arrow down

لا شرعية بلا شريعة

ترتفع في السنوات الأخيرة في بلادنا وفي غيرها من البلدان الإسلامية أصوات الكثير من الإسلاميين بقولهم  : العودة للشرعية ..

ويعنون بها أنظمة حكم تم الانقلاب عليها من أطراف معادية كحوثية اليمن مع عسكر صالح الفاسد وكعسكر السيسي في مصر ..

والعودة للشرعية  عندهم لا يلزم منها عودة الحكم بما أنزل الله عز وجل ، ولا نكاد نسمع نكيرا من أطراف مؤثرة في واقع الإسلاميين ؛ ولذلك أحببنا أن نذكر أنفسنا وإخواننا أنه : لا شرعية بغير شريعة الله عز وجل .

وهذا ان صدر من السياسيين او من باب المصالح والمفاسد - من غير الرموز - فيمكن تجاهله ؛ اما ان صدر من اهل العلم او رموز الدعوة فهناك محذور في الباس الحق بالباطل قال تعالى : ولا تلبسوا الحق بالباطل ، واتكتمو  الحق وأنتم تعلمون وقد كان الخطاب الشرعي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم  واضحا كل الوضوح - وهو في زمن الاستضعاف - والموقف من الجاهلية واضح وصريح ، فهو يخاطبهم بقوله : قل ياايها الكافرون ؛ ولم يقل - مثلا - : قل ياايها الآخرون ، أو يا  غير المسلمين .. ومن شواهد ذلك من السنة ان النبي صلى الله عليه وسلم  حين خاطب هرقل قال له : عظيم الروم ، رواه البخاري ، قال الحافظ : ولم يقل ملك الروم ؛ لان الملك ولاية شرعية .. ومن شواهد الصحابة : خطاب جعفر بن ابي طالب للنجاشي فانه كان خطابا شرعيا مجملا ، ولما أراد النجاشي من جعفر ان يصرح بموقفه من ألوهية المسيح أبان له العقيدة الحقة ومع ان هذا الجواب كان كفيلا بان ينهي الوجود الاسلامي في الحبشة لولا ان الله ادخل الإيمان في قلب النجاشي .. فالبون شاسع بين الوضوح في الخطاب الدعوي الاول ، وبين الخطاب الملبس لدى الدعاة اليوم ...

إن إدراك النصر والتمكين لن يكون إلا بالثبات على الدين خاصة في أوقات الفتن والمحن ؛ قال الله عز وجل مخاطبا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم :" وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا  إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا " سورة الإسراء/73 ـ 75 .

فالآيات تدل على مدى ثقل ضغط الجاهلية على  الداعية الى درجة أن الرسول وهو الرسول كاد ان يستجيب لهم بعض ما أرادوا لولا عصمة الله له ، وتدل على ان الجاهلية إنما تريد من الداعية الموافقة في بعض الامر الذي فيه هواها وسيتركون له الصلاة والصوم والحج واشياء كثيرة مما لا يتعارض مع مصلحتها ، وحين اذ سيتخذونه خَلِيلا ويعطونه المناصب والاموال .. كما تدل على ان النبي احتاج الى التثبيت .. فغيره من الدعاة - ممن ليس لهم العصمة النبوية-  اولى

يقول العلامة ابن الوزير اليماني :

... وليحذر كل الحذر من زخرفتهم للعبارات في ذلك وترغيبهم بأنواع المرغبات في تلك المسالك وليعتبر في ذلك بقوله تعالى لرسوله المعصوم :" وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا  إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا " ويالها من موعظة موقظة " لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " كما قال سبحانه وتعالى ، ولتعرف أهل الزيغ بذلك وأهل الحق بخلافه فإنهم كما وصفهم ربهم عز وجل في قوله :" وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ " سورة سبأ/6. ولا ينبغي أن يستوحش الظافر بالحق من كثرة المخالفين له كما لا يستوحش الزاهد من كثرة الراغبين ولا المتقي من كثرة العاصين ولا الذاكر من كثر الغافلين ؛ بل ينبغي منه أن يستعظم المنة باختصاصه بذلك مع كثرة الجاهلين له الغافلين عنه وليوطن نفسه على ذلك فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إن هذا الدين بدا غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء " رواه مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة ..اهـ من إيثار الحق على الخلق (ص29) .

ويقول أبو بكر بن قاسم الرحبي :

.. وأحذرك أن لا تركن إلى شيء أحدثه المحدثون من آرائهم ، و قبائح عقولهم , والنظر في كتبهم , فإنه يلبس عليك الحق , وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" يأتي على أمتي زمان يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً " (رواه مسلم 118) ، فالحذر الحذر فإن إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام قال:" رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ " سورة إبراهيم/36. ، وذلك إنما عنى عن الأصنام الذين لا يتكلمون ، ولا يسمعون ولا يبصرون ؛ فما ظنك بهؤلاء الذين يجادلون عن الباطل ؟.اهـ من اعتقاد أهل السنة (ص52) .

فكل محاولة لاسترضاء العلمانيين وأسيادهم أو البحث عن نقاط توافق معهم - ولو كانت لفظية - فهي سراب لا خير فيه ؛ يقول الله عز وجل :" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا  وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا  وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا " سورة الأحزاب 1 : 3. ولا تظنوا أنهم يرضون عنكم بمجرد الألفاظ الموافقة أو التنازلات المحدودة ؛ فهؤلاء العلمانيون ما هم إلا منفذين لتعليمات أسيادهم من اليهود والنصارى , وبرضاهم يرضون وبسخطهم يسخطون .. ؟!!

وفقنا الله الكريم وإخواننا جميعا لنيل مرضاته في كافة أقوالنا وأعمالنا .   

بقلم

د. عبدالله بن فيصل الأهدل

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس 8 / ذو القعدة / 1437هـ

11 / أغسطس / 2016م