arrow down

ضوابط العمل الجماعي

حاجة المسلمين عامة وأهل السنة والجماعة خاصة ـ سيما في هذا العصر ـ إلى الاجتماع والائتلاف والتوحد والتعاون على البر والتقوى ونكران الذات، لا تدانيها حاجة قط.

وخطر التفرق والاختلاف والتشرذم في صفوف أهل السنة واضح لكل ذي عينين.

فالاختلاف والتشرذم شر، والجماعة والائتلاف خير وقوة، والشذوذ في النار ولهذا روي عنه صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار» [الترمذي في الفتن رقم "2167".وقال الألباني:"صحيح دون من شذ"].

لو لم يكن للجماعة إلا هذه المعية لكفاها.

الاجتماع والائتلاف على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، والاستمرار والديمومة على ذلك نعمة عظيمة، والانتكاسة والردة عن ذلك نقمة ومصيبة.

هنالك أسباب وضوابط إذا التزم بها المجتمعون، ووعاها المؤتلفون، وحرص عليها العاملون، أعانت على الاستمرار، ونتج عنها الكثير من الثمار الحسنة والنتائج الفاضلة بعد توفيق الله سبحانه وتعالى.

وأود في هذه العجالة أن أشير إلى أهم الضوابط التي تعين على ذلك، وتحول بين الردة والزلل والانتكاسة ومجانبة كثير من الخلل.

فأقول وبالله التوفيق:

أولاً: التطاوع

إذا أراد المجتمعون في أي جماعة من الجماعات التوفيق والسداد والاستمرار فعليهم بالتطاوع وليحذروا التنازع والاختلاف.

روى الهيثمي في مجمع الزوائد [جـ6/209] عن عامر الشعبي رحمه الله: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش ذات السلاسل، فاستعمل أبا عبيدة على المهاجرين، واستعمل عمرو بن العاص على الأعراب فقال لهما: «تطاوعا» فقال: وكانوا يؤمرون أن يغيروا على بكر، فانطلق عمرو فأغار على قضاعة لأن بكراً أخواله. فانطلق المغيرة بن شعبة إلى أبي عبيدة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعملك علينا، وإن ابن فلان قد ارتفع أمر القوم، وليس لك معه أمر. فقال أبو عبيدة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نتطاوع، فأنا أطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن عصاه عمرو" [رواه أحمد وهو مرسل ورجاله رجال صحيح].

هذا الموقف وغيره كثير هو الذي أهَّـل أبا عبيدة رضي الله عنه أن يصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أمين هذه الأمة. ومن أجل ذلك قال عمر عندما طعن وطلب منه أن يستخلف عليهم: لو كان أبو عبيدة حياً لخلفته عليكم. مثل هذه المواقف هي التي تخلد الرجال.

فالتطاوع وعدم التنازع أمر في غاية الأهمية لاستمرار العمل الجماعي وللقضاء على تهويشات الشيطان.

ثانياً: الصراحة والوضوح وعدم المداهنة

إذا أراد المجتمعون على أي عمل من الأعمال استمرار هذا العمل ونجاحه، فعليهم بالصراحة الوضوح والمناصحة، وليحذروا المداهنة فإن عاقبتها وخيمة وعلى الجميع أن يقبل ذلك بصدر رحب وبتجرد تام.

عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأسد [وفي رواية لمسلم: الأزد] على صدقات بني سُليم يدعى ابن اللُّتبية، فلما جاء حاسبه، فقال: هذا مالكم، وهذا هدية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلا جلست في بيت أبيك وامك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً؟» الحديث [مختصر صحيح مسلم للمنذري رقم [1215]].

وعن عدي بن عميرة الكندي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مِخْيَطاً فما فوق كأن غلولاً يأتي به يوم القيامة" قال: فقام إليه رجل أسودُ من الأنصار كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، أقبل عني عملك، قال: «ومالك؟» قال: سمعتك تقول: كذا وكذا، قال: «وأنا أقول الآن: من استعملناه منكم على عمل فليجيء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى» [المصدر السابق رقم "1214"].

فلا ينبغي لأحد أن يستنكف ويستكبر على المحاسبة ويرفض الصراحة والوضوح.

فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحاسب عماله وقد حاسب عمر خيار أهل بدر عمير بن سعد وسعد بن ابي وقاص على الرغم من كامل ثقته فيهما.

ولله در الصحابة ما أفقههم وأصرحهم وأصلحهم!

روى ابن الجوزي رحمه الله: "وعن أبي حاتم عن العتبي قال: بُعث إلى عمر بحلل فقسمها فأصاب كل رجل ثوب، ثم صعد المنبر وعليه حلة، والحُلة ثوبان، فقال: أيها الناس ألا تستمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع. فقال عمر: لم يا أبا عبد الله؟ قال: إنك قسمت علينا ثوباً ثوباً وعليك حُلة. فقال: لا تعجل يا أبا عبد الله ثم نادى: يا عبد الله، فلم يجبه أحد. فقال: يا عبد الله بن عمر، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين. فقال: ناشدتك الله، الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم. قال سلمان: فقل الآن نسمع" [صفة الصفوة لابن الجوزي جـ1/353].

ثالثاً: إتهام الرأي

من الأسباب الرئيسة للتفرق والاختلاف الاستبداد بالرأي والاعتداد به، فإذا أراد القوم الاستمرار في العمل فينبغي لكل منهم أن يتهم رأيه، ولا يعتد به إن لم يجد قبولاً عند الآخرين، ليكون منصفاً لنفسه وللآخرين ورضي الله عن سهل بن حُنَيف عندما قال بـِصِفـِّين: "إتهموا رأيكم على دينكم، فلقد رأيتني يوم أبي جَنْدَل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى اله عليه وسم" [صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير ـ صلح الحديبية] ـ أي لرددته.

