arrow down

النصائح الغالية في التحذير من أسباب الخلاف الواهية

"الخلاف شر"، هذه الكلمة المضيئة، والحكمة البليغة، والمقولة الطيبة، التي ينبغي أن تكتب بماء الذهب، وأن تحفظ وتلقن ويعيها العلماء قبل العامة، والقادة قبل الأتباع، والدعاة قبل المدعوين، لحاجتهم إليها، عليهم أن يعضوا عليها بالنواجذ، وينقشوها في البواطن، ويحرصوا على تعليمها للأكابر والأصاغر، والأقارب والأباعد، والأصدقاء والأعداء.

هذه الكلمة الطيبة صدرت من عالم فقيه، وإمام نبيه، من عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد معلمي ومفقهي الكوفة في زمانه، وذلك عندما أتم الصلاة الرباعية بمنى مع الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، وقيل له في ذلك: كيف تتم وقد صليتَها ركعتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما؟ علل إتمامه بأن "الخلاف شر"، إي وربي الخلاف شر مستطير، وداء خطير، وعيب كبير.

أتم عثمان رضي الله عنه الصلاة الرباعية بمنى متأولاً لذلك، واعتُذِرَ عنه بأن الموسم يحضره عدد من حديثي العهد بالإسلام من الأعراب، فخشي أن ينطبع في أذهانهم أن الصلاة مثنى مثنى، لعدم معرفتهم بالرخص الشرعية، وقيل فعل ذلك لأنه تزوج بمكة.

وأياً كان سبب إتمام عثمان رضي الله عنه للصلاة الرباعية بمنى، فهو إمام مجتهد مأجور، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول المعصوم.

وشاهدنا إتمام ابن مسعود معه وهو إمام من أئمة الصحابة المقتدى بهم، وشيخ من شيوخهم، مع يقينه التام أن الحاج يقصر الرباعية، ويجمع بعرفة ومزدلفة ولو كان من أهل مكة أومنى، دفعاً لشر الشرين بأخفهما.

هذه الكلمة ما من إمام ولا داعية إلا وهو يحفظها، ويرددها، ويستشهد بها، ويستعملها للإصلاح بين المتخاصمين، ولكن البعض هدانا الله وإياهم سبل السلام عندما يتعلق الأمر بهم يحيدون عنها، ومن قبل عن العديد من الآيات، والأحاديث، والآثار، والحِكَم التي تحذر من الاختلاف، وتنهى عن التدابر والتباغض، وتأمر بالائتلاف والاجتماع والتسامح، ونسي هؤلاء أوتناسوا أنهم يرتكبون بذلك إثماً عظيماً، ويقترفون ذنباً كبيراً، ويعيبون عيباً مشيناً، لأنهم يأمرون الناس بما لا يأتونه، وينهونهم عما هم يقترفونه، وقد توعد الله هذا الصنف، ونهى عن هذا السلوك: "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" [البقرة: 44]، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ " [الصف: 2 _ 3]، وقال عز وجل على لسان شعيب عليه السلام: "وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ" [هود: 88].

نوعا الاختلاف

الاختلاف نوعان كبيران، وقسمان خطيران:

أحدهما: خلاف سائغ جائز شرعاً.

وثانيهما: خلاف ممنوع محرم شرعاً.

ولكل من النوعين شعب شتى، وفروع مختلفة.

ومن أمثلة الخلاف السائغ الجائز ما يلي:

1.    اختلاف التنوع، نحو صيغ الأذان، وأوجه الإحرام، وصيغ التشهد، وما شاكل ذلك.

2.    اختلاف في بعض الأمور التي تكافأت فيها الأدلة، نحو تكفير تارك الصلاة كسلاً وعدم تكفيره، وقراءة المأموم للفاتحة في الصلاة الجهرية، وقراءة البسملة في الفاتحة في الصلاة، ونحوها.

3.    اختلاف في الأمور التي لم يرد فيها نص.

4.    اختلاف في وسائل العمل.

لا شك أن الاختلاف السائغ منه ما هو راجح، ومنه ما هو مرجوح، فمن أصاب الحق فيه إن كان من أهل الاجتهاد فله أجران، ومن أخطأ الحق فله أجر.

