arrow down

 

لعبة السعي لإسقاط العلماء وآثارها

لما عارضت قريشٌ دعوةَ النبي صلى الله عليه وسلم ورفضوا قبولها استخدموا في حربها أساليب عديدة وطرق متنوعة للقضاء عليها وتشويه سمعتها لدى المدعوين ومن أساليبهم في ذلك تشويه سمعة صاحب الرسالة وحامل لواء الدعوة وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت الحملات المتتابعة لسبّه ووصفه بأنواع الألقاب المنفّرة فوصفوه بأنه كاهن وبأنه ساحر واتهموه بالجنون تارة وبالكذب تارة أخرى ، وبأنه يفرق بين المرء وزوجه والأخ وأخيه ..وهكذا

فيا ترى لماذا وجهوا السهام لصاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم ..الأمر واضح جداً ..فكيف يقبل الناس دعوة مجنون ؟!! أو دعوة ساحر أو كاهن ؟!!

إذن هم يتوصلون بهذا الأسلوب إلى القضاء على الدعوة ..وهكذا سار الأحفاد والأذناب على هذا المنوال وهو السعي لإسقاط العلماء ؛ لأن العلماء هم ورثة الأنبياء فهم الذين يبينون الحلال و الحرام ، وهم الذين يوضّحون للناس الحق من الباطل ، وهم الذين ينافحون أهل الأهواء ويردون عليهم ، وهم الذين يوجهون الناس إلى الخير والهدى ..فإذا تم إسقاطهم والاستهانة بهم فإلى من يرجع الناس في بيان الحلال والحرام ؟!! وإلى من يرجع الناس في الفتوى والاستشارة ؟!! ومن الذين يكون لساناً عن حقوقهم ومطالبهم ؟!!

يجب أن يعي الناس إن إسقاط العلماء يشكل خطورة عليهم من جوانب عديدة منها على سبيل المثال :

أولاً : الوقوع في الخطأ والخلل والبعد عن الحق والحقيقة؛ لأنه إذا سقط العالم من عينك فمن تسأل ؟!! هل تسأل أهل الجهل والهواء فيضلوك عن سبيل الله تعالى ويلبسوا عليك أمور دينك ؟!!وبسبب هذا ـ أي الهجمة على العلماء ـ  أصبحنا نسمع بين الفينة والفينة من يقول ويردد : من نسأل ، ومن نستفتي في ديننا ؟!! فلان فيه كذا !! والعالم الفلاني فيه كذا !!

وهذا الذي يريده أهل النفاق ..أن يصل بالناس الحيرة والضياع فلا تقوم لهم قائمة ، فلا يبالي الناس أمن حرام أكلوا أم من حلال ، وإذا وصل الأمر إلى هذا الحد فانتظر عقوبة الله تعالى على الأمة لأن المعاصي -كما هو معلوم ومقرر-  تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة, فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب ..و الذنوب تُضعف في القلب تعظيمَ الرب جل جلاله، وتُضعف وقارَه في قلب العبد -ولا بد- شاء أم أبى، ومن بعض عقوبة هذا أن الله يرفع مهابته من قلوب الخلق, ويهون عليهم ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به .

ثانياً : تمرير مخططات الأعداء التغريبية في البلاد؛ لأن الذي يقاوم هؤلاء هم العلماء الراسخون في العلم ، وهم الذين أخذوا على عواتقهم كشف هذه الجرثومة الخطيرة على أديان الناس وأخلاقهم ، فإذا أصبح العالم لا قيمة له في المجتمع ولا يسمع لأقواله وتحذيراته سار المجتمع إلى طريق خطير ونفق مظلم .

ذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق(7/127) : ( عن إسماعيل بن إبراهيم قال أخذ هارون الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق لم تضرب عنقي يا أمير المؤمنين ؟  قال أريح العباد منك ،  قال : فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها ما فيها حرف نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم !! قال  : فأين أنت ياعدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا )

ثالثاً : عدم وصول مطالب الناس إلى المسؤولين؛ لأن العلماء هم الصوت الذي يوصل مطالبهم وحقوقهم لدى أهل الحل والعقد؛ فإذا سقط هذا الصوت ضاعت حقوق الناس وحوائجهم التي كان العلماء يسيرون فيها لدى الولاة والحكام .

يقول ابن القيم رحمه الله:  ( كان شيخ الإسلام يسعى سعيًا شديدًا لقضاء حوائج الناس )

وذكر في ترجمة عمار بن متوج بن جرير الحارثي الشافعي مفتي الشام المعروف بابن قاضي الزبداني أنه كان معظما ويقصد لقضاء حوائج الناس عند القضاة وغيرهم  ) [1]

وذكروا عن الفقيه عيسى الهكاري ضياء الدين  فقالوا: كأن الله قد أقامه لقضاء حوائج الناس والتفريج عن المكروبين مع الورع والعفة والدين - رحمه الله - [2]

ومن تتبع سير العلماء وجد من ذلك شيئا كثيرا جدا ً ،ولا يزال أهل العلم على هذا المنوال وقد شاهدت من ذلك شيئا كثيرا من علماءنا الكرام في سعيهم لدى المسؤولين لقضاء حوائج الناس الخاصة والعامة .

رابعاً :  من عادى العلماء فقد آذن الله بالحرب : روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال الله -عز وجل في الحديث القدسي-: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ".

 روى الخطيب البغدادي عن أبي حنيفة والشافعي -رحمهما الله- أنهما قالا: "إن لم يكن الفقهاء أولياء الله، فليس لله ولي". قال الشافعي: "الفقهاء العاملون": أي أن المراد: هم العلماء العاملون. وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: " من آذى فقيها فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله عز وجل ".

خامساً : تلبيس الأعداء من كفار ومنافقين على الأمة في غياب العلماء عن الساحة وسقوطهم في أعين الناس والولاة ، ذكر الخطيب   في تاريخه (5/380)   أن الملك الملقب بعضد الدولة كان قد بعث القاضي أبا بكر بن الباقلاني في رسالة إلى ملك الروم فلما ورد مدينته عرف الملك خبره وبين له محله من العلم وموضعه فأفكر الملك في أمره وعلم أنه لا يكفر له إذا دخل عليه كما جرى رسم الرعية أن تقبل الأرض بين يدي الملوك ثم نتجت له الفكرة أن يضع سريره الذي يجلس عليه وراء باب لطيف لا يمكن أحدا أن يدخل منه إلا راكعا ليدخل القاضي منه على تلك الحال فيكون عوضا من تكفيره بين يديه فلما وضع سريره في ذلك الموضع أمر بإدخال القاضي من الباب فسار حتى وصل إلى المكان فلما رآه تفكر فيه ثم فطن بالقصة فأدار ظهره وحنا رأسه راكعا ودخل من الباب وهو يمشي إلى خلفه قد استقبل الملك بدبره حتى صار بين يديه ثم رفع رأسه ونصب ظهره وأدار وجهه حينئذ إلى الملك فعجب من فطنته ووقعت له الهيبة في نفسه )

وهكذا نجح هذا العالم أمام هذه الحيلة الماكرة وأعطى صورة حسنة عن المسلمين.. فلله دره من رجل صمد في وجه هذا الطاغية وحيله الماكرة

ولذا وجب على الأمراء وطلاب العلم والعامة الوقوف أمام من يحاول إسقاط العلماء والتنقّص منهم باللمز والهمز والعيب وأقول كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: " من آذى فقيها فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله عز وجل ".

إن جرح العالم ليس جرحًا شخصيًّا كجرح العامي، ولكنه طعن يصل إلى ما يحمله من العلم، ولذلك كان الطعن في العلماء بابًا من أبواب الزندقة.قال الإمام أحمد رحمه الله: "إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام، فإنه كان شديدًا على المبتدعة". وقال يحيى بن معين: "إذا رأيت الرجل يتكلم في حماد بن سلمة وعكرمة مولى ابن عباس فاتهمه على الإسلام". وقال سفيان بن وكيع: "أحمد عندنا محنة، به يعرف المسلم من الزنديق".

نسأل الله تعالى أن يبارك في علمائنا وأن ينسأ في آجالهم ويوفقهم لكل خير وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

----------------------------------------------------------------------------

([1]) انظر : شذرات الذهب (6/344)

([2]) انظر : النجوم الزاهرة (6/110)

بقلم

د. محمد بن عبدالله الهبدان

عضو رابطة علماء المسلمين

الأحد 12 / ذو القعدة / 1437هـ

14 / أغسطس / 2016م