arrow down

السنن الإلهية وأثرها في تغيير حال الأمة ( 3 )

ثالثاً: سنة التدرج:

التدرج سنة ربانية من سنن الله تعالى في خلقه, وكونها من السنن المهمة والتي يجب على الأمة مراعاتها, وهي تعمل للتمكين لهذا الدين العظيم.

وقالوا: تدرج فلاناً, أي: صعد درجة درجة, واستدرجته أخذته قليلاً, ودرج الصبي, أي أخذ في الحركة قليلاً قليلاً أول ما يمشي.

ومراعاة سنة التدرج في التمكين لهذا الدين, يعني: أن تتدرج الأمة في الأصعب, ومن الهدف القريب إلى الهدف البعيد, ومن الخطة الجزئية إلى الخطة الكلية, وهكذا لا يكون هناك تهور يريد تحقيق كل شيء في لحظة واحدة, فهذا مخالف لسنة الله الكونية, ومخالفة صريحة لسنة الله في خلقه وفي كونه, ومنطلق هذه السنة: أن الطريق طويل لا سيما في هذا العصر الذي تنمرت فيه الجاهلية, وأخذت أهبتها واستعدادها, كما أن الشر والفساد صار ضارب الجذور في أعماق الأمة؛ فلو قطعت الطريق في نفس مع ثقل الحمل وضخامة التبعة لكان الانقطاع, فيكون كمثل المنبت لا أرض قطع ولا ظهراً أبقى, وبالتالي القعود أو على الأقل الفتور والتواني الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى رد فعل أشد وأعنف, ومنطلق هذه السنة أيضاً كذلك: هدي الإسلام في دعوة الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور, وتأسيس دولته الإسلامية .. دولة النبي صلى الله عليه وسلم, ولقد بدأت الدعوة متدرجة تسير بالناس سيراً متدرجاً حيث بدأت في مرحلة الاصطفاء والتأسيس.

النبي صلى الله عليه وسلم كان يصطفي أناساً ويدعوهم ويجلس معهم في دار الأرقم وهكذا, ثم جاءت مرحلة المواجهة والمقاومة, ثم جاءت مرحلة النصر والتمكين. يعني بدأ بمرحلة الاختفاء والسرية, ثم مرحلة الجهر بالدعوة, ثم بعد ذلك مرحلة الجهاد والقتال, ثم في النهاية كانت مرحلة التمكين, وما كان يمكن أن تبدأ هذه جميعاً في وقت واحد لو بدأ النبي صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه وهم ما بين عبد وحر. يعني: اثنين ثلاثة أربعة عشرة. لو بدأ في مواجهة الجاهلية بالعنف وبالقتال وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك؛ لأن هذا يصادم سنة الله الكونية, فضلاً عن أنه يصادم سنة الله الشرعية, وما كان يفعل هذه في وقت واحد, ولو فعله لكانت المشقة والعجز, وما كان يمكن ذلك أن يقدم واحدة منها على الأخرى وإلا كان الخلل والارتباك.

واعتبار هذه السنة في غاية الأهمية, ذلك أن بعض العاملين في حقل الدعوة الإسلامية يحسبون أن التمكين يمكن أن يتحقق بين عشية وضحاها, ويريدون أن يغيروا الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية في طرفة عين دون نظر في العواقب, ودون فهم للظروف والملابسات المحيطة بهذا الواقع, ودون إعداد جيد للمقومات أو الأسباب والوسائل.

قد نبه الله تعالى إلى هذه السنة في أكثر من موضع؛ فالله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام يعلمها تعالى, ويعلم مقدراها, وكان جل شأنه قادر على خلقها في أقل من لمح البصر, ولكنها سنة التدرج في هذا الكون, وكذلك أطوار خلق الإنسان والحيوان والنبات كلها تدرج في مراحل حتى تبلغ كمالها ونضجها وفق سنة الله الحكيمة.

وسنة التدرج واقعة أيضاً في التشريع الإسلامي, فكما أنها واقعة في الخلق فهي واقعة أيضاً في التشريع .. سنة التدرج واقعة أيضاً في التشريع الإسلامي واضحة ملموسة, وهذا من تيسير الإسلام أنه راعى معهم سنة التدرج فيما يشرعه لهم إيجاباً وتحريماً؛ وذلك لأن سنة الله الشرعية لا بد أن تتوافق مع سنته الكونية وتراعيها, ولذلك كان التشريع أيضاً على سبيل التدريج فتجده حين فرض الفرائض فرضها على مراحل ودرجات حتى انتهت إلى الصورة الأخيرة التي استقرت عليها.

قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين ركعتين, ثم زيد في صلاة الحضر وقصرت صلاة السفر" [متفق عليه].

والصيام فرض أولاً على التخيير من شاء صام ومن شاء أفطر حتى فرض صيام رمضان بعد ذلك, وكان قبل ذلك مرحلة فرض يوم عاشورا.

والزكاة فرضت أولاً بمكة مطلقة غير محددة ولا مقيدة بنصاب ومقادير, بل تركت لضمائر المؤمنين وحاجات المحتاجين, حتى فرضت في المدينة بأنصبة ومقادير معينة.

والمحرمات كذلك لم يأت تحريمها دفعة واحدة؛ فقد علم الله تعالى مدى تأثيرها على النفوس وتغلغلها في الحياة الفردية والاجتماعية, فليس من الحكمة فطام الناس عن تلك المحرمات بأمر مباشر يصدر لهم دون مقدمات, إنما الحكمة إعدادهم نفسياً وذهنياً لتقبلها, وأخذهم بقانون التدرج في تحريمها حتى إذا جاءها الأمر الحاسم كانوا سراعاً إلى تنفيذها, قائلين: سمعنا وأطعنا.

وفي هذا المعنى تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها, واصفة تدرج التشريع ونزول القرآن الكريم:"إن أول ما أنزل من القرآن سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ليس فيها أحكام تكليف وتحليل وتحريم. وإنما فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس ورجعوا إلى الإسلام نزل الحلال والحرام, ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر ولا تزنوا, لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنا أبداً".

لا بد إذن من تغيير النفوس شيئاً فشيئاً, وإعدادها لتقبل أوضاع جديدة, وتهيئة النفوس التائهة لتقبل الحق كما يهيئ الطفل للطعام بعد الرضاعة؛ فالطفل الرضيع إذا منع دفعة واحدة من الرضاعة ربما أصيب بضرر بالغ قد يهلكه, وإذا أخذ بالتدرج كان ذلك عوناً له على الاعتماد على نفسه, يترك بعض الأوقات ويعطى طعاماً فيرضع في بعض الأوقات ويطعم في بعض الأوقات, وهكذا شيئاً فشيئاً حتى يتعود. أما أن تنقله من وضع إلى وضع آخر دفعة واحدة فهذا لا يمكن أن يكون أبداً.

وقد أشارت أم المؤمنين رضي الله عنها في الحديث السابق إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنـزيل, وأن أول ما نزل من القرآن الكريم الدعوة إلى التوحيد, والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة والكافر والعاصي بالنار؛ فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام. قاله الحافظ في فتح الباري.

ومن أوضح الأمثلة على سنة التدرج: التدرج في تحريم الخمر؛ فقد كانت متغلغلة في نفوس الناس بصورة كبيرة, فكان من الحكمة أن يمنع منهما بطريقة تدريجية, فقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدنية وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر, فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عنها فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [(219) سورة البقرة] لم يحرمها بل بين أن فيها مضار وفيها منافع, لكن الضرر أكبر من النفع. ووقف عند هذا الحد, ففي هذا تهيئة للنفوس أنها ما دامت بدأت تعلم أن الضرر أكبر من النفع فحينئذ يكون سهل عليها تقبل المرحلة التالية, فلما قُرِأَت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية, قال عمر:" اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً" إذا كان عمر رضي الله عنه كشخص وصديق ومؤمن قوي الإيمان راسخ الإيمان في قلبه فليس الناس كلهم مثل عمر, والشريعة لم تنزل لعمر بل نزلت للبشرية كلها لقوي الإيمان ومتوسطه وضعيفه, والذي لا يدفع إلى الإيمان إلا دفعاً, والذي يساق بالسلاسل, كان عمر حريصاً على تحريم الخمر, وسيكون أول من يستجيب, لكن الآخرون كما قالت عائشة رضي الله عنها صعب جداً أن يستجيبوا؛ فقال عمر:" اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً", فنزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [(43) سورة النساء] فلما قرأت على عمر رضي الله عنه قال: "اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً, يقصد التحريم".

