arrow down

 

هل نحمل حقيقة الإسلام

هناك فرق شاسع بين الحقيقة والصورة ، خذ صورة أسد أو أي حيوان أكثر منه مهابة فهل ترهب صورته أحداً من الناس !! حتى الطفل الصغير يستطيع أن يمزق صورة الأسد ..

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نحمل حقيقة الإسلام فعلا ؟

إن صورة الشيء لا تستطيع أن تسد مكان حقيقته ولا تنوب عنه ، ولا أن تمثل دوره في الحياة ..ولا أن تقوم بأي عمل أو نشاط .. ولو اعتمد إنسان على الصورة دون الحقيقة ..فإنه سيخذل في وقت هو بأمس الحاجة إلى المساندة والمناصرة .

إننا نحتاج إلى تطبيق حقيقة الإسلام في واقعنا ...لنظفر بالعزة والتمكين في الدنيا ..والنعيم المقيم في الآخرة .

سرح طرفك في تاريخ الإسلام وتجول في فصوله وأوراقه يظهر لك البون الشاسع والفرق الواسع بين الصورة والحقيقة ..أما قرأتم في تاريخ أمتنا المجيد ..أن خبيباً رضي الله عنه رفعوه على خشبة وتناولوه بالرماح والأسنة حتى تمزق جسده وهو قائم لا يشكو ، واقف لا يئن ، فقالوا له: " أتحب أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم مكانك؟!

فيضطرب ويقول: " لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه، "

إن الذي ثبت خبيباً رضي الله عنه في هذا المكان وألهمه أن ينطق بمثل هذه الكلمات الرائعة في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم هل هي صورة الإسلام؟! كلا  بل هي حقيقة الإسلام التي مَثلت بين عينيه الجنة والرماح تعبث بجسده الطاهر  وناجته وقالت: صبرا يا خبيب فما هي إلا لحظات والجنة تنتظرك ، ورحمة الله ترتقبك ، فإذا احتملت آلام هذا الجسد الفاني والحياة الزائلة نلت السعادة الدائمة والحياة الباقية.

هذه هي اللذة الروحية وحقيقة الحب والإيمان التي أبت على خبيب أن يطلق ويؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشوكة في قدمه فهل تستطيع الصورة أن تحمل صاحبها على هذا الإخلاص والتفاني والثبات على العقيدة والصبر على الموت ..كلا ..إن الصورة لا تستطيع أن تقاوم الشدائد والآلام بل حتى الخيالات والأوهام .

ولما أراد صهيب رضي الله عنه الهجرة إلى المدينة  اعترضته جماعة من كفار قريش وقالوا له: أتيتنا صعلوكاً حقيراً فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟! والله لا يكون ذلك..

وهنا قامت المعركة ..بين حقيقة الإسلام وحقيقة المال ..فأيهما ينتصر في قلب  صهيب الخير ؟ هل ينتصر المال فيبيع دينه من أجله ؟ هل ينتصر الدينار والدرهم فيتنازل عن عقيدته ويتهاون في حدود ربه ؟ كلا ..لقد انتصرت حقيقة الإسلام على ضدها ..وقال لهم صهيب: " أرأيتم إن جعلت لكم مالي.. أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم .. قال: فإني قد جعلت لكم مالي " المال الذي جمعه سنين عديدة ..المال الذي تعب في كسبه وتحصيله ..يتخلى عنه بكل سهولة ويسر ..لماذا ؟ لأنه طبق الإسلام وذاق لذته

وهكذا انطلق صهيب بدينه متجردا من ماله ..فرحا مسرورا ..كأنه لم يفقد شيئا ولم يخسر شيئا.

أنا مسلم وأقولها مِلء الورى *** وعقيدتي نور الحياة وسؤددي

سلمان فيها مثل عمرو لا ترى *** جنسًا على جنس يفوق بمحددي

وبلال بالإيمان يشمخ عزة *** ويدق تيجان العنيد الملحد

وخبيب أخمد في القنا أنفاسه *** لكن صوت الحق ليس بمُخْمدِ

ورمي صهيب بكل مال للعدا *** ولغير ربح عقيدة لم يقصد

إن العقيدة في قلوب رجالها *** من ذرة أقوى وألف مهند

وأبو سلمة رضي الله عنه ..لما أراد الهجرة إلى المدينة ..وكان معه أهله وولده ،  قالوا له : هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتك هذه ، علام نتركك تسير بها في البلاد ؟ وانتزعوها منه ، وغضب عند ذلك رهط أبي سلمة فقالوا : لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا ، فتجاذبوا الطفل بينهم حتى خلعوا يده وذهبوا به ، فيا ترى هل يستطيع أن يثبت أبو سلمة على قرار الهجرة بدون الأهل والولد ؟!! أم يتراجع ويتخاذل .. تقول الرواية ..انطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة ..نعم لقد انتصرت حقيقة الإسلام ..في قلب أبي سلمة على حقيقة حب الزوجة والولد .وتركهما تحت رعاية الله تعالى ..وهاجر وحيدا فهل يستطيع أن يفعل ذلك من يملك صورة الإسلام دون حقيقته ؟!! فيترك الزوجة والأولاد في سبيل العقيدة والدين؟! كلا! بل سمعنا أن أناسا قد ارتدوا عن دينهم للمال والأزواج والأولاد وغير ذلك من متاع الدنيا وزخارفها.

