arrow down

عيد الأم

 

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وشرفنا بالانتماء إلى ملة خير الأنام، وأبدلنا بأعياد الكفار والجاهلين الأقدمين منهم والمحدثين بعيد أسبوعي هو الجمعة، وعيدين عظيمين هما عيد الفطر وعيد الفداء فهذه هي أعيادنا نحن المسلمين في الدنيا والآخرة لا نبتغي غيرها عيداً.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذان اليومان؟" فقالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال: "إن الله قد أبدلكم خيراً منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر") [أبو داود رقم: 1134].

قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: (لم يقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلاّ تركهم يلعبون فيهما على العادة.، بل قال: "إن الله أبدلكم بهما يومين آخرين" والإبدال يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا يجمع بين البدل والمبدل. ولذلك مات ذلك اليومان في الإسلام، فلم يبق لهما أثر.

إلى أن قال: والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها فإن الأمة قد حُذِرُوا مشابهة اليهود والنصارى) [المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية. اختصره البعلي الحنبلي المتوفى 778 هـ ص82 ـ 83].

من الأمور التي عمت بها البلوى في هذا العصر التعيس البائس، وكثرت من الأخيار منها الشكوى تشبه المسلمين الفارغين الجاهلين بالكافرين في أي شيء سيما في أعيادهم الجاهلية وأيامهم الوثنية على الرغم من تحذير ونهي الرسول الأمة عن ذلك مصداقاً لما تنبأ به: "لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعاً بذراع، وشبراً بشبر، وباعاً بباع، حتى لو أن أحداً من أولئك دخل جُحْر ضب لدخلتموه" قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: "كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً" [سورة التوبة: 69]. قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب؟ قال: "فمن الناس إلا هم؟" [قال محقق المنهج القويم ص32 هامش (3) أخرجه بهذا اللفظ ابن جرير في التفسير 6/412، وأصله في الصحيح].

وفي رواية تقشعر منها الجلود وتشمئز منها النفوس الأبية: "حتى لو أتى أحد منهم أمه لأتى أحدكم أمه" أو كما قال.

وفي رواية: ("لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟") [متفق عليه، البخاري رقم: [7319] ومسلم: [2669]].

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتاً وهدياً، تتبعون عملهم حذو القُـذَّة ـ ريشة الطائر كالنسر بعد تسويتها وإعداداها لتركب في السهم (المعجم الوسيط) ـ بالقُـذَّة، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا) [ ابن شيبة في المصنف جـ7/479 بسند صحيح].

وقال ابن عباس: (ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنوا إسرائيل شبهنا بهم) [ابن جرير جـ6/413].

الأعياد من الأمور العقدية، والشعائر التعبدية، والمسائل السيادية، ولهذا ما من عيد من أعياد الكفار والجاهليين إلا وله سبب ومبدأ وثني، ولهذا نهانا الشارع الحكيم عن التشبه بهم وتقليد هم ومشاركتهم في أعيادهم وفي غيرها فقال محذراً من ذلك: "ومن تشبه بقوم فهو منهم" [صحيح]. فليبشر المتشبه بهم بمعيتهم في الدنيا والآخرة.

أيتها الأم المسلمة الرؤوم لقد أكرمك الله أيما إكرام، وأعزك وشرفك حيث قرن الإحسان إليك مع صنوك الأب بعبادته جل وعلا فقال: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا" [سورة الإسراء: 23].

وزاد في برك وإحسانك على الأب حيث قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن: "الجنة تحت أقدام الأمهات" [الجامع الصغير للسيوطي رقم [3642] ورمز له بالحسن. والقضاعي في الشهاب] وجعلك أحق الخلق بحسن صحبة أبنائك، بل زادك على الأب ثلاثة أضعاف البر والإحسان.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمُّك"، قال: ثم من؟ قال: "أمُّك"، قال: ثم من؟ قال: "أمُّك". قال: ثم من؟ قال: "أبوك") [متفق عليه، مسلم رقم: [2548]].

بل جعلك الشارع الحكيم أوسط أبواب الجنة فقال: "الوالد أوسط ـ خيرها ـ أبواب الجنة فأضِع ذلك الباب أو احفظه [ابن ماجة: 3663].