أما الاختلاف الممنوع المحرم شرعاً فمن أنواعه ما يأتي:

1.    اختلاف التضاد.

2.    اختلاف سببه اقتراف البدع الكفرية.

الذي يعنينا في بحثنا هذا النوع الأول، وهو الاختلاف السائغ الجائز الذي لا يوجب عداء ولا هجراً، دعك من أن يوجب تضليلاً أوتكفيراً، وكل ما نتج من ذلك من نفرة وهجر، وعداء، وتضليل، ونحوه سببه البغي والحسد، أوحمل بعض الأمور على غير محملها الشرعي.

أسباب التنافر والانقسام في صفوف العاملين في مجال الدعوة من أهل السنة

إذا أردنا علاج أي أمر من الأمور لابد من تشخيص الداء تشخيصاً صحيحاً دقيقاً، ثم بعد ذلك نقدم الحلول التي تناسب هذه الأدواء.

لا أشك قط أن جل الأسباب التي أدت إلى التفرق والتشرذم في أوساط العاملين في مجال الدعوة في صفوف أهل السنة والجماعة في هذا العصر غير موضوعية، وهي لا تدعو بحال من الأحوال إلى التنافر والتباغض، فكيف بالتضليل والتكفير؟ لأن جلها ناتج عن خلاف جائز مستساغ، وقد اختلف في ذلك وفي أكبر منه سلفنا الصالح، بل وتقاتلوا، ولكن مع كل ذلك لم تحدث بينهم النفرة، والفرقة، والتباغض، والتحاسد، والكيد، كما هو حادث الآن في خلفهم، وكان ينبغي على الخلف الصالح أن يسلك مسلك سلفه الفالح، وأن يسعهم ما وسع أولئك، حتى لا يشملهم قول من قال: "من لم يسعه ما وسع السلف الصالح فلا وسَّع الله عليه".

ويمكننا بالاستقراء والمعايشة والتجربة أن نورد الأسباب الرئيسة التي أدت ولا تزال تؤدي إلى الفرقة، ونخرت ولا تزال تنخر في صف الأخيار، كي تستبين سبيل المؤمنين، وتتضح طريق المتقين، التي يرفعها البعض ويبرر بها سبب نفرته واختلافه مع الآخرين، لنعلم أنها ليست من الأسباب التي توجب العداء، وتسبب الفرقة، وتحدث التشرذم والتحزب الممقوت الذي حذرنا منه ديننا وخوفنا منه ربنا ورسولنا، ونهانا عنه سلفنا: "إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ" [الأنعام: 159]، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة.

 أسباب التفرق، والتحزب، والهجر كثيرة جداً، منها ما هو منطوق منظور، ومنها ما هو مضمر مجهول، منها ما يرجع إلى قصور في الفهم، أوخطأ في التأويل، أو عجز في التعبير، ومنها ما يرجع إلى أمراض قلبية، وعقد نفسية، وأغراض شخصية، وأهواء مطوية، وهذا النوع الثاني لا قبل لأحد بعلاجه، ولا سبيل للخلاص منه إلا التضرع والدعاء وسؤال رب الأرض والسماء، مالك القلوب ومصرفها أنى شاء، فنسأله سبحانه أن يطهر قلوبنا وقلوب جميع إخواننا العاملين وغيرهم من الحسد والبغضاء، وعن الأغراض والأهواء، إنه ولي ذلك والقادر عليه، فنقول مستمدين منه العون والسداد:

أولاً: التقصير في الجانب العقدي والاشتغال بالجانب السياسي

ثانياً: وصم البعض بأنهم تكفيريون، أوسَرُورِيُّون (!!)

ثالثاً: الاختلاف في وسائل العمل

رابعاً: الانفصال والخروج عن جماعة من الجماعات

خامساً: سوء الظن وانعدام الثقة

سادساً: عدم التثبت في المنقول

سابعاً: الدخول في العمل العام

ثامناً: الاختلاف في الحكم على بعض النوازل

تاسعاً: الإعلان بالنصيحة

عاشراً: ضعف التزكية وقلة الورع

بقلم

البروفيسور/ الأمين الحاج محمد

رئيس رابطة علماء المسلمين

الثلاثاء 26 / ذو الحجة / 1437هـ

 

27  / سبتمبر / 2016م