بالدين يسمو المرءُ للعلياء ** وينالُ ما يرجو من النعماءِ

الدينُ نورٌ والضلالةُ ظلمةٌ ** شتان بين النور والظلماءِ

و لما جاء أحدهم يخوف خالد بن الوليد رضي الله عنه من الروم - وقد أقبلت كالسحابة السوداء، تسد الأفق، تموج بهم الأرض، كما يموج البحر، صوتهم كالرعد - كما يصفهم ابن كثير - رحمه الله - على لسان من حضر المعركة - والمسلمون قلة -: جاء يقول لخالد: ما أكثرَ الرومَ وأقل المسلمين! فقال خالد: ويلك! أتخوفني بالروم؟ إنما تكثر الجنود بالنصر ( أي من الله )، وتقل بالخذلان، لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر – يعني فرسه - براء من توجيه، وأنهم أُضعِفوا في العدد .

فيا ترى ..بم كان خالد رضي الله عنه مطمئنا ؟!! ولماذا  لم يشغل خاطره هذا العدد الهائل ؟!! ولما لم تكبر في عينه جنود الروم الكثيفة؟!

الأمر لا يحتاج إلى جواب ..فالإيمان قد تغلغل في سويداء قلبه رضي الله ..والثقة الفائقة بنصر الله تمكنت من روحه ...ولأنه يعلم علماً يقيناً أنه على الحق والحقيقة ..وأن الروم صورة فارغة عن الحقيقة ..وكان يعتقد أن الصورة مهما كبرت  لا تقدر أن تقاوم حقيقة الإسلام.

تهون الحياةُ وكلٌ يهون ** ولكن إسلامنا لا يهون

نضحي له بالعزيز الكريم ** ومن أجله نستحب المنون

إن أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم والمسلمين الصادقين كانوا على حقيقة هذا الدين ..فإذا قالوا لا اله إلا الله اعتقدوا أنه لا إله غيره ولا رب غيره ولا رازق غيره ولا نافع ولا ضار إلا هو ..له الملك والخلق والأمر وبيده ملكوت كل شيء يجير ولا يجار عليه وأخلصوا له الحب والخوف والسؤال والرجاء والعبادة والدعاء وأصبحوا عباداً حنفاء ..شجعاناً أقوياء .. لا يهابون العدو ولا يخافون الموت ولا يبالون بلومة لائم.

ولا يعني هذا أن الخير مفقود من هذه الأمة ..كلا ..أو أن الأمر عام في كل الأرجاء ..شامل لكل الأنحاء ..بل ولله الحمد والمنة .. الخير باق إلى قيام الساعة ..كما في حديث ثوبان رضي الله عنه أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس )) رواه مسلم ..إنما حديثنا اليوم عن  أفراد من الأمة ..أخلوا ببعض أحكام الإسلام ..ونسعى جاهدين للارتقاء بهم إلى الدخول في السلم كافة .

إن ما نشاهده اليوم  من خوف النظام العالمي واستنفار أجهزته وأذنابه لحرب الإسلام .. ما هو إلا دليل على بقاء الخير في الأمة ..يقول صلى الله عليه وسلم ( نصرت بالرعب مسيرة شهر ) متفق عليه، وقد نشرت وكالات الأنباء خبراً مفاده أن سعودياً منع من دخول كندا بسبب حمله للمصحف الشريف !!

فيا لله ..إذا كان الأعداء في زماننا يخافون منا على ضعف في تطبيق بعضنا للإسلام ..فكيف لو تغير الحال ..وأصبح هذا البعض الذي يتهاون في شعائر الإسلام جاداً في تنفيذها ..مبادراً إلى تطبيقها ..مستجيباً لأمر الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة:208)  فماذا سيكون الحال ؟!!

وإن سر قوتنا ..ومصدر عزتنا ..في تطبيق ديننا ..والعودة إلى شريعة ربنا ..ومنهاج نبينا صلى الله عليه وسلم ..يقول صلى الله عليه وسلم : (( إذا تبا يعتم بالعينةِ، وأخذتم أذنابَ البقرِ، ورضيتم بالزرعِ، وتركتم الجهادَ، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعهُ حتى ترجعوا إلى دينكم ))  رواه أبو داود.

نعم ..هذا هو الحل ..هذا هو العلاج ..نطق به المصطفى صلى الله عليه وسلم ( حتى ترجعوا إلى دينكم ) فنرجع للمحافظة على صلاتنا ..وبر الآباء والأمهات وصلة أرحامنا ..وتربية أولادنا ..نحافظ على سلامة كسبنا وجميع جوارحنا من الحرام ..عندها يتغير الحال :( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الرعد:11) فتنتقل الأمة من غبرائها لتصل إلى عليائها .

 روت لنا كتب التاريخ أنه في أعقاب معركة اليرموك الشهيرة ،وقف ملك الروم يسائل فلول جيشه المهزوم ، والمرارة تعتصر في قلبه ، والغيظ يملأ صدره ، والكآبة بادية على محياه ( ويلكم أخبروني عن هؤلاء الذين يقاتلونكم ، أليسوا بشراً مثلكم ؟ ! قالوا : بلى أيها الملك ، قال : فأنتم أكثر أم هم ؟! قالوا:نحن أكثر منهم في كل موطن، قال : فما بالكم إذا تنهزمون ؟!

فأجابه شيخ من عظمائهم : ( إنهم يهزموننا لأنهم يقومون الليل ويصومون النهار،ويوفون بالعهد،ويتناصفون بينهم)

تلك هي صفات المسلمين ..تلك هي الحقيقة ..ولذلك نصرهم الله ولاحت أمام أعينهم أقواس النصر الباهرة .. فقم لنصرة دينك وأصلح ذاتك فصلاح الذات قبل صلاح الذوات، ومن قاد نفسه قاد العالم ..وأخيرا :

هذي هي الأمراض قد فتكت بنا ... في عصرنا ودواؤها الإسلام

اللهم أصلحنا ..وأصلح بنا ..وأصلح لنا ..

بقلم

د. محمد بن عبدالله الهبدان

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس 20 / ذو الحجة / 1437هـ

22  / سبتمبر / 2016م