بل لم يقبل الله شكر أحد من الخلق لم يكن شاكراً لوالديه. قال ابن عباس: ثلاثة مقرونة بثلاثة، ذكر منها: قال تعالى: "أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ" [سورة لقمان: 14] فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لم يقبل الله شكره.

أيتها الأم هل تريدين عيداً واحتفاء أكثر من ذلك؟

فأيامك كلها عيد، لماذا تريدين أن تتشبهي بتلك الأم الكافرة التعيسة الشقية التي رماها أبناؤها في ملجأ من الملاجئ أبرهم بها يتصل بها هاتفياً في هذا العيد المشؤوم.

الحذر الحذر أيتها الأم المسلمة الرؤوم، أن تطالبي أحداً من أبنائك أن يحتفل بك في هذا العيد المذموم شرعاً، الملعون تقرباً إلى الله عز وجل، أو تطالبي أحداً منهم بهدية فيه، بل يجب عليك أن تكوني محسنة لهم ولا تقبلي من أحد منهم هدية في هذا اليوم لأنك ستحاسبين عليها ويحاسبون عليها حساباً عسيراً.

وأنتم أيها الأبناء والبنات إياكم أن تحتفلوا بأمهاتكم في هذا اليوم، ولا أن تقدموا لهنّ هدية، ومن كان بعيداً فعليه أن لا يتصل بها في هذا اليوم لأن في ذلك تشبهاً وتقليداً لهؤلاء الكفار وعقوق بها.

أما أنت أيها المسلم الملتزم بشرع نبيك، المتأسي به فمرحى لك وهنيئاً لك، أن عافاك الله مما ابتلى به غيرك، فعليك أن تحمد الله على هذه النعمة، وتحرص عليها وتدعو لها، وعلى هذا اللطف من ربك الكريم الرحيم فبالشكر تدوم النعم وتزول النقم.

وانت أيها المسلم احذر أن تشارك في هذه الأعياد الجاهلية والمناسبات الوثنية، ولا تخرج إلى الحدائق العامة لتكثر سواد الجاهليين أهل البدع، واحرص أن لا تمكن أحداً من أهلك، حريمك ومن يليك من المشاركة في ذلك، فهذا من الجرائم العظام وينتج من خروجك ومشاركتك فساد كبير عليك وعلى من يليك فإنك مسؤول عنهم.

واستصحب قول ربك الكريم المنان: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [سورة التحريم: 6].

 

وأنتِ أيتها السافرة، المتبرجة، الخَرَّاجة، الوَلَّاجة في الحدائق والأسواق أبشري بما توعدك به رسولك: "صنفان من اهل النار لم أرهما ... ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن كأسنمة البخت، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" [مسلم رقم: 2128] ومن أصدق من الله ورسوله حديثاً؟

أما أنتم يا ولاة الأمر من المسؤولين فاتقوا الله في أنفسكم، وفي دينكم، وفي رعاياكم، واعلموا أنكم مسؤولون عنهم فالناس على دين ملوكهم، فقد هيأتم للشباب والشابات أسباب الفساد بالاختلاط في الجامعات وغيرها وبترك الحبل على الغارب لوسائل الإعلام المتفلت أن تقدم ما تريد، وبالحدائق والشواطئ التي أصبحت مرتعاً للفاسدين، وحلتم بين هذه الأماكن وبين الدعاة والمصلحين والمحتسبين المتطوعين فالله حسيبكم، واحذروا يوماً تعرضون فيه على الله، وتذكروا ليلة فجرها يوم القيامة، والموت آت وكل آت قريب.

اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد؟!

اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، قال ابن عباس رضي الله عنه: (كل من عصى الله فهو جاهل). وأصلحهم، واهدنا وإياهم سبل السلام، وصلى الله وسلم على خاتم الرسل العظام، وعلى آله وصحبه الكرام، وعلى من تبعهم بإحسان إلى أن تكتمل العدتان: عدة أهل الجنة، وأهل النار.

كتبه

البروفيسور / الأمين الحاج محمد

رئيس رابطة علماء المسلمين

الأحد 11 / جمادى الآخر / 1437هـ

للاشتراك في قناة رابطة علماء المسلمين على التليجرام :

 

https://telegram.me/rabetaa