arrow down

السنن الإلهية وأثرها في تغيير حال الأمة ( 4 )

رابعاً: سنة الابتلاء:

الابتلاء في اللغة مأخوذ من الفعل ابتلى مجردة فتقول بلوته وبلاءً أي اختبرته.

وللابتلاء معان متقاربة تتفق عند معنى واحد وهو الاختبار والامتحان.

وقد استعمل القرآن الكريم هذا اللفظ في هذا المعنى كثيراً كقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [(155) سورة البقرة] وقوله: {وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [(154) سورة آل عمران] ومن الألفاظ التي تستعمل في هذا المعنى المحنة قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [(3) سورة الحجرات] كما يستعمل القرآن لفظ الفتنة بمعنى الابتلاء.

قال تعالى: {آلم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [(2) سورة العنكبوت] أي لا يبتلون ولا يمتحنون {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [(3) سورة العنكبوت].

ومن المهم معرفة هذه السنة الإلهية, وهي: أن الابتلاء للمؤمنين سنة جارية لا تتخلف, وقد شاء الله تعالى أن يبتلي المؤمنين ويختبرهم ويمحص إيمانهم, ثم يكون لهم التمكين في الأرض بعد ذلك, وقد جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله:"أن رجلاً سأله أيهما أفضل أيمكَّن المرء ثم يبتلى أو يبتلى ثم يمكَّن, فقال: لا يُمَكَّن حتى يبتلى".

لا يُمْكِن أن يأتي تمكينٌ إلا بعد ابتلاء هذه سنة جارية؛ فإن الله ابتلى نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً صلى الله عليهم وسلم فلما صبروا مكنهم.

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [(165) سورة الأنعام] وقال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [(7) سورة الكهف] وقال: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [1-2 سورة الملك] وقال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [(2) سورة الإنسان] من أجل التكليف خلقك في هذا الكون من أجل الابتلاء, قال تعالى في قصة طالوت: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [(249) سورة البقرة] وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} [(214) سورة البقرة] قال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [(186) سورة آل عمران].

وقال صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل, يبتلى الرجل على حسب دينه ... فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة» [رواه الترمذي وغيره وقال حسن صحيح].

والملاحظ من خلال الآيات الكريمات: أن تقرير سنة الابتلاء جاءت في أقوى صور الجزم والتأكيد {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [(186) سورة آل عمران].

قال سيد قطب رحمه الله: "هذه سنة الله تعالى في العقائد والدعوات لا بد من بلاء ولا بد من أذى في الأموال والأنفس ولا بد من صبر ومقاومة بالمكاره, وحفت النار بالشهوات كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم, ثم إنه الطريق الذي لا طريق غيره لإنشاء الجماعة التي تحمل هذه الدعوة وتنهض بتكاليفها, طريق التربية للأمة الإسلامية وإخراج مكنوناتها من الخير والقوة والاحتمال وهي طريق المزاولة العملية للتكاليف والمعرفة لحقيقة الناس وحقيقة الحياة.

الابتلاء هو الذي يمحص الناس ويميز الخبيث من الطيب, وذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عوداً وأقواهم شكيمة, فهؤلاء هم الذين يصلحون لها والصبر عليها, وهم عليها مؤتمنون.

انظروا إلى موقف الصحابة في غزوة حنين. وكيف كان موقف مسلمة الفتح والذين ما زال الإيمان لم يرسخ في قلوبهم, وكيف كان موقف كبار الصحابة الذين التفوا حول النبي صلى الله عليه وسلم وأحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم «يا أصحاب الشجرة يا أصحاب بيعة العقبة يا للمهاجرين يا للأنصار» دعا النبي صلى الله عليه وسلم أولئك الأقوام الذين قد ابتلوا ومحصوا وعلم أنهم هم الذين يثبتون في مثل هذه الملمات, والإيمان أمانة الله تعالى في الأرض وهذه الأمانة لا يحملها إلا من هم أهل لها وفيهم على حملها قدرة .. هذه الأمانة لا يحملها إلا من هم أهل لها, وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص, والذين يؤثرونها على الراحة والدعة وعلى الأمن والسلامة وعلى كل أصناف المتاع والإغراء".