رابعاً: الخلاف شر

لا بد أن يستصحب العاملون في العمل الجماعي هذه المقولة الصادقة التي خرجت من فيء عالم من علماء الصحابة رضي الله عنهم، وهو عبد الله بن مسعود وذلك عندما أتم عثمان رضي الله عنه الصلاة الرباعية بمنى، فأتم معه عبد الله بن مسعود فقيل له: لِمَ اتممت وقد صليتها ركعتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما؟ فعلل ذلك بأن الخلاف شر.

فإذا استصحب كل العاملين في العمل الجماعي هذه القاعدة تعافوا عن كثير من أسباب الخلافات الواهية.

فابن مسعود على الرغم من أنه يملك الدليل القاطع على قصر الصلاة الرباعية بمنى حتى بالنسبة لأهل مكة ومنى أتم مع عثمان، خشية أن يؤدي خلافه إلى مفسدة أعظم ويحدث ضرراً أكبر.

خامساً: الحذر من المراء والجدل

المراء والجدل لا يأتيان بخير قط، بل يقسيان القلب ويولدان الإحن والضغائن. عن ابي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم قط بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» ثم قرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58.] [وقال الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح جـ1/64: وسنده صحيح].

وقال صلى الله عليه وسلم: «من ترك الكذب ـ وهو باطل ـ بُنِيَ له في ربض الجنة» "أي منزل"، ومن ترك المراء وهو محق بُنِيَ له في وسطها، ومن حسن خلقه بُنِيَ له في أعلاها" [أبو داود رقم "4800" والترمذي رقم "1993" وقال:حسن].

قال الأوزاعي رحمه الله: "إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل ومنعهم العمل".

وقال سليمان بن داود عليهما السلام لابنه: "دع المراء، فإن نفعه قليل، وهو يهيج العداوة بين الاخوان".

سادساً: حسن الظن بأفراد جماعتك

والثقة المتبادلة بينهم، وحمل ما يصدر منهم على أحسن المحامل، ومعاملتهم بما تحب أن يعاملوك به صمام أمان للجماعة من الفرقة والاختلاف.

لقد أمرنا ربنا أن نحسن ظننا بجمع إخوة العقيدة فكيف بمن يربطنا بهم رابط ويجمعنا بهم جامع؟

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12] وقال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» [متفق عليه، مسلم رقم "2563"].

سابعاً: الحرص على جماعتك

وتقديم مصلحتها على مصلحتك الخاصة، والذب والدفع عنها، سبب رئيس لنجاحها واستمرارها.

لا شك أن ولاء المؤمن ينبغي أن يكون لله ولرسوله ولدينه وللوسائل التي تمكن لهذا الدين. فإذا جبل الإنسان على حب ما يملك ويمت إليه بصلة فمن باب أولى حبه لدعوته ولوسائل التمكين لها.

هذا الحب هو الذي يجعل المرء يضحي بكل غال ٍ ونفيس، فإذا كان الكفار والمشركون يضحون من أجل عقائدهم الباطلة، وأفكارهم المنحرفة، ويصمدون ولهذا كان عمر رضي الله عنه يشكو من جلد المنافق وضعف التقي، فكيف ينبغي أن يكون حال المؤمن؟ بل كيف ينبغي أن يكون حال العالم وطالب العلم؟

ثامناً: الحذر من طغيان الغوغائية والغثائية التي أحدثها التشبث بالديموقراطية على حقوق الإمارة المرعية

لا شك أن الشر يعم والخير يخص، من ذلك تأثر العاملين في مجال الدعوة بما أفرزته الديموقراطية من ممارسات غوغائية غثائية وطغيانها على حقوق الإمارة الشرعية في الطاعة في المعروف حيث عد الشارع الحكيم طاعة الأمير من طاعة الله عز وجل فقال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» [متفق عليه].

فطاعة الأمير في المسائل التي ليس فيها نص صحيح صريح، وكذلك في تأويل بعض النصوص من أوجب الواجبات على الجماعة،

والأدلة على ذلك من السنة وفي عهد الخلافة الراشدة أكثر من أن تحصى، من ذلك:

- ما حدث في صلح الحديبية.

- عزم أبي بكر رضي الله عنه على:

- جمع المصحف.

- إمرة أسامة بن زيد.

- قتال المرتدين ـ حيث لم يوافقه عليه أحد قط في أول الأمر.

- وكذلك عدم دخول عمر رضي الله عنه عمواس عندما نزل بها الطاعون.

- وغير ذلك كثير.

يا ترى كيف سيكون الحال لو أطاع أبو بكر رأي الأغلبية في قتال المرتدين؟!!

فليس للأمير عندنا وفي كثير من ممارساتنا أي خصوصية ولا مزية على غيره لسيطرة الغوغائية علينا في حين يمتاز الرؤساء عند الكفار الذين يتخذون الديموقراطية صنماً يعبد على قادة الجماعات والمنظمات الإسلامية حيث يفعل ما يريد فعله ولو خالف ذلك الأغلبية عندهم.

علينا أن نذكر دائماً ما قاله عمر رضي الله عنه: "لقد اعزنا الله بالإسلام فمن أراد العزة في غيره أذله الله". وما قاله مالك: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وما لم يكن في ذلك اليوم ديناً فلن يكون اليوم دينا".

والحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

بقلم

البروفيسور/ الأمين الحاج محمد

رئيس  رابطة علماء المسلمين

السبت 3 / ذي القعدة / 1437هـ

6 / أغسطس / 2016م