في المرحلة الثانية حرمت في أوقات دون أوقات, فنزلت آية المائدة المرحلة الثالثة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [90-91 سورة المائدة].

فقرأت على عمر رضي الله عنه فلما بلغ قوله تعالى: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} قال عمر رضي الله عنه :"انتهينا" [رواه أبو داوود والنسائي والترمذي وهو حديث صحيح].

وكان بين مرحلة ومرحلة من هذه الثلاث المراحل وقت من الزمن, وليس في تلك اللحظة كما يفهم من سياق الحديث, بل كان بين مرحلة يسألونك عن الخمر والميسر, ومرحلة لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى زمن, وبين مرحلة لا تقربوا وأنتم سكارى وبين فاجتنبوه لعلكم تفلحون زمن أيضاً.

ومن الأمثلة أيضاً على سنة التدرج: موقف النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم عليه وفد ثقيف, فدعاهم صلى الله عليه وسلم أول ما دعاهم إلى التوحيد, فأعلنوا إسلامهم, ثم اشترطوا عليه أن يدع لهم اللات ثلاث سنين, فأبى عليهم؛ لأن هذا يتنافى مع التوحيد ومع الإسلام, فأبى عليهم أن يدعها وأبى إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة ليهدماها, وسألوه مع ذلك أن لا يصلوا قالوا: نريد أن ندخل في الإسلام لكن لا نريد أن نصلي, وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم، فقال: أما كسر أصنامكم بأيديكم فنمنعكم منها, وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه، فقال: سنؤتيكها وإن كانت دناءة. كانوا يرون أن أداء الصلاة دناءة, وقالوا: سجود الإنسان يكون في هيئة دينية جداً يستأنف عنها الإنسان العربي في حال السجود؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا خير في دين لا صلاة فيه» فقال: سنؤتيكها وإن كانت دناءة. ولا يستعمل عليهم غيرهم؛ فأجابهم إلى ذلك.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: اشترطت ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بايعت لا صدقة عليها ولا جهاد, وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم بعد ذلك: ليس عليكم صدقة, وليس عليكم جهاداً. تدرجاً معهم؛ لأنه يعلم أنهم إذا دخلوا في الإسلام ودخل هذا الشرط قال: لا تتصدقوا ولا تجاهدوا, ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم سيتصدقون وسيجاهدون إذا أسلموا.

أولاً: أدخله في الإسلام ثم بعد ذلك هو سيندفع لفعل باقي الواجبات, وهذا يحدث كثيراً في ديار الغرب الذين يسلمون بداية إسلامهم تجد المرأة لا تتخلى عن السفور صعب جداً جداً .. صعب عليها أنها تمشي ما تطيق هذا أبداً, فيقع في مشكلة بعض النساء, تسلم وتتحجب وتأتي بكل الشرائع لها في لحظة واحدة, هذا غلط, هذا تتغير عن الدين, أولاً دعها تدخل في الإسلام وابدأ معها بالأهم فالأهم شيئاً فشيئاً, لا أنه حلال لها, تقول: الحجاب غير واجب, وإنما على سبيل التدرج مع الشخص المدعو.

إن تدرج الرسول معهم بداية بالعقيدة أولاً وموافقته لهم على الإعفاء من الصدقة والجهاد قد تحقق وعد الله الذي جاء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «إنهم سيتصدقون ويجاهدون» فقد أسلمت ثقيف فيما بعد وجاهدت في الله حق جهاده, واعتصمت بإسلامها ولاذت بإيمانها يوم طغى سبيل الردة, ثم هؤلاء الذين كانوا يتلكأون في إسلامهم لم يرتد منهم أحد, يقول المغيرة بن شعبة رضي الله عنه:" لقد دخلوا في الإسلام فلا أعلم قوماً من العرب أو قبيلة كانوا أصح إسلاماً, ولا يعد أن يكون فيهم غش لله ولكتابه منهم" أي من قبيلة ثقيف, بينما لو قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا لا بد أن تأتوا بالأحكام كلها لربما كان هذا مانعاً من إسلامهم.

ومن الأمثلة أيضاً: وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه كذا ثم كذا ثم كذا...» الحديث.

وقوله صلى الله عليه وسلم في وصيته لأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما لما بعثهما إلى اليمن «يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا» [متفق عليه].

يقول الإمام النووي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث:" وفي هذا الحديث أمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته, والنهي عن التغيير بذكر التخويف وأنواع الوعيد المحضة من غير ضمها إلى التبشير, ففيها تأليف قلوب من قرب إسلامه وترك التشديد عليهم, وكذلك من قرب من البلوغ من الصبيان سن المراهقة، ومن بلغ ومن تاب من المعاصي كلهم يتلطف بهم ويتدرج معهم في الطاعة قليلاً قليلاً، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج, فمتى يسر على الداخل في الطاعة أو المريد للدخول فيها سهلت عليه وكانت عاقبته غالباً بتزايد منها, ومتى عسرت عليه أو شك أن لا يدخل فيها وإن دخل أوشك أن لا يدوم أو لا يجد لذتها.

ومن الأمثلة أيضاً: حديث: «يا عائشة لولا أن قومك حديثوا عهد بشرك لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم, ولجعلت لها بابين باب يدخل منه الناس وباب يخرجون» وهذا من مراعاة هذه السنة, نظرة الإسلام إلى العجلة, العجلة من طبيعة الإنسان جبل عليها كما قال تعالى: {وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً} [(11) سورة الإسراء] {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [(37) سورة الأنبياء] ولذلك الإسلام ينظر إلى الاستعجال نظرة عدل وإنصاف فلا يحمده بالمرة ولا يدفعه بالمرة, فالمحمود من الاستعجال ما كان ناشئاً من تقدير دقيق للآثار والعواقب, وعن إدراك تام للظروف والملابسات, وما كان ناشئاً عن حسن إعداد وجودة ترتيب.

وقد وردت السنة في استحباب العجلة في أشياء, منها: قضاء الدين, وتجهيز الميت, وتزويج البكر؛ لأن العواقب حميدة ومعلومة, والمذموم من الاستعجال ما كان مجرد ثورة نفسية خالية من تقدير العاقبة واعتبار المآل والإحاطة من الظروف والملابسات, ومن أخذ الأهبة والاستعداد, وهذا النوع الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «التأني من الله والعجلة من الشيطان» وبقوله صلى الله عليه وسلم لخباب بن الأرت رضي الله عنه لما جاءه يشكو إليه وإخوانه العرب الأولون من قريش واضطهادها فيقول:«ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟! فقال صلى الله عليه وسلم وقد احمر وجهه, وكان متكئاً فجلس: لقد كان الرجل من قبلكم ليمشط بأمشطة الحديد دون لحمه وعظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق اثنين ما يصرفه ذلك عن دينه, والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه, ولكنكم قوم تستعجلون» [رواه البخاري].

ومن فروع سنة التدرج: مراعاة فقه الأولويات: وهو من أهم ما ينبغي أن يراعيه العاملون للإسلام في هذا الزمان مع مراعاة سنة التدرج مراعاة الأولويات, والمراد به وضعه في مرتبته فلا يؤخر ما حقه التقديم ولا يقدم ما حقه التأخير, وهذا ما تأمر به أحكام الشرع وتقضي به قوانين الكون, وهذا الفقه غائب وللأسف الشديد عند كثير من المسلمين, فنجدهم يعتمدون على الفروع قبل الأصول, وبالجزئيات قبل الكليات وبالمختلف فيه قبل المتفق عليه, ويتركون فرائض من أجل نافلة, وقد ضيع الناس الفرائض دون اعتبار.

تجدهم ربما يثيرون معركة حول المختلف عنه, تجد بعض الدعاة إلى الله من أول ما يلتقي المختلفون يثيرون مسائل الخلاف, يقال لهؤلاء اذكروا مسائل الاتفاق أولاً, ثم إذا ذكرتم مسائل الاتفاق تهون جداً جداً قضايا الاختلاف وتتفقون على أمر جامع ينفع الله به المسلمين.

كذلك جانب آخر: ربما كما ذكرنا تثار ضجة كبيرة جداً على سنة والناس تاركون للفرائض, واحد ربما جاء يصلي أول يوم يدخل المسجد وهكذا وإذا به يسمع الخلاف والنـزاع فيكون ذلك عائقاً له عن مواصلة الالتزام.

هذه السنة الربانية في مراعاة التدرج ينبغي أن تتبع في سياسة الناس وعندما يراد تطبيق الإسلام في الحياة ويراد استئناف حياة إسلامية متكاملة يكون التمكين ثمرتها, ولنا أن نتصور لو قامت خلافة إسلامية في وضعنا الحالي, مع أنه لا يمكن في هذا الوضع! سنة الله تقول: لا. لو قامت هل تتصوروا أن تتغير الأمور بين عشية وضحاها, لا يمكن أبداً, يمكن أن تطبق الأحكام الشرعية من أول يوم, لا هذا ليس بالطاقة؛ فاتقوا الله ما استطعتم, ليس في طاقة المجتمع وليس في طاقة الناس أن يتقبلوا هذه الأوضاع الجديدة بكل يسر وسهولة الإسلام.

انظروا إلى الإسلام كيف تدرج مع الناس في فرض الفرائض وفي تحريم المحرمات. هذا مهم جداً, وعلى الدعاة إلى الله تعالى أن يراعوه, فإذا أردنا أن نقيم مجتمعاً إسلامياً حقيقياً فلا نتوهم أنه يمكن أن يتحقق بقرار يصدر من رئيس جمهورية أو ملك دولة أو من مجلس قيادي أو من برلمان, إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج بالإعداد والتهيئة النفسية والفكرية والأخلاقية والاجتماعية.

وهذا المنهج هو نفس المنهج الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير الحياة الجاهلية إلى الحياة الإسلامية, وقد ظل في مكة ثلاثة عشر عاماً كانت مهمته الأساسية تنحصر في تربية الجيل المؤمن الذي يستطيع أن يحمل أعباء الدعوة وتكاليف الجهاد من حمايتها ونشرها في الآفاق, ولهذا لم تكن المرحلة المكية مرحلة تشريع بقدر ما كانت مرحلة تربية وتكوين.

وإذا كانت تكاليف الإسلام قد تدرجت حتى اكتملت عبر ثلاثة وعشرين عاماً فإن هذا التدرج لم يكن فقط بسبب تدرج التشريع وإنما اقتضاه التدرج في تهيئة الواقع, يعني: تدرج التشريع هو في الحقيقة تابع لتهيئة الناس على تقبل الشرائع, يعني: التدرج في التشريع هو صورة عاكسة لمراعاة أحوال الناس في تهيئة الواقع لتطبيق الواقع وتنزيل الأحكام عليه.

من أروع المواقف في فهم هذه السنة وتطبيقها ما تنبه له الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله الذي يرى التدرج في نقل الناس من مواقعهم إلى المثال المنشود.

مما يحكى عنه: أنَّ ابنه عبد الملك عندما أسرع في إزالة بقايا الانحراف والمظالم التي كانت فيمن قبله, فقال له: يا أبت! ما لك تخاف الله, والله لا أبالي إن القدور غلت بي أو بك في الحق, وهذا ابنه عنده حماس واندفاع لكن أبوه عنده حكمة وفهم صحيح لتشريع الإسلام ولظروف البشر, فقال له عمر: لا تعجل يا بني فإن الله تعالى ذم الخمر مرتين وحرمها في الثالثة, وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه جملة, يريدون الحق فيكون من ذا فتنة. اهـ.

وإذا كانت الأمة الإسلامية تتطلع اليوم إلى تمكين الله لها فلا بد أن تراعي في عملها سنة التدرج, فما هدم لا يمكن أن يبنى في أيام, مع أن الهدم أسهل من البناء فعليها أن تتبنى سياسة النفس الطويل والصبر الجميل فتصبر على البذرة حتى تنبت وعلى النبتة حتى تورق وعلى الورقة حتى تزهر وعلى الزهرة حتى تـثمر وعلى الثمرة حتى تنضج وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها, ما لم فسيدخل الدعاة إلى الله الذي هم متصدرون إصلاح أمتهم في صراع مضاد مع أمتهم, وأعداء الإسلام من حولنا يريدون أن يستبيحوا بيضتنا.

بقلم

د. عبدالله بن محمد الحاشدي

عضو رابطة علماء المسلمين

الاثنين 23 / محرم / 1438هـ

24 / أكتوبر / 2016م