arrow down

كيف سينتصر الشعب السوري ؟

يشعر كثير من السوريين أن إخوانهم العرب والمسلمين قد خذلوهم في محنتهم، وأسلموهم لعدوهم، وقد جرَّ هذا الشعور على كثير من الثوار شيئًا من الإحباط والقهر، فقد كان المسلمون في سوريا ينتظرون من إخوانهم حق الأخوة الذي أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المتفق عليه: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة".

كم فاتكم أيها المسلمون فرص تفريج الكرب عن إخوانكم في سوريا!!

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه، التقوى ها هنا -وأشار إلى القلب- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".

ينظر السوريون اليوم بشيء من الأسى والحزن من خذلان الجامعة العربية لهم وتواطئها مع النظام الشبيحي، ويقولون: أين المسلمون والعرب من قوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"؟!

وهنا أقول: إن على إخواننا وأهلنا في سوريا ألا يلتفتوا إلى كل هذه الأمور، وأن يمضوا في سبيل ثورتهم صامدين صابرين، حتى يفتح الله بينهم وبين عدوهم بالحق وهو خير الفاتحين.

فالرسول صلى الله عليه وسلم أول ما صدح بالحق بمكة لم يكن معه أحد من الناس، ومع ذلك ما ذلَّ ولا هان بأبي هو وأمي.

وأبو بكر من بعده كان أُمَّة لوحده على الحق لما ارتدت العرب، وما ذلَّ ولا هان لارتدادهم على أدبارهم.

وأنتم يا ثوار سوريا على آثارهم سائرون، ومعكم زيادة تطمين من الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه لا يضركم خذلان الناس لكم، فلماذا بعد هذا تحزنون؟!!

ففي الصحيح عن سيدنا معاوية -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك". فقام مالك بن يُخَامر فقال: سمعت معاذًا يقول: وهم بالشام. فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذًا يقول: وهم بالشام.

فيا أهل الشام، لا تهنوا ولا تحزنوا فوالله أنتم الأعلون -بإذن الله- ما دمتم مؤمنين.

أتأمل سنن الله عز وجل في نصرة المظلومين المؤمنين وإهلاك الكافرين الظالمين، فأجد أننا قاب قوسين وأدنى من النصر، ولعلِّي أضع هنا أهم ما على المسلمين في سوريا فعله؛ كي ينتصروا على عدو الله وعدوهم:

أولاً: علينا أن نصلح نياتنا، وأن نجعل الله عز وجل هو مرادنا من تحركنا هذا، والنية أهم ما تتعلق به الأمور، كما قال قدوتنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات".

والشعب السوري قد أصلح نيته وجعل وجه الله مراده، وما أجمل نشيدهم حين صدحوا به: هي لله هي لله، لا للسلطة ولا للجاه! ونشيدهم الآخر: على الجنة رايحين شهداء بالملايين.

هذه النية الصافية الصادقة مع ما صاحبها من حب الله وحب الاستشهاد في سبيله، أهم عوامل النصر.

فقد أخلى الله عز وجل قلوب السوريين من الوهن، الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حب الدنيا وكراهية الموت"، والحمد لله على ذلك.

ها هم الأبطال في سوريا لا يبالون بالموت ويتسابقون إلى الاستشهاد في سبيل الله، وإن نسيت فلا أنسى مقام الشاب محمد العلوة من مدينة إنخل الشهيدة، وهو يصول ويجول بين أفراد جيش أبرهة السوري ويصدح بنشيد: فتنت نفسي يا شهيد، ثم تخنقه العبرة في آخره، فيقول: آه على الشهيد.

فلم يلبث بعدها إلا قليلاً حتى استشهد في سبيل الله، نظن -والله- أن هذا الرجل ممن يصدق عليه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء".

فالحمد لله الذي جعل في سوريا رجالاً من المؤمنين الذين قال فيهم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23].

عليكم أيها الثوار أن تجعلوا خروجكم لوجه الله تواضعًا له، وامتثالاً لأمره، واحذروا أن تكونوا من الذين نهى الله المسلمين أن يكونوا منهم بقوله: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} [الأنفال: 47، 48].

فهذه الأمور التي ينبغي أن تحذروا منها في خروجكم لأنها تؤخر النصر، وهي:

1- إفساد النية، وجعل المقصود من الخروج البطر والكبر ومراءاة الناس.

2- الصد عن سبيل الله ومحاربة دينه ومعاداة أوليائه.

3- الاعتماد على الناس دون الله عز وجل، وربط النصر بمواقف الناس، فقد جعل الله ذلك من إلقاء الشيطان لوساوسه في قلوب أوليائه، فقد قال لهم: {لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} [الأنفال: 48].

فإياكم أن تجعلوا الناس أولياء لكم من دون الله، فإن ذلك من أسباب الهزيمة والانكسار.

آيات عظيمة لو تدبرناها حق التدبُّر!!

ثانيًا: الشعب السوري المسلم يستقوي بالله عز وجل وليس بأحد سواه، ويعول على الله لا على غيره، ويتوكل عليه وحده، يستنصر بقوته، ويستغيث برحمته.

