arrow down

السنن الإلهية وأثرها في تغيير حال الأمة ( 2 )

ثانياً: سنة التدافع أو سنة الصراع بين الحق والباطل:

السنة الأولى خلاصتها أن التغيير إذا أرادت أمة من الأمم أن يتغير حالها إلى أحسن فلا بد أولاً أن تغير نفسها ثم تسعى إلى تغيير ما حولها، وهذا أمر لا بد منه؛ لأن التغيير لا يأتي بسنة خارقة إنما يأتي ذلك بجهد بشري بعد توفيق الله تعالى.

وسنة التدافع من السنن المتعلقة بالتمكين تعلقاً وطيداً وهو الذي يشير إليه قول الله تعالى: {..وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ} [البقرة:251] حيث جرت مشيئة الله تعالى وإرادته أن يحفظ دينه بهذا التدافع، قال الشهيد سيد قطب رحمه الله: "إن الله علم أن الشر متبجح ولا يمكن أن يكون منصفاً ولا يمكن أن يدع الخير ينمو مهما يسلك هذا الخير من طرق سليمة، موادعة هذا الشر يتمثل في إمبراطورية الكفر في هذا الزمان أمريكا انظروا كيف تتبجح وكيف تتغطرس وكيف تستذل حتى لعملائها ولا يمكن أن ترضى بشيء إلا بالكفر الذي تريده؛ لأن هذه طبيعة الشر طبيعة الشر أنه لا يترك للخير مجالاً، فإن مجرد نمو الخير يحمل الخطورة على الشر ومجرد وجود الحق يحمل خطر على الباطل، ولا بد أن يجنح الشر إلى العدوان إذا وجد الخير ينمو، ولا بد أن يدافع الباطل عن نفسه بمحاولة قتل الحق وخنقه بالقوة، فمن هنا يقع التدافع بين الحق وأهله والباطل وحزبه، وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

الخير ليس عدوانياً بمعنى أن رسالة الإسلام رسالة هادئة جاءت لهداية البشرية لم تأت لتقتل الناس وللتعدي على الآخرين، ولكن هي رسالة الإسلام يريد أن يدخل الناس جميعاً في هذا الدين ترد الناس إلى طريق الحق إلى طريق الجنة فحينئذ الشر لا يتركها وهذا الذي كان، لو قرأنا سير الأنبياء وقصص الأنبياء وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في مبدأ أمره وفي منتهاه أيضاً إلا مدافعاً هل كان الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمصلحون من بعده يبدؤون الناس بالشر والقتال أبداً لم يكن ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم بدأ يدعو الناس إلى الله تعالى، فشعر أهل الباطل بالخطر فاعتدوا عليه وحاولوا قتله وآذوه وحاصروه و..و... إلى آخره.

ثم بعد ذلك أخرجوه من داره وأخرجوا المؤمنين قبله من ديارهم، فالمقصود أن طبيعة الشر هي طبيعة عدوانية أما الخير فطبيعته هي الهداية ودلالة الناس على طريق الحق وعلى طريق الجنة.

وقد يقول قائل: هل يعني كلامك هذا إلغاء الجهاد الهجومي؟

والجواب: لا؛ وذلك أن الجهاد الهجومي "الطلب" ليس المقصود منه الاعتداء على الآخرين بل المقصود منه فك الحصار الذي يضربه الباطل على دخول الحق إلى الناس، ولذلك الإسلام يدل على ذلك أنه إذا فتح المسلمون بلدة من البلدان لا يجبرون الناس على الدخول في الإسلام أبداً، بل من شاء فليؤمن ومن شاء بقي على دينه ودفع الجزية في مقابل أن يحميه المسلمون من كل اعتداء.

إذاً فليس المقصود هو تغيير عقائد الناس بالقوة وإدخال الناس في الإسلام بالقوة فالله تعالى قال: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..} [البقرة:256] بل يدخل باختياره بل يعيش في ذمة المسلمين وتحت سلطانهم، لكن أن يكون ذا سلطة يمنع بسلطته الناس من الدخول في الإسلام فحينئذ الإسلام لا يقر بمثل هذا؛ لأن هذا اعتداء على حق البشرية في اختيار ما تريده من الدين، من هنا يقع التدافع بين الحق والباطل، وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولو شاء الله لقهر الناس على الهدى ولكن شاءت حكمة الله أن يجعلهم مختارين قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود:118-119]. أي للاختلاف في خلقهم.

ولكن الله تعالى كرم الإنسان فلم يجعله يقهر على غير إرادة منه بل جعله كأي فعال قادر على اختيار أحد الطريقين إما الهدى وإما الضلال؛ ليكون إما في حزب الحق وإما في حزب الباطل ومن هنا يقع التدافع، ودفع الله الناس بعضهم ببعض يشمل ما هو أعم من القتال، بعضهم يتصور أنه القتال فقط، والقتال آخر ما يتوصل به من الدفع إن لم ينجح غيره من قبيل آخر الدواء الكلي والحياة لا تخلو لحظة من لحظاتها من وجود الصراع بين البشر.

وقد أوجد الله تعالى هذا الصراع أو التدافع في حياة البشر وجعله سنة من سنن الله التي تجري بها الحياة البشرية لغاية معينة ترد تقرير هذه السنة الإلهية في القرآن الكريم بصفة عامة، ولكن جاء التنصيص عليها في آيتين كريمتين الأولى قوله تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ} [البقرة:251]، والآية الأخرى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40].

يقول العلامة ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير الآية الأولى: "ولولا أن الله يدفع ببعض الناس وهم أهل الطاعة له والإيمان به بعضاً وهم أهل المعصية له والشرك به لفسدت الأرض، بمعنى لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم ففسدت بذلك الأرض، ولكن الله تعالى ذو فضل على خلقه وطولا عليهم بدفعه بالبر من خلقه الفاجر وبالمطيع عن العاصي منهم".

وعن ابن عباس: "ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين لغلب المشركون وقتلوا المؤمنين وضربوا البلاد والمساجد".

قال أبو حيان في البحر المحيط: "ولولا هذا التدافع لفسدت الأرض؛ لأن الكفر كان يطبقها ويتمادى في جميع أقطارها، ولكن الله تعالى لا يخلي زماناً من قائم للحق يدعو إلى الله تعالى جعل ذلك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إن بعض الناس يتصور أنه ما دام الإسلام دين الله تعالى فإنه تعالى ناصر دينه وليس عليهم أن يهتموا لهذا الأمر أو يضحوا من أجله وهذا ضلال".

ومن الضروري للأمة الإسلامية اليوم أن تعي سنة الله تعالى في دفع الناس بعضهم ببعض؛ لتدرك أن سنة الله في تدمير الباطل أن يقوم في الأرض حق يتمثل ذلك الحق في الأمة ثم يقذف الله تعالى بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق لا بد أن يكون هذا، لا يمكن أن يهزم الباطل بسنة خارقة؛ لأنه سنة الله في هذا الكون المطردة في قديم الزمان وحاضره ومستقبله: هو أن الصراع بين الحق والباطل كائن لا محالة. ولتدرك أن الله تعالى لو شاء لنصر رسله كلهم بكلمة منه في لحظة خاطفة وبدون أسباب أو بجهد بشري وبدون تدافع بين أهل الحق وأهل الباطل، ولكن سنة مضت على جميع الرسل ومضت على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أمته وستظل ماضية أبد الدهر، فلا يقعد أهل الحق كسالى يرتقبون أن تجري سنة الله تعالى بلا عمل منهم ولا كد، فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق ولا يكونون أهله وهم كسالى قاعدون، الحق يحتاج إلى عزائم تنهض به وسواعد تمضي به وقلوب تحنو عليه وأعصاب ترتبط به، إنه يحتاج إلى الطاقة البشرية الطاقة القادرة القوية والطاقة الواعية العاملة، إنه يحتاج إلى جهد بشري؛ لأن هذه سنة الله في الحياة الدنيا سنة ماضية فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً.

إذن فسنة التدافع وسنة الصراع بين الحق والباطل سنة كونية قدرية قائمة في كل زمان ومكان والسبب في ذلك هو عدوانية الشر، إن الشر من طبيعته العدوان والاعتداء، انظروا إلى زماننا مع أن الأمة الإسلامية على ما هي فيه من الضعف والهوان والتفرق والتمزق و... و.... إلى آخر، ومع ذلك نجد الأمم تتكالب عليها أمم الكفر وهذا يدل على أن الشر في طبيعته عدوانياً.

بقلم

د. عبدالله بن محمد الحاشدي

عضو رابطة علماء المسلمين

الثلاثاء 17 / محرم / 1438هـ

18 / أكتوبر / 2016م