arrow down

دموع المآذن

بغض الشيطان للصلاة .. مشتاقٌ يحتضر

 (11) بغض الشيطان للصلاة

ولا يكاد الشيطان يبغض شيئاً كبغضه للصلاة..

ولذلك إذا رأى الشيطانُ ابنَ آدم ساجداً لله اعتزل ناحية يبكي ويقول: "يا ويله! أُمر ابنُ آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار" (رواه مسلم).

والشيطان من بغضه للصلاة أنه إذا نودي للصلاة أدبر وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: "اذكر كذا اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى" (متفق عليه).

نعم يتسلط عليه الشيطان وهو في صلاته ليفسدها عليه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان ليلطف بالرجل في صلاته، ليقطع عليه صلاته، فإذا أعياه نفخ في دبره ليخيل إليه أنه أحدث، فإذا أحس أحدكم من ذلك شيئاً فلا ينصرف حتى يجد ريحاً أو يسمع صوتاً» (رواه الطبراني، وقال الهيثمي رجاله ثقات).

وسئل صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» (رواه البخاري)، وبلغ من حقد الشيطان: "أنه إذا نام العبد يعقد على قافية رأسه ثلاث عقد، يضرب كل عقدة عليك ليل طويل فارقد" (رواه البخاري)، حتى لا يستيقظ للصلاة.

بل الأمر أعظم من ذلك، فإن الشيطان يجتهد في إغراق العبد في النوم، لتفوته الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاث مرات فإن الشيطان يبيت على خيشومه» (متفق عليه).

بل في الصحيحين، أنه ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ نام عن الفجر ليلة حتى أصبح فقال:

«ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه»، وعند البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بعذاب من يخرجون الصلاة عن وقتها، فقال فيما رواه البخاري: «إنه أتاني آتيان فابتعثاني فانطلقت معهما فأتينا على رجل مضطجع».

(12) مشتاقٌ يحتضر

ولا يزال الشيطان بالعبد يشغله عن الصلاة حتى يتركها..

وإن الجريمة الكبرى.. والداهية العظمى.. أن يترك المرء الصلاة..

فتاركو الصلاة هم أنصار الشيطان.. وأعداء الرحمن..

وخصوم المؤمنين.. وإخوان الكافرين..

الذين يحشرون مع فرعون وهامان.. ويتقلبون معهم في النيران..

وقد قال صلى الله عليه وسلم: فيما رواه مسلم:  «بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة»..

وصح عند الترمذي والحاكم عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة..

قال الشيخ ابن عثيمين: وإذا حكمنا على تارك الصلاة بالكفر.. فهذا يقتضي أنه تنطبق عليه أحكام المرتدين.. فلا يصح أن يُزوَّج.. فإن عُقد له وهو لا يصلي فالنكاح باطل.. وإذا ترك الصلاة بعد أن عُقد له فإن نكاحه ينفسخ ولا تحل له الزوجة.. وإذا ذبح لا تؤكل ذبيحته لأنها حرام.. ولا يدخل مكة.. ولو مات أحد من أقاربه فلا حق له في الميراث.. وإذا مات لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين.. ويحشر يوم القيامة مع الكفار.. ولا يدخل الجنة.. ولا يحل لأهله أن يدعوا له بالرحمة والمغفرة لأنه كافر..

وحال تاركي الصلاة عند الموت أدهى وأفظع..

ذكر ابن القيم:

أن أحد المحتضرين.. كان صاحب معاص وتفريط.. فلم يلبث أن نزل به الموت.. ففزع من حوله إليه.. وانطرحوا بين يديه.. وأخذوا يذكرونه بالله.. ويلقنونه لا إله إلا الله..

وهو يدافع عبراته.. فلما بدأت روحه تنزع.. صاح بأعلى صوته.. وقال: أقول: لا إله إلا الله!!

وما تنفعني لا إله إلا الله؟!! وما أعلم أني صليت لله صلاة!! ثمّ أخذ يشهق حتى مات..

أمّا عامر بن عبد الله بن الزبير.. فلقد كان على فراش الموت.. يعد أنفاس الحياة.. وأهله حوله يبكون..

فبينما هو يصارع الموت.. سمع المؤذن ينادي لصلاة المغرب.. ونفسه تحشرج في حلقه.. وقد أشتدّ نزعه.. وعظم كربه..

فلما سمع النداء قال لمن حوله: خذوا بيدي..!!

قالوا: إلى أين؟.. قال: إلى المسجد.. قالوا: وأنت على هذه الحال!! قال: سبحان الله..!! أسمع منادي الصلاة ولا أجيبه.. خذوا بيدي.. فحملوه بين رجلين.. فصلى ركعة مع الإمام.. ثمّ مات في سجوده.. نعم.. مات وهو ساجد..

وقال عطاء بن السائب: أتينا إلى أبي عبد الرحمن السلمي.. وهو مريض في مصلاه في المسجد.. فإذا هو قد اشتد عليه الأمر.. وقد بأت روحه تنزع.. فأشفقنا عليه.. وقلنا له: لو تحولت إلى الفراش.. فإنه أوثر وأوطأ.. فتحامل على نفسه وقال: حدثني فلان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال أحدكم في صلاة ما دام في مصلاه ينتظر الصلوة».. فأنا أريد أن أقبض على ذلك..

فمن أقام الصلاة.. وصبر على طاعة مولاه.. ختم له برضاه..

كان سعد بن معاذ رضي الله عنه.. صالحًا قانتًا.. متعبدًا مخبتًا.. عرفه الليل ببكاء الأسحار.. وعرفه النهار بالصلاة والاستغفار..

أصابه جرح في غزوة بني قريظة.. فلبث مريضًا أيامًا ثم نزل به الموت..

فلما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم .. قال لأصحابه: «انطلقوا إليه».. قال جابر: فخرج وخرجنا معه.. وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالنا.. وسقطت أرديتنا.. فعجب أصحابه من سرعته.. فقال: «إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله.. كما غسلت حنظلة..»

فانتهى إلى البيت فإذا هو قد مات.. وأصحاب له يغسلونه.. وأمه تبكيه.. فقال صلى الله عليه وسلم: «كل باكية تكذب إلا أم سعد».. ثم حملوه إلى قبره.. وخرج  صلى الله عليه وسلم  يشيعه.. فقال القوم: ما حملنا يا رسول الله ميتًا أخف علينا منه..

فقال صلى الله عليه وسلم: «ما يمنعه أن يخف وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم.. قد حملوه معكم».. والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد.. واهتز له العرش.

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا . خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} [الكهف:107-108]..

بقلم

د. محمد بن عبدالرحمن العريفي

عضو رابطة علماء المسلمين

الأحد 4 / ذي القعدة / 1437هـ

7 / أغسطس / 2016م