وقد رأينا هذا جليًّا في شعارات الثوار، وفي أسماء الأيام والجُمَع التي اعتادوا على تسميتها بما يلخص مسيرتهم ورؤيتهم؛ من جمعة لن نركع لغير الله إلى آخر جمعة: الله أكبر.. الله أكبر. أيها الثوار، صدقتم -والله- الله أكبر من كل كبير.

وهذا أهم شرط لشروط النصر، ولكن -أيها الثوار المجاهدون- يلزم منه أمر آخر، ألا وهو تقوى الله عز وجل وخشيته والامتثال بأمره، واجتناب نهيه. وهذه أمور يجمعها قوله عز وجل: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد: 7].

ونصرته سبحانه هي باتباع أوامره واجتناب نواهيه؛ ولذلك كان من مَضَى من أمتنا يتخوفون الذنوب على أنفسهم أكثر مما يتخوفون من قوَّة أعدائهم.

وما أجمل نصيحة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لمن قِبله من أمراء الأجناد -وكأنه يخاطبنا اليوم ويخاطبكم أنتم يا ثوار سوريا- حين قال:

(أما بعد، فإني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب.

وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي، من احتراسكم من عدوكم؛ فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم.

وإنما يُنصر المسلمون على عدوهم بمعصية عدوهم الله، ولولا ذاك لم يكن لنا بهم قوَّة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عُدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا بالقوة، وإن لم ننصر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوتنا.

واعلموا أن عليكم في سيركم حَفظة من الله تعالى يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله، وأنتم في سبيل الله.

ولا تقولوا: إن عدونا شرٌّ منا فلن يسلطوا علينا وإن أسأنا، فرُبَّ قومٍ سلط عليهم شر منهم).

فيا إخواننا وأهلنا في سوريا، اطلبوا نصر الله بالتوبة والإنابة، واستعجلوا فرج الله بالرجوع إليه، انصروا الله كي ينصركم، فإذا نصركم الله فلا غالب لكم.

يا من ما زال مقيمًا على المعاصي، مصرًّا على الذنوب، هل تعلم أنك تؤخر النصر علينا؟ فاتق الله في نفسك وفي إخوانك، وبادر بالتوبة النصوح.

ثالثًا: يجب علينا أن نتضرع إلى الله ونلتجئ إليه ونلح عليه بالدعاء، ولا يتكل بعضنا على بعض في هذا الباب، فقد قلت لبعض إخواني مثل هذا الكلام، فقال لي: غيري من الناس الصالحين يدعو ولا شك، فلماذا أدعو أنا العبد المذنب؟!

التضرع إلى الله مطلوب من الجميع، والتذلل بين يديه هو للكل، وليس حصرًا على ناس دون ناس.

فنحن في ابتلاء عظيم، ومن أهم ما يدفع به الابتلاء هو الدعاء والتذلل بين يدي الله عز وجل.

وقد جاء عن بعض التابعين: مكتوب في بعض الكتب إني لأبتلي عبادي وأنا أحب أن أسمع تضرعهم بين يدي.

هل تفننتم بالدعاء؟ هل قلبتم أكف الضراعة بين يدي الله؟ فنحن والله في آزفة ليس لها من دون الله كاشفة.

رابعًا: على الشعب السوري أن يثبت ولا يتراجع، فتظاهره السلمي هذا جهاد، ويجب على الخروج فيه ما يجب على الخروج في الجهاد، وأجرهم -إن شاء الله- كأجر المجاهدين، وشهداؤهم أعظم الشهداء بإذن الله.

وأهم ما على المجاهدين هو الثبات، كما قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45].

وقد رأيت ورأى العالم كله ثبات الثوار في سوريا، وإصرارهم على التظاهر، رغم آلة الموت التي تحيط بهم، ورأيتهم كذلك ورأى معي العالم كله كيف تلهج ألسنتهم بذكر الله وهم في مسيرهم المبارك.

فالحمد لله الذي هداهم لهذا.

استمرارية التظاهر والثبات عليه، مع المحافظة على ذكر الله صمام أمان النصر.

خامسًا: لا تستبطئوا النصر، ولا تستعجلوا النتائج، فالعبد يستجاب له ما لم يستعجل بأن يقول: دعوت الله فلم يجب، واستنصرته فلم ينصر، واحذروا من هذا الشعور؛ فإنه أول الوهن في القلوب.

فلله عز وجل حكمة في تأخر النصر، قد تخفى علينا، ولكننا لو اجتهدنا في تبيينها لقلنا: إن من أعظم حِكم الله في ذلك اصطفاء الشهداء من هذا الشعب العظيم، وتمييز الخبيث من الطيب، في بلدٍ غلبه الخبث والنفاق ردحًا طويلاً من الزمن.

لنجعل نصب أعيننا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "كان الرجل فيمن كان قبلكم يؤخذ فيحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين ما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب ما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون".

ونحن نحلف على يمين رسولنا الصادق الأمين ونقول: والله ليتمن الله هذا الأمر ولينصرن المسلمين في الشام وغيره قريبًا غير بعيد بإذنه سبحانه.

اللهم انصر أهلنا في سوريا؛ فإنه لا ناصر لهم اليوم إلا أنت.

بقلم

د. أحمد بن فارس السلوم

عضو رابطة علماء المسلمين

السبت 3 / ذي القعدة / 1437هـ

6 / أغسطس / 2016م