هذا من كلام سيد رحمه الله في الظلال, وتجد سيداً رحمه الله في تفسيره للآيات يتكلم من واقع يعيشه, يرى الآيات تتمثل أمامه كواقع حي, ويقول أيضاً سيد رحمه الله في الكلام على بداية سورة العنكبوت: "إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء وجهاد يحتاج إلى صبر وجهد يحتاج إلى احتمال فلا يكفي أن يقول الناس آمناً, وهم لا يتركون بهذه الدعوة حتى يتعرضوا إلى الفتنة ويخرجوا من الفتنة صافية عناصرهم خالصة قلوبهم كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به حتى يصبح خالصاً نبيلاً رفيعاً, وهذا أصل كلمة اللغوي وله دلالته وإيحاؤه, وكذلك تصنع الفتنة في قلوب المؤمنين حين تصهرهم بنار الابتلاء فتخرج من أنفسهم ما قد يكون فيها من خبث وشهوات وأهواء حتى يكونوا خالصين لله متجردين له صالحين لحمل الأمانة التي أناطها الله تعالى بهم, ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء ويعلوا فوق المصائب" اهـ.

ابتلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تقرر مما سبق: أن الابتلاء سنة الله العامة في الحياة وسنته سبحانه بالرسل والرسالات ورسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بدعاً من الرسل, فكان لا بد أن تجري عليه سنة الابتلاء كما جرت على إخوانه المرسلين, فقد ابتلي صلى الله عليه وسلم بعمه أبي لهب وبأذيته له وقوله له: تباً لك ألهذا جمعتنا! وتتبعه له صلى الله عليه وسلم في الأسواق وفي المجامع، وقوله للناس: لا تصدقوه فإنه كاذب. انظروا ما أشد هذا على النفس الأبية رسول الله صلى الله عليه وسلم, يمشي في الأسواق وعمه أقرب الناس إليه كلما قال كلاماً قال لا تصدقوه فإنه كذاب هذا ساحر هذا كذا! ابتلاء شديد جداً, وكذلك إلقاء عقبة بن أبي معيط السلمي سلا الجزور على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو ساجد في بيت الله الحرام حول الكعبة المشرفة, وكذلك محاولة عقبة بن أبي معيط خنق النبي صلى الله عليه وسلم خنقاً شديداً بلف الثوب على عنقه صلى الله عليه وسلم.

وفي أحد شج رأسه صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته.

وعن أبي طلحة رضي الله عنه قال:"شكونا إلى رسول صلى الله عليه وسلم الجوع, ورفعنا ثيابنا وقد ربط كل واحد منا على بطنه حجراً, فرفع صلى الله عليه وسلم عن حجرين"! أنتم تشكون إلي وأنا أشد منكم جوعاً, كأنه يقول لهم صلى الله عليه وسلم ذلك, وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم تحملوا من البلاء ما تنوء به الرواسي الشامخات, بذلوا أموالهم ودماءهم في سبيل الله, بلغ بهم من الجهد ما شاء الله أن يبلغ, فقد عدت قريش على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه, فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يعذبونهم بالجوع والضرب في رمضاء مكة إذا اشتد الحر, وكان أمية بن خلف يخرج بلالاً إذا اشتدت الشمس والحبل على عنقه فيسحبه على رمضاء مكة, ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وتعبد اللات والعزى, فيقول وهو في ذلك البلاء:: أحد أحد, وكان خباب بن الأرت رضي الله عنه يوقدون له النار فيطرحونه عليها, ولم يسلم من الابتلاء حتى أشراف المسلمين, فلقد أذي أبو بكر رضي الله عنه وحثي على رأسه بالتراب وضرب بالنعال في المسجد الحرام حتى ما يعرف وجهه من أنفه, وحمل إلى بيته في ثوب وهو بين الحياة والموت.

وهذا له حكم وفوائد منها:

رفع المنزلة عند الله تعالى: قال صلى الله عليه وسلم: «ما أصاب المسلم من شوكة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة».

تكفير السيئات وتنقية النفوس من الشوائب والقلوب من الرياء والعمل من الشرك.

إظهار الناس على حقيقتهم وإعداد المؤمن وتربيته ليكون جندياً في دعوة الله تعالى, وهذه التربية لا تكون إلا من خلال معاناة عملية.

وكذلك من حكمة تحقيق العبودية لله تعالى في السراء والضراء في السراء بالشكر وبالضراء بالصبر, قال صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له, وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له».

وهذا هو طرق الأمة الإسلامية كما وصفه الله تعالى: إيمان وجهاد ومحنة وابتلاء وصبر وثبات وتوجه إلى الله تعالى وحده, ثم يجيء النصر والتمكين في الدنيا ثم النعيم في جنات الله تعالى في الآخرة.

من السنن التي لا بد الأخذ بها ومراعاتها في السعي في التمكين لهذه الأمة: سنة الأخذ بالأسباب.

الأسباب المادية والمعنوية المتاحة والمباحة سنة .. الأخذ بالأسباب مقررة في كون الله تعالى في صورة واضحة؛ فقد خلق الله هذا الكون بقدرته وأودعه من القوانين والسنن ما يضمن استمراره واستقراره, وجعل المسببات مرتبة بالأسباب بعد إرادته تعالى جعل عرشه سبحانه محمولاً بالملائكة, وأرسى الأرض بالجبال مع أنه قادر أن يثبت الأرض بلا جبال ويحمل العرش بلا ملائكة, وأنبت الزرع بالماء وغير ذلك.

ولو شاء الله لجعل كل هذه الأشياء وغيرها بقدرته المطلقة غير محتاجة إلى سبب, ولكن هكذا اقتضت حكمة الله ومشيئته, يريد أن يوجه خلقه إلى ضرورة مراعاة هذه السنة الإلهية وهي الأخذ بالأسباب, وإذا كانت سنة الأخذ بالأسباب ظاهرة في كون الله تعالى بصورة واضحة فإنها كذلك مقررة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فقد وجه الله تعالى عباده المؤمنين إلى وجوب مراعاة هذه السنة في كل شؤونهم الدنيوية والأخروية على حد سواء, قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُواْ} أمرهم الله تعالى بالأخذ بالأسباب {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [(105) سورة التوبة] وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } [(15) سورة الملك] أمر الله تعالى مريم عليها السلام أن تباشر الأسباب وهي في أشد حالات ضعفها .. حالة الوضع, قال سبحانه: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [(25) سورة مريم] وهكذا يؤكد الله تعالى ضرورة مباشرة الأسباب في كل الأمور والأحوال, ولقد قدر الله تعالى لدينه أن ينتصر وللمسلمين أن يمنكوا وللمشركين أن ينهزموا, ومع ذلك فهل قال الله تعالى للمسلمين ما دمت قد قدرت لكم النصر والتمكين فاقعدوا وانتظروا إنفاذ قدرتي وهو لا بد نافذ. كلا لم يكن كذلك, إنما قال لهم: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [(60) سورة الأنفال] وقال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [(4) سورة محمد] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [(7) سورة محمد] فلا بد من الأخذ بالأسباب بالنصر والتمكين.

فكان ذلك قدراً مقدوراً من عند الله, والله تعالى ليس عاجزاً عن نصرة الحق في غير الأدوات البشرية, هو الذي يقول للشيء كن فيكون, ولكن هكذا اقتضت مشيئته, وهكذا تجري سنته, وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفضل المتوكلين كان أوعى الناس لهذه السنة الإلهية, فكان وهو يؤسس لبناء الدولة الإسلامية يأخذ بكل ما في وسعه من الأخذ بالأسباب ولا يترك شيئاً جزافاً, والمتتبع للسيرة النبوية يلمس ذلك تماماً, ففي الهجرة على سبيل المثال لم يترك صلى الله عليه وسلم أمراً من الأمور إلا أعد له عدته وحسب له حسابه ورسم له خطته على نحو يستوعب كل الوسائل والطاقات؛ فقد أعد عليه الصلاة والسلام الرواحل والدليل واختار الرفيق والمكان الذي سيتوارى فيه هو وصاحبه حتى يهدأ الطلب ويفتر الحماس وأحاط ذلك كله بما يمكن للبشر من أخذ الحذر والكتمان وأسباب الاحتياط وترك للإرادة الإلهية, بعد ذلك ما لا حيلة له فيه أخذ بما استطاع بما هو متاح له من الأسباب المادية, ثم بعد ذلك ترك الباقي على الله مسبب الأسباب سبحانه وتعالى.

وكذلك الأمر بالنسبة لغزوة بدر وأحد والأحزاب وجميع غزواته صلى الله عليه وسلم, فكان عليه الصلاة والسلام يوجه أصحابه دائماً إلى مراعاة هذه السنة الربانية في أمورهم الدنيوية والأخروية على السواء؛ ففي أمورهم الدنيوية كان صلى الله عليه وسلم يرشدهم على الأخذ بما يمكن من الأسباب إلى الوصول إلى حياة كريمة بعيداً عن ذل السؤال ومهانة العوز والمهانة.

روى أبو داوود والترمذي من حديث: أنس أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عطاء, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما في بيتك شيء، قال: بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه, وقعب نشرب فيه، فقال: ائتني بهما، فأتى بهما، قال: من يشتري مني هذا، قال: رجل أنا أشتريه بدرهم، قال صلى الله عليه وسلم: من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثاً، فقال رجل: أنا أشتريه بدرهمين, فأخذ الدرهمين وأعطى الأنصاري، وقال له: اشتر بأحدهما طعاماً لأهلك واشتري بالآخر قدوماً، فأت به فأتاه به, فشد صلى الله عليه وسلم فيه عوداً بيده, ثم قال له: اذهب واحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوماً» يعني: لا تأتيني إلا بعد خمسة عشر يوماً «فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً، فقال له صلى الله عليه وسلم: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكته سوداء في وجهك يوم القيامة» وقال صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك وخذ بالأسباب, واستعن بالله ولا تعجز».

وكذلك بالنسبة لأمور الآخرة لا بد من الأخذ بالأسباب حتى يصل الإنسان إلى ما يرجو من رحمة الله تعالى وجنته, قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [(19) سورة الإسراء].

والتوكل على الله تعالى لا ينافي التوكل؛ فإن حد التوكل هو الثقة بالله تعالى, والإيقان بأن قضاءه نافذ, واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في السعي في ما لا بد منه من المطعم والمشرب والتحرز من العدو كما فعله الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وهذا هو التعريف للتوكل كما اختاره الطبري وعامة الفقهاء كما في شرح النووي على صحيح مسلم.

إذاً: فالتوكل على الله تعالى لا يمنع من الأخذ بالأسباب, وذلك كما يقول عمر:"إنما التوكل من ألقى حبه في الأرض وتوكل والباقي على الله" ألقى الحب وسقاه واعتنى به وقد يصلح ذلك الثمر وقد يفسد؛ لأن الأسباب ليست نتائجها حتمية بل قد تتخلف المسببات عن أسبابها قال صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً» هي متوكلة لكنها مع ذلك تأخذ الأسباب.

ثم إنه لا علاقة للأسباب بالنتائج, المؤمن عليه أن يأخذ بالأسباب المتاحة والمباحة له, ثم بعد ذلك النتائج على مسبب الأسباب سبحانه وتعالى, وله الحكمة البالغة في ذلك.

وفي الختام نقول:

أولاً: إن على الأمة الإسلامية أن تراعي سنن الله تعالى المبثوثة في الأرض؛ فلا بد أن تعمل على تغيير حالها السيئ إلى حال أفضل يرضى عنه الله تعالى مراعاة لسنة الله تعالى {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [(11) سورة الرعد].

ثانياً: لا بد أن توقن أن هذا التمكين لا بد وأن يتحقق بجهد بشري, وهذا منطق سنة الله تعالى التي تقول: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} [(251) سورة البقرة].

ثالثاً: لا بد على طريق التمكين أن تسير الأمور وفق سنة التدرج حتى لا تتعجل النتائج وتحتسب الخطوات.

رابعاً: لا بد على طريق التمكين أن يقع الابتلاء ليميز الله الخبيث من الطيب وينقي الصف المسلم حتى يصيرون أهلاً لتمكين الله تعالى له.

خامساً: أنه لن تنال هذه الأمة التمكين حتى تستفرغ جهدها بالأخذ بجميع الأسباب المتاحة التي توصل إلى التمكين ثم تكل الأمور بعد ذلك إلى الله رب العالمين.

وعلى الأمة الإسلامية أن تدرك أنه إذا حصل تقصير في مراعاة السنن؛ فإن عليها أن تتقبل نتيجة التقصير, وكونهم مسلمين فإنما هم مسلمون لأنهم يطابقون حياتهم كلها على السنن ويصطلحون بفطرتهم كلها مع النواميس.

وحين تدرك الأمة الإسلامية سنن الله تعالى وتتعامل معها بعين البصيرة, وحين تصير مؤهلة للتمكين بعد أن تؤدي شروطه؛ فإن وعد الله لها حينئذ لن يخلف {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [4-5 سورة الروم]. والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

بقلم

د. عبدالله بن محمد الحاشدي

عضو رابطة علماء المسلمين

الثلاثاء 24 / محرم / 1438هـ

 

25 / أكتوبر / 2016م