arrow down

علاج آفة الغلو

ليس الحديث في هذه السطور عن موقف ابن تيمية من غلاة الشيعة والصوفية وأشباههم؛ فإن ابن تيمية حذّر من هؤلاء، وجاهدهم جهادًا كبيرًا، وكشف عن حقيقتهم، وبيَّن زندقتهم كما هو مبسوط في موضعه؛ وإنما الحديث عن طائفة (العدويّة) التي تنتسب إلى أهل السنة، فالعدويّة هم أتباع عدي بن مسافر رحمه الله المتوفى سنة 555 هـ. (ينظر: في ترجمة عدي بن مسافر وأحواله: الفتاوى لابن تيمية [11/103، 534]؛ والاستقامة [1/89]؛ والبداية لابن كثير [12/243]).

وهو من المشايخ الصالحين، وعلى طريقة أهل السنة والجماعة، كما في عقيدته المشهورة والمطبوعة: (عقيدة عدي بن مسافر). (طبعت هذه العقيدة أولاً في العراق سنة 1395هـ، ثم توالت الطبعات لها، وقد بيّن ابن تيمية أن هذه العقيدة مأخوذة من كتاب التبصرة لأبي الفرج المقدسي (ت 486هـ) بألفاظها نقل المسطرة! كما أن أتباع عديّ زادوا فيها أنواعًا من الغلو والشطح. ينظر: مجموع الفتاوى [11/103]).

لكن أصحابه وأتباعه وقعوا في غلو عظيم، وجهل كثيف، فكتب لهم ابن تيمية رسالة شافية سُميت (الرسالة العدويّة)، وتسمى أيضًا (الوصية الكبرى). (ذكرها ابن رشيق وابن عبد الهادي ضمن مؤلفات ابن تيمية، وهي موجودة في المجلد الثالث من مجموع الفتاوى، وطبعت مفردة بتحقيق: محمد الحمود، وسمّاها بعض أئمة الدعوة في نجد [الرسالة السنية]).

وهي أنموذج رائع، ومثال فريد، في علاج آفة الغلو، وسبيل التعامل مع الغلاة بعلم وعدل، كما هو مذكور في السطور التالية:

- استهلّ أبو العباس ابن تيمية رسالته بوابل من الدعوات لأتباع الطائفة العدوية، فهم "من المسلمين، المنتسبين إلى السنة والجماعة، المنتمين إلى جماعة الشيخ العارف القدوة أبي البركات عدي بن مسافر رحمه الله" فدعا لهم قائلًا: "وفقهم الله لسلوك سبيله، وأعانهم على طاعته، وطاعة رسوله، وجعلهم معتصمين بحبله..." (الوصية الكبرى، ت: محمد الحمود ص [7]).

وختم الرسالة بقوله: "نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من الذي يرثون الفردوس هم فيها خالدون." (الوصية الكبرى، ت: محمد الحمود ص [60]).

فبدأ بالدعاء لهم أن يحقق الله لهم اسم الإسلام والسنة في الدنيا، وانتهى إلى الدعاء بأن يحقق الله لهم الحكم بالجنة في الأخرى.

والنفوس المشحونة بالغلو والتوتر هي أحوج ما تكون إلى الحنان و الإحسان، والرحمة والإشفاق، كما عليه أهل السنة والجماعة: يعلمون الحق ويرحمون الخلق.

كما أثنى عليهم بمفارقتهم لأكثر البدع المضلّة مثل بدعة الخوارج والروافض، ثم أشار إلى ملحظ جميل، وترغيب بديع، في لزوم السنة، حيث بيّن أن سلامتهم من هذه البدع هي التي أورثتهم صفات المجاهدين في سبيل الله، وخصال المتعبدين الزهاد. (ينظر: الوصية الكبرى, ص [17])

- هذه الرحمة والإشفاق والثناء الحسن يقترن بها النصح للخلق، والصدع بالحق، فإن رحمة هؤلاء لا تعني السكوت عن غلوهم في يزيد بن معاوية، وإفراطهم في عدي بن مسافر، بل كان أبو العباس صارمًا في بيان حكم الله في مزالقهم وشطحهم، فقال رحمه الله: "وكذلك الغلو في بعض المشايخ، إما في الشيخ عديّ، بل الغلو في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، بل الغلو في المسيح عليه السلام ونحوه، فكل من غلا في حيّ أو في رجل صالح كمثل عليّ أو عدي، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل." (الوصية الكبرى، ص [31، 32] = باختصار)

- الغلو باعثه الجهل، كما هو ظاهر في شأن الخوارج، والعدويّةُ لهم حظ وافر من الجهالة؛ إذ عوّلوا على أحاديث مكذوبة في صفات الله تعالى، فوقعوا في التمثيل، فبيّن أبو العباس بطلان هذه الأحاديث، وكشف زيفها، وأوصاهم بمعرفة الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن السنة التي يجب اتباعها في الاعتقادات والعبادات إنما تعرف بمعرفة الأحاديث الثابتة، كما في دواوين الإسلام المعروفة من الصحاح والسنن والمسانيد، وسرد المؤلف طرفاً من الكتب المعتبرة في أحاديث الصفات. (الوصية الكبرى، ص [18]).

ولما كان الغلو متفرّعًا عن الجهل، فإن الجهل يبعث على القسوة على الخلق، والبغي عليهم، وفي المقابل فإن وصية أبي العباس للعدويّة بفقه السنة، وتمييز الحديث الصحيح عن الضعيف؛ هي التي ترفع الجهل، وتجلب الرحمة للخلق، والإشفاق عليهم.

فهناك تلازم بين العلم والرحمة، وتلازم بين الجهل والقسوة.

- احتفى أبو العباس في رسالته للعدوية ابتداءً بتقرير الأصول والقواعد في تلقي المسائل والدلائل، فساق جملة منها، ثم أعقب ذلك بالرد على مزالق العدويّة؛ إذ القوم أحوج إلى ترسيخ هذه الأصول الكبار والتذكير بها، فقرر رحمه الله أن الدين أصول وفروع، وعقائد وشرائع، وبيّن وسطية أهل الإسلام بين الملل، ووسطية أهل السنة بين النحل. (ينظر: الوصية الكبرى، ص [12]).

ومن ذلك أنه قرر ابتداءً مذهب السلف في الكلام الإلهي، ثم أتبعه بالردّ على غلو العدويّة، وكذا قرر عقيدة أهل السنة في الصحابة، ثم انتقل إلى مزالق القوم في غلوهم في يزيد بن معاوية.

وهذا من رسوخ أبي العباس وبراعته في المخاطبات، فإحكام هذه الأصول آكد من معالجة شطحات القوم، ثم إن تقريرها هو السبيل إلى مدافعة هذا الغلو، فهو يحتج بتلك الأصول المتفق عليها على تلك المسائل المتنازع فيها.

- عندما يردّ أبو العباس على غلو العدوية، فإنه لا ينهمك في مدافعة هذا الانحراف، ويهمل نقيضه، ولا يستغرق في معالجة الغلو، ويذهل عن مقابله من التفريط والتقصير؛ فإنه عالج غلو (العدويّة) في مسائل تتعلق بالكلام الإلهي، وبتحرير وتدقيق، ثم حذّر مما يقابلها من إنكار وتعطيل، وبيّن وفصّل مراتب الشرور والانحراف في هذه المسائل الشائكة.

وحذّرهم من الغلو في يزيد بن معاوية، وبيّن في موطن آخر أن جهال الأكراد ممن غلى في يزيد (العدوية) خير من الشيعة المتغالين في عليّ رضي الله عنه. (ينظر: منهاج السنة [4/519])

وهذا لا يدلّ على موضوعية ابن تيمية وتجرده في نصرة الحق فحسب، بل يكشف سعة أفقه، وبُعد نظره، فإن المخالف إذا رأى هذا العدل، والموافقة على الحق الذي لديه، فهو أدعى لقبول سائر الحق، إذ ما أكثر الذين يستحوذ عليهم مقاومة انحراف، أو مزلق، وفي غمرة السجال، وحمأة المخاطبات، يحصل الاندفاع في تهويل هذا الانحراف، والسكوت أو التهوين للانحراف المقابل، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.

- والنفوس التي تلبّست بالغلو لا تنفك عن ازدراء الآخرين، والهيام بالتصنيف بما لم يشرعه الله، والولع والتشرذم والتفرق، وامتحان مخالفيهم.

وهذه الآفات تأثّر بها العدوية كما هو مبيّن في الوصية الكبرى، وتأثّر بها أشباههم في هذا العصر، وكان أبو العباس صارمًا تجاه تلك المزالق، فأنذرهم عواقب هذا التفريق والتصنيف والامتحان بما لم يشرعه الله ورسوله، وأكّد وجوب موالاة المؤمنين، والتواد والتراحم فيما بينهم.

قال رحمه الله: "وكذلك التفريق بين الأئمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله مثل أن يقال للرجل: أنت شكيلي أو قرفندي، فإن هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، والواجب على المسلم إذا سئل عن ذلك أن يقول: لا أنا شكيلي ولا قرفندي، بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله". (الوصية الكبرى ص [47، 48])

وكم جلب في هذا الزمان التحزّب والتفريق والتصنيف من الشحناء والعداوات، ومحق الكثير من الأعمال والخيرات، وأقعد عن مشاريع ومبادرات، والواقع شاهد موجع، والله المستعان.

وأما عاهة التعالي والازدراء للآخرين، فقد بيّن رحمه الله أن الخوارج الغلاة قد مرقوا من الإسلام مع عباداتهم العظيمة، فقال: "فإذا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، حتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام والسنة، حتى يدّعي السنة من ليس من أهلها". (الوصية الكبرى ص [12])

وفي هذا التقرير ترهيب وتخويف، فالحي لا تؤمن عليه الفتنة، فكيف إذا تلبّس بغلو يستلزم الهلاك والضلال؟

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب.

بقلم

د. عبدالعزيز بن محمد آلعبداللطيف

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس26 / محرم / 1438هـ

27 / أكتوبر / 2016م