arrow down

استنطاق القرآن في التغيير

بسم الله الرحمن الرحيم

كان دور النبي صلى الله عليه وسلم عندما يريد دعوة أحد إلى الإسلام؛ فكان أول ما يبدأ به هو قراءة القرآن عليه، وما هي إلا لحظات حتى تدب الهداية في قلبه، ثم يشرع في الدخول في الإسلام، وهكذا ينبغي أن تفتح القلوب.

وهناك نفر من الجن عندما استمعوا لآيات من القرآن أدركوا قيمتها العظيمة، وفهموا المقصد من نزولها، فسارعوا إلى قومهم ليخبروهم بما علموا، فماذا قالوا لهم:

قال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} [الأحقاف:29].

وقد علم أن التغيير يبدأ من النفس، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11].

وكان الصحابة يهتمون كثيراً بالقرآن قائداً وموجهاً ومصنعاً للتشكيل والتغيير، وفي دراسة معاصرة تسمى "نحو فضاء جديد للدعوة" رأت تلك الدراسة أن (92%) يرون ضرورة دراسة القرآن والتعامل الحي معه، وربطه بواقع الحياة واستنطاقه في المعضلات؛ فلذلك أحببت أن يكون لي مشاركة في إبراز أهمية الموضوع وإظهار كيفية استنطاق القرآن في تغيير واقعنا المعاصر، وذلك عبر المحاور التالية:

1- لماذا أنزل الله القرآن.

2- حاجتنا إلى القرآن.

3- كيفية الهداية بالقرآن.

4- كيف نعود إلى القرآن.

5- كيف يستنطق القرآن في التغيير.

لماذا أنزل الله القرآن:

1) لهداية الناس:

قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185].

2) للهداية للصراط المستقيم:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [النساء:174-175].

3) بيان الحق وإخراج الناس من الظلمات إلى النور:

قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ} [إبراهيم:1].

وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:89].

4) في الرد على الشبهات ودواء لأمراض القلوب:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس:57].

5) لأخذ العبرة والعظة والتذكر به في أحوال الناس:

قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ص:29].

6) للثبات على الدين حين فشو الفتن:

قال تعالى: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود:120].

وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان:32].

حاجتنا إلى القرآن:

باعتبار الأمة، عصمة للأمة من الضلال، روى أحمد من حديث زيد بن أرقم: «أما بعد: ألا أيها الناس! إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ظل، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، وأهل بيتي؛ أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي».

وروى الحاكم من حديث حذيفة: أن الرسول قال: «يا حذيفة عليك بكتاب الله فتعلمه واتبع ما فيه قالها ثلاثاً وقلت: نعم».

جمع لكلمة الأمة:

قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، قال ابن مسعود: "حبل الله هو القرآن".

مسارعة في الأمة إلى الخيرات:

جاء في الحديث: «نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل».

قال الشعبي في قوله تعالى: {نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران:187]، أما إنه كان بين أيديهم، ولكن نبذوا العمل به".

حاجتنا إلى القرآن باعتبار الفرد:

تحقيق الربانية:

الربانية: القرب من الله وحسن الصلة به.

- قال تعالى: {وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79]

- قال خباب لجار له: "يا هناه تقرب إلى الله ما استطعت، وأعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه".

- تحقيق السعادة: وهي سكون النفس وطمأنينتها وهدوء الخواطر لديها، فلا تفكير في ماضٍ يبعث على الحزن ولا تطلع لمستقبل يزيد الهم.

- قال تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى} [طه:123].

- قال ابن عباس: "فضمن الله لمن ابتع القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة".

جاء في حديث ابن مسعود: «ما أصاب عبداً هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، أسألك بكل اسم هو لك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحاً».

قال ابن القيم: "ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته سأل أن يكون ذهابها بالقرآن، فإنه أحرى ألا تعود".

زيادة الإيمان:

قال تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2].

- تذكر حقائق الإيمان وجوانب الهداية.

- تحصيل العلم النافع.

- قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل:89].

- قال ابن مسعود: "فمن أراد العلم فليتفكر في القرآن".

- مجاهد قال: "استفرغ علمي القرآن".

- القرطبي: "فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع الذي استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض؛ رأيت أن أشتغل به مدى عمري".

- ابن تيمية في سجنه قال: "قد فتح الله عليًّ في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء كان الكثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي غير معاني القرآن".

عصمة من الفتن:

- رأى حذيفة كثرة من الناس، فقال لأحد التابعين -وهو عامر بن مطر-: كيف أنت إذا أخذ الناس طريقاً واحداً وأخذ القرآن طريقاً، مع أيهما تكون؟ قلت: أكون مع القرآن، وأموت معه، وأحيا معه. قال: فأنت إذاً أنت.. فأنت إذاً أنت".

روى الطبراني من حديث جبير: «أبشروا؛ فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبداً».

- شفاعة لصاحبه، كما في حديث أبي أمامة: «اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه».

- وفي حديث عائشة: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يتعتع فيه له أجران».

- أبي هريرة: "الآية من القرآن خير من الخلفة السمينة".

كيفية الهداية بالقرآن:

التعرف على الله سبحانه وواجبنا نحوه:

سأل موسى ربه: «يا رب! أيُّ عبادك أخشى لك، قال: أعلمهم بي».

التعرف على الرسول والرسالة:

قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [القرقان:1].

وقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44].

وأما الرسالة:

قال تعالى: {إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} [الإسراء:9].

التعريف بالإنسان:

النفس: وهي مجموعة الشهوات والرغبات

قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف:53].

وقال تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ} [النساء:128]، قابلة للفجور والطاعة.

قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس:7-8].

القلب: وهو محل للتدبر وضبط النفس

قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ} [الحديد:16].

التعريف بالشيطان:

من العداوة، والتذكير بماضيه، والتذكير بما يريد في المستقبل، وأنه يكيد لبني آدم.

قصة الوجود ويوم الحساب.

معرفة السنن والقوانين الحاكمة للكون والحياة:

- قوانين مادية.

- تبدل الليل والنهار.

- أطوار الجنين.

- الفصول الأربعة.

- قوانين اجتماعية:

- تبدل النعم.

- قوانين النصر.

- نزول البلاء.

- عقوبة الظلم.

- قوانين التيسير.

التعرف على الكون المحيط.

حقوق العباد بعضهم على بعض.

فقه الدعوة إلى الله.

العبرة بقصص السابقين.

كيف نعود للقرآن:

الدعاء والتضرع إلى الله:

ابن تيمية: "من تدبر القرآن طالباً الهدى منه تبين له طريق الحق".

القرطبي: "فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه الله كما يحب وجعل له في قلبه نور".

القرآن والأولويات: يجعل في سلّم أولوياتنا:

- تكثر قراءته.

- تكثر مجالسه.

- قراءة تفسيره.

- قراءة مع التركيز بعيداً عن الضوضاء.

سلامة المنطق:

- ابن حجر: "أي: تبين حروفها والتأني في أدائها ليكون أدعى إلى فهم معانيها".

- سعد بن أبي وقاص: "إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا.

جوانب عملية:

- المداومة على التلاوة اليومية.

- تهيئة الجو المناسب.

- التركيز مع القرآن.

- أن نجعل المعنى هو المقصود.

- التجاوب مع القرآن بالتسبيح عند آية تسبيح أو استغفار عند آية المغفرة.

- ترديد الآية التي تؤثر في النفس.

- استصحاب معنى من المعاني الإيمانية.

- سماعه من آخرين.

كيف يستنطق القرآن في التغيير:

القرآن بعد العودة العلمية إليه وجعله شغلنا الشاغل ومحل اهتمامنا له طريق عظيم في التغيير:

فله تغيير الأفكار والتصورات عن مفردات الحياة، وإرساء قواعد التصور الإسلامي في عقله الباطن، لينبني بذلك اليقين الصحيح، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} [الحاقة:51]، وبتغيير الأفكار والتصورات تتغير الاهتمامات تبعاً لذلك ليصبح هم الفرد وأحلامه وتطلعاته فيما يرضي الله عز وجل.

نتيجة لتغيير الاهتمامات تتغير طريقة تعامل الشخص مع كل من حوله، فتصغر الدنيا في عينه، فلا تراه ينافس عليها ويتعامل مع الآخرين من منطلق إيماني يسعى فيه لرضا الله عز وجل.

ومن صور التغيير القرآني: أنه يشعر صاحبه بقيمته في الكون، وأنه قائد له، فينطق فيه فاتحاً مستكشفاً لإسراره، منتفعاً بقوانين تسخيره له، والقرآن أيضاً يضبط الفهم ويكون الشخصية المعتدلة المتوازنة التي تعطي كل ذي حق حقه وتعرف كيف ترتب الأولويات.

ومن صور التغيير أنه يوقد شعلة الإيمان في القلب ويوطده فيه، ويطرد منه الهوى، وكلما ازداد الإيمان ازداد الدافع لفعل الصالحات، ويستمر القرآن في زيادة الإيمان حتى يحرر القلب من الهوى، ويصله بالله سبحانه وبالعبودية له.

القرآن يولّد الطاقة ويقوي العزيمة في قلب صاحبه، مما يجعله يريد دائماً تصريف هذه الطاقة بالقيام بأعمال البر، ويكون خير إنسان: عابد، وزوج، وداعية، وأب، وجار، يُعرف صاحبه بالله سبحانه وتعالى، وما يستحق من التعظيم والإجلال وصدق التوجه إليه، وربط الأحداث اليومية به سبحانه وتعالى.

القرآن يعرف بحجم النفس وقيمتها وخطورتها، فتصغر في أعيننا، وتتحطم أصنامنا داخلنا، ليجد العمل الصالح بعد ذلك طريقه إلى الله عز وجل يزينه الصدق والإخلاص.

المراجع:

1- تحزيب القرآن، وهدي السلف في ذلك لمحمد بن عبد الله الدويش، البيان عدد: 41.

2- نحو فضاء جديد للدعوة مذكرة معدة من 60 عالماً من العالم الإسلامي، إعداد موقع الإسلام اليوم.

3- بناء الإيمان من خلال القرآن، د. مجدي الهلالي.

4- الإيمان أولاً كيف نبدأ به؟ د. مجدي الهلالي.

5- كيف نغير ما بأنفسنا، د. مجدي الهلالي. 

بقلم

د. مراد بن أحمد القدسي

عضو رابطة علماء المسلمين

الأربعاء 14 / ذو القعدة / 1437هـ

17 / أغسطس / 2016م