arrow down

دموع المآذن

الصلاة والجنة .. كمال الصلاة

(9) الصلاة والجنة

نعم، الصلاة هي مفتاحُ الجنان، وطريقُ دارِ السلام، ومجاورةِ الملك العلام.

روى البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة»، قال: "ما عملت عملاً أرجى عندي، أني لم أتطهر طهوراً، في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي" (وروى الطبراني وأصل الحديث في مسلم).

وعن ربيعة بن كعب رضي الله عنه قال: "كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم نهاري، فإذا كان الليل أويت إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبت عنده، فقال يومًا: «يا ربيعة سلني، فأعطيَك»، فقلت: "أَنظِرْني حتى أنظر، وتذكرت أن الدنيا فانية منقطعة، فقلت: يا رسول الله، أسألك أن تدعو الله أن ينجيني من النار، ويدخلني الجنة"، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «من أمرك بهذا؟»، قلت: "ما أمرني به أحد، ولكني علمت أن الدنيا منقطعة فانية، وأنت من الله بالمكان الذي أنت منه، فأحببت أن تدعو الله، قال«: إني فاعل، فأعني على نفسك بكثرة السجود».

وروى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، فقال: «عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة»، إنما ينجو يوم القيامة أقوام صالحون، إذا أقبل وقت الصلاة اشتاقوا إليها، وأقبلت أجسادهم عليها، الصَّلاةُ لأحدهم رَبيع قَلْبِهِ، وحياة نفسه، وقُرّة عَيْنِهِ، ولذة جسده، بل هي جلاء حُزْنِهِ، وذَهاب همِّه وغَمّه، يفزعون إليها عند النوائب، ويلوذون بها في النوازِلِ، يتعرف بها أحدهم إلى الله في الرخاء، فيعرفه ربه في الشدة.

ذكر الذهبي في ترجمة أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري، أنه كان صاحب نسك وعبادة، قال عنه ابن وهب: "رأيت سفيان الثوري في الحرم بعد ما صلى المغرب، قام ليصلي النافلة، فسجد سجدة، فلم يرفع رأسه حتى نودي بالعشاء"، وقال علي بن الفضيل: "أتيت أريد الطواف بالكعبة، فإذا سفيان ساجداً يصلي، فطفت شوطاً فإذا هو على سجوده، فطفت الثاني فإذا هو على سجوده، فلقد طفت سبعة أسابيع أي تسعة وأربعين شوطًا وهو لم يرفع رأسه من سجوده".

وقال عنه عبد الرزاق -أحد تلاميذه-: "لما قدم سفيان علينا طبخت له قدر سكباج -لحم مع الخل- فأكل، ثم أتيته بزبيب الطائف فأكل، ثم أتيته بالزبيب فأكل، فلما انتهى من طعامه، قام، ثم شد على وسطه إزاره، ثم قال: يا عبد الرزاق، يقولون: اعلف الحمار وكده، ثم قام يصلي حتى الصباح".

نعم تعبد صادق، إذا قام في محرابه نسي الدنيا وما عليها، يصلي أحدهم لربه، صلاة عبد مشتاقٍ إليه، معترفٍ بفضله عليه.. متذللٍ منكسرٍ بين يديه، فيزداد محبة إلى محبته، وشوقاً إلى دخول جنته، فإذا وقع هؤلاء في الكربات، أو جأروا بالدعوات، رأوا من ربهم ما يرضيهم، ويصلح حالهم ويغنيهم.

وفي الصحيحين: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً في المسجد مع أصحابه يوماً، فدخل رجل فصلى، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرمقه وهو يصلي، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام، ثم قال: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ»، فرجع الرجل فصلى كصلاته الأولى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال له: «وعليك السلام، ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ»، فرجع الرجل فصلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال له: «وعليك السلام، ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ»، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق، ما أحسن غير هذا فعلمني، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».

عجباً! فما أحوج كثير من الناس اليوم أن يقال له بعد صلاته: ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ؟!

ينقر أحدهم سجوده كنقر الغراب، ويركع مستعجلاً كالمرتاب، لا يناجي ربه في السجود، ولا يخشع للرحيم الودود!

(10) كمال الصلاة

ولكن من رحمة الله بنا أن شرع لنا ما نسد به نقص صلاتنا..

كما أخرج الحاكم وصححه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول ربنا عز وجل للملائكة -وهو أعلم- أنظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذلك».

وكان صلى الله عليه وسلم يحث على السنن الرواتب بل أخبر بالفضل العظيم لمن صلاها، فروى مسلم وابن خزيمة، أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة»، أربعَ ركعات قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الصبح.

وينبغي على العبد أن يعظم ربه إذا وقف بين يديه، كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وكان أبو بكر إذا صلى بالناس لم يكد يسمعون قراءته من الرقة، وكان عمر يسمع نشيجه من وراء الصفوف، كان علي بن الحسين رضي الله عنه إذا توضأ أخذته رعدة، وتصبب عرقاً، فيسألونه عن ذلك؟ فيقول: "ويلكم أتدرون بين يدي من سوف أقوم"!

أما مسلم بن يسار فقال عنه بعض أصحابه: "ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتاً في صلاته قط خفيفة ولا طويلة، ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدته وإنه لفي المسجد في صلاة، فما التفت إليهم"، وقال ابن سيرين: "رأيت مسلم بن يسار رفع رأسه من السجود في المسجد الجامع، فنظرت إلى موضع سجوده كأنه صب فيه الماء من كثرة دموعه"! وقال ابن عون: "رأيت مسلم بن يسار يصلي كأنه وتد، لا يميل على قدم مرة ولا على قدم مرة، ولا يتحرك له ثوب ولا يتروح على رجل".

وكثير الحمصي أمَّ أهل حمص ستين سنة كاملة، ولم يسهُ في صلاة قط، فسئل عن ذلك فقال: "ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله"، نعم يستشعر أحدهم أنه مخلوق حقير واقف بين يدي ملك كبير، خضعت له السماواتُ وما أظلّتْ والأرضُ وما أقلّت، عَنَتْ له الوجوهُ وخضعتْ له الرقابُ، وذلّتْ له الجبابرةُ.

وإذا قال: الله أكبر، استشعرَ أنَّ الله أكبرُ منْ كلِّ ما يخطرُ بالبال، وهو سبحانه يراقب إلى صلاته، ويسمع مناجاته

فإذا قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الله: «حَمِدَنِي عبدي»، وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيم}، قال الله: «أثنى عليَّ عبدي»، فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال الله: «مجدني عبدي»، وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قال الله: «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل»، فيا لذة قلبه وقرّة عينه، وسرور نفسه بقول ربّه: «عبدي، عبدي».

وهو سبحانه الغني عن عبده قد استوى على عرشه، وتفرد بتدبير ملكه، يغيثِ الملْهُوفين ويجيب المضْطَرِّين، فيخشع لذلك قلبه وتطْمئنُ نفسهُ وتسْكنُ حركاته، ويجْتَمَع همُّهُ على الله وتقرُّ عينُهُ بمولاه، ويحسُّ بحلاوة قُرْبِهِ ويتلذذ بخشوع قَلَبهُ، فيعبدُ الله كَأَنَّهُ يَرَاه فَوقَ سَمَوَاتِهِ مُستَوِيًا عَلَى عَرْشِهِ، يَتَكَلَّمُ بِأَمْرِهِ وَنَهيِهِ، وَيُدَبِّرُ أَمْرَ خَلِيقَته، فَيَنْزِلُ الأَمْرُ مِنْ عِنْدِهِ وَيَصْعَدُ إلَيهِ وهو حَيّ سَمِيع بَصِير، يُحِبُّ وَيُبغِضُ وَيَرضَى وَيَغضَبُ، وَيَفعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحكُمُ مَا يُرِيدُ..

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} [الحج:17].

بقلم

د. محمد بن عبدالرحمن العريفي

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس 30 / شوال / 1437هـ

4 / أغسطس / 2016م