا يعرفونهم إلا بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم من النار، كما ثبت في الصحيحين.

هذا حال أهل الصلاة، أما غيرهم فاسمع خبرهم، قال الله:

{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ . فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ . عَنِ الْمُجْرِمِينَ . مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ . قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ . وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ . وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ . وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ . حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ . فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِين} [المدثر:38-48].

بقلم

د. محمد بن عبدالرحمن العريفي

عضو رابطة علماء المسلمين

الأربعاء 29 / شوال / 1437هـ

3 / أغسطس / 2016م