arrow down

التطرف صوره وآثاره وعلاجه

معنى التطرف وأبرز صوره:

التطرف معناه الجلوس في طرف ولعل الذين يستخدمون هذه الكلمة من الكتاب والباحثين إنما يقصدون بها الغلو والتشدد والتنطع وعندنا مصطلحات في لغة العرب تؤدي نفس المعنى مثل التشدد والغلو والتنطع.. وكلها صور مزرية لا تعطي صورة مشرقة عن الإسلام.

فالغلو هو الزيادة يقال غلا يغلو غلواً إذا زاد عن الحد والتشدد يقال فيه شد فلان على نفسه أي شق عليها وكلفها ما لا تطيق وقد نهى الله تعالى عن الغلو فقال: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} [المائدة:77].

فهذا هو الزيادة في كل شيء وكما يتنافى الغلو مع الدين، فإن التشدد يتنافى مع الإسلام كذلك؛ لأن اليسر من سمات الإسلام كما قال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185].

وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحـج:78].

والقاعدة الفقهية مشهورة (المشقة تجلب التيسير) تشهد لذلك على كل حال، فالغلو مذموم وإن كان النهي موجهاً لأهل الكتاب فهو نهي لنا أيضاً لأن أهل الكتاب كان عندهم غلوً في عداء الأنبياء فقتلوا بعضهم وآذوا آخرين.. وهم اليهود والنصارى كانوا عكس اليهود فكانوا عندهم غلو في التعظيم إلى حد أن قالوا: (المسيح ابن الله) وشابههم اليهود في بعض الصور فقالوا: عزيز ابن الله, واشترك الجميع في الطاعة العمياء لأحبارهم ورهبانهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله كما قال تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31].

وفي ذم التنطع قال صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون.. هلك المتنطعون.. هلك المتنطعون» قالها ثلاثاً، فالغلو والتشدد والتنطع سمات من كان قبلنا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم وقد قال تعالى في صفات النبي صلى الله عليه وسلم: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف:157].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري حينما أرسلهما إلى اليمن: «يسرا ولا تعسرا, وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا»، وفي الصحيح أنه أنكر على معاذ بن جبل صورة من صور المشقة التي قد تتعب العامة من المسلمين في الصلاة وهي أنه صلى صلاة العشاء فقرأ بسورة البقرة مما دعا رجل من الأنصار إلى ترك الصلاة خلفه فاتهم بالنفاق فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأنكر على معاذ وقال: «أيها الناس! إن منكم منفرين إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف».

ولكن يبقى معنا أن من تمسك بدينه عقيدة وعبادة وأخلاقاً وسمة مع التوازن والحكمة فإنه ما يقال له متطرف متشدد أو متنطع ولا إرهابي ولكن إذا ظهرت منه صور التطرف والتنطع والغلو نقول عنه ذلك.

ومن صور التطرف والغلو ما يلي:

الغلو في الأشخاص ورفعهم فوق منزلتهم إلى درجات وهمية كأن يعتقد فيهم أنهم يعلمون الغيب وأن عندهم علم الكتب السابقة وأن ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم فقد علموه وهذا بعض ما هو موجود في كتب الرافضة الإثني عشرية كما في كتاب الكافي وغيره من كتبهم.

الغلو في التكفير فمن كفر مسلماً بمجرد وقوعه في ذنب وهو لم يستحله فقد غلا ووقع في منهج الخوارج الذين يكفرون المسلمين، وأما من كفر من كفره الله ورسوله فلا حرج عليه.

الغلو في الرهبنة والانقطاع عن الدنيا بأن يحرم على نفسه الطيبات ويشق على نفسه بقيام الليل وصيام النهار وترك الزواج وأن يحقر من تاجر وعمل لدنياه.

ومن الغلو استباح الدم المخالف مسلماً كان أو كافراً؛ لأن الكفار فيهم تفصيل فلا يفهم أن كل كافر يقتل؛ لأن فيهم المحارب والمسالم والمعاهد ولابد من فهم من الذي يحق له القتل؛ لأن هذا حق لإمام المسلمين لا لأحد منهم سواًء كان في محيط الكفار أو محيط المسلمين، كما أن الذي يواجه الكفار هو الحاكم, صحيح أن الأمة تعيش في ظلم من الغرب وخنوع وذل لكن ليس العلاج أن ينطلق كل واحد من المسلمين في مواجهة الغرب منفرداً فهذا غير صحيح.

ومن صور الغلو والتطرف نظرة الغرب إلى المسلمين وحصر الإرهاب والتطرف والتشدد بالمسلمين مع أن الصور المذمومة موجودة عند اليهود والنصارى والهندوس والبوذيين وبعض المسلمين.

هل التطرف يخدم الإسلام أم يخدم الأعداء؟

إذا كان قد اتضح لنا أن الغلو والتشدد والتطرف تخالف