arrow down

ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون..

استحر القتل الممنهج غيلة في إخواننا العلماء والدعاة في عدن وما حولها .. وبات واضحا أن هناك مخططا غربيا تقوده أمريكا وبأدوات معروفة .. لإخلاء اليمن عموما وعدن خصوصا من المصلحين محاربة للإسلام وأهله ونقول للأمريكان  وعملاءهم ( الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ، والذين كفروا الى جهنم يحشرون ) ونقول لهم ( إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون الناس بالقسط فبشرهم بعذاب اليم أولئك اللذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ومالهم من ناصرين .).

ونقول للدعاة والمصلحين لا عليكم فان العاقبة لكم ، ويريد الله أن يتخذ منكم شهداء ويريد الله أن يمحصكم ، وحتى يعرف المؤمنون أعداءهم الحقيقيين ..

ومن قبل قتل بنو إسرائيل أنبياءهم وقتلوا يحيى وزكريا وحاولوا قتل عيسى .. وألقي إبراهيم في النار، ثم هاجر فرارا إلى الله وحاول أعداء. الإسلام قتل نبينا صلى الله عليه وسلم  ؛ ثم ما لقيه المصلحون عبر التاريخ من اضطهاد وأذى وتقتيل وتشريد .. فصبروا

وليعلم أن النصر له صور متعددة ؛ فهو لا يقتصر على نصر التمكين في الأرض تارة بهلاك الكافرين والمكذبين ونجاة رسله وعباده المؤمنين ، وتارة يكون بتثبيت المؤمنين على إيمانهم حتى يلقوا الله عز وجل ، وتارة يكون بأن يحمي الله عز وجل عباده المؤمنين من كيد الكافرين ..

بل النصر يكون – أحيانا - بمجرد ظهور وبيان الحجة كما قال تعالى :" وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ "  والرفع نوع انتصار ، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك . رواه مسلم (1920) من حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعا وهو مروي عن جماعة من الصحابة مرفوعا بألفاظ متعددة في الصحيحين وغيرهما .

وبوب البخاري في صحيحه باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ يُقَاتِلُونَ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ .اهـ وقال النووي : وأما هذه الطائفة ؛ فقال البخاري : هم أهل العلم . وقال أحمد بن حنبل : إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم . قال القاضي عياض : إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث . قلت : ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون ، ومنهم فقهاء ، ومنهم محدثون ، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير .اهـ شرح مسلم (13/66- 67).

وخلاصة الأمر أن النصر لا ينحصر في النصر العسكري والتمكين المادي - كما قد يتبادر إلى أذهان كثير من الناس -؛ بل كل من حقق الإيمان الصحيح والتزم ما أمر به في كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  فهو منصور وإن كانت صورته عند أهل الدنيا صورة المهزوم ؛ يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى :

وَمَنْ اتَّبَعَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ كَانَ مَهْدِيًّا مَنْصُورًا بِنُصْرَةِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى :{ إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }. وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ  إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ  وإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون }.اهـ مجموع الفتاوى (35/374).

ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى :

وكذلك النصر والتأييد الكامل إنما هو لأهل الإيمان الكامل قال تعالى إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وقال : فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ، فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد ..اهـ إغاثة اللهفان (2/182).

ومصداق ذلك – أيضا – في قوله تعالى :" وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " سورة النحل/41، 42. وقوله تعالى :" مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " سورة النحل/97.

قال ابن كثير : والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت.اهـ تفسير القرآن العظيم (4/601).

ونقول تثبيتا ونصرة لإخواننا في عدن وعامة اليمن ما قاله الله عز وجل معزيا المؤمنين عقب غزوة أحد :" وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " سورة آل عمران/139-140.

يقول الشيخ السعدي في تفسيره :

يقول تعالى مشجعا لعباده المؤمنين ، ومقويا لعزائمهم ومنهضا لهممهم : " ولا تهنوا ولا تحزنوا " أي : ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم ، ولا تحزنوا في قلوبكم ، عندما أصابتكم المصيبة ، وابتليتم بهذه البلوى ، فإن الحزن في القلوب ، والوهن على الأبدان ، زيادة مصيبة عليكم ، وعون لعدوكم عليكم ، بل شجعوا قلوبكم وصبروها ، وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم ، وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن ، وهم الأعلون في الإيمان ، ورجاء نصر الله وثوابه ، فالمؤمن المتيقن ما وعده الله من الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغي منه ذلك ، ولهذا قال تعالى :" وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ".اهـ تيسير الكريم الرحمن (ص129).

والقتل في سبيل الله عز وجل فوز لا شك فيه ؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : لَمَّا طُعِنَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ - وَكَانَ خَالَهُ - يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ - قَالَ بِالدَّمِ هَكَذَا فَنَضَحَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ : فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ . رواه البخاري (4092) ومسلم (677).

رحم الله إخواننا وجعلهم من الفائزين ..

بقلم

د. عبدالله بن فيصل الأهدل

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس 15 / ذو القعدة / 1437هـ

18 / أغسطس / 2016م