arrow down

ماذا بعد الحج ؟

أقبل الطفل الصغير ذو السنتين بثياب نظيفة ورائحة زكية تعبت والدته بإعداده للقاء والده الذي يحب أن يكون ولده الصغير على هيئة حسنه فلما دخل الوالد منزله وفرح بولده لطخ الطفل يده بالطعام .. فذهبت أمه لتنظيفه ، ثم عادت فعاد مرة ثانية وثالثة ورابعة وهكذا تستمر هذه الصورة المتكررة في حياتنا .

هذه الصورة التقريبية هي نفسها صورة ذلك الرجل الذي عاد من الحج وقد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ثم يعود بعد ذلك ليلطخ نفسه بالذنوب والمعاصي كذاك الطفل الصغير الذي نظفته أمه فعاد ليلطخ يده أو ثوبه ؟!!

أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))[1].

تصور هذا الأمر العظيم.. رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ..أي أن صفحته بيضاء..لا ذنوب ولا خطايا..حتى إن بعض أهل العلم يقول حتى كبائر الذنوب تغفر بالحج !!

فقلي بربك ..ألم تتضايق من ذلك الطفل الذي لطخ يده بالطعام وتغضب عليه ؟!!

فيا من حججت بيت الله الحرام..لم لا تغضب على نفسك وأنت ربما قد عدت إلى ما كنت عليه من المعاصي والذنوب ..ربما كنت تتأخر عن صلاة الفجر ..وربما كنت تتهاون بالنظر إلى القنوات ..وربما كنت ممن يتكلم بكلام لا يرضي الله تعالى ..وربما وربما ..

أخي الكريم : تصور نفسك وأنت قد  خرجت من صعيد عرفات وقد قال الله ..انصرفوا مغفورا لكم ..يا ملائكتي أشهدكم أني قد غفرت لهم ..أيليق بعد هذا القول أن تعود إلى ما كنت عليه من الذنوب والمعاصي ..الله جل وعلا يغفر الذنوب ويستر لك العيوب ..وتقول لا يا رب سأعود إلى ما كنت عليه ؟!!

أيليق بمن فاز بمكرمة الإلهية وجائزة ربانية أن يردها ؟!!

لو تسامع الناس أن فلان ابن فلان قد أعطي جائزة من ملوك الأرض لغبطه الناس على ذلك وحسدوه..أليس كذلك؟!!

وأنت بإذن الله تعالى فزت بأعظم من جوائز ملوك الأرض فزت بالقرب من الله والبعد عن ناره وجحيمه وأغلاله وترفض هذه الجائزة ؟

إنها دعوة صادقة لأن يكون الحج بداية للعودة إلى الله تعالى..دعوة لأن تكون مدرسة الحج قد أثرت فيك وأصبحت رجلاً آخر.. نعم إنها دعوة لأن تتبع الحسنة بالحسنة مثلها فهذا دليل على قبول حجك .

ولذا أوجز لك برنامجا عمليا يعينك بإذن الله تعالى على تربية نفسك فأقول وبالله التوفيق :

أولاً : عليك بالتدرج في فعل الطاعة ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم ((إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا))[2] ه.

 ويمكنك ذلك من خلال وضع مشاريع فعلى سبيل المثال :

* المشروع الأول : قيام الليل لمدة شهر

فتصلي بعد العشاء ثلاث ركعات بعد السنة الراتبة ، فإذا نجحت يمكن أن تزيد على هذا ولكن لا تنقص .

* المشروع الثاني : قراءة شيء من القرآن لمدة شهرين :

فتقرأ صفحتين يومياً في هذا الفترة فإذا نجحت تزيد ولكن لا تنقص .

وهكذا في الصيام وقراءة كتب العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وغيرها من المشاريع التي تزيد من إيمانك .

ثانياً : المداومة على العمل ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ))[3].

وتقول عائشة رضي الله عنها : ((كان عمله ديمة )) [4].

وتقول رضي الله عنها : ((كان أحب العمل إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  الذي يدوم عليه صاحبه ))[5] .

فإذا عملت عملا صالحا فداوم عليه فقليل دائم خير من كثير منقطع .

ثالثاً : عليك بالصحبة الصالحة التي تعينك على الخير وتدلك عليه فهم خير معين بعد الله تعالى للاستقامة على دين الله تعالى .

رابعاً : قاطع وأتلف كل ما يبعدك عن الله ولا تتأخر: من أسباب العافية أن تبتعد كل البعد عن كل ما يبعدك عن الله تعالى والدار الآخرة من قنوات أو مجلات أو جلسات أو استراحات أو غيرها، فقاطع تلك الجلسات والاستراحات التي تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وأتلف كل ما يغضب الله تعالى واصنع به كما صنع موسى عليه السلام بالعجل، يقول الله تعالى : ((وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً)) (طـه: 97) .

فموسى قام بإحراق العجل الذي عبدته بنو إسرائيل ثم نسفه في اليم حتى لا يعودوا إليه مرة أخرى ، فإذا كان عندك من أدوات اللهو والطرب فافعل كما فعل موسى بالعجل ولا يخدعنك الشيطان فإنه لك عدو مبين .

خامساً : عليك بالدعاء خاصة في أوقات الإجابة وأكثر من قول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك كما كان يقوله صلى الله عليه وسلم ، فقد روى الترمذي في سننه ( 2140) عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . فقلت يا رسول الله : آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا ؟ قال : (( نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء  )) .

وأخيرا.. استعن بالله تعالى ولا تعجز و بادر بعمل الصالحات وفعل الطاعات لعل الله تعالى أن يوفقك لحسن الخاتمة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

--------------------------------------------------------------------

[1] رواه البخاري (1449) ومسلم ( 1350) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

[2] رواه البخاري (39) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] رواه البخاري ( 6099) ومسلم ( 782) من حديث عائشة رضي الله عنها .

[4] رواه البخاري(6101) .

[5] رواه البخاري ( 6096) .

بقلم

د. محمد بن عبدالله الهبدان

عضو رابطة علماء المسلمين

السبت 15 / ذو الحجة / 1437هـ

 

17 / سبتمبر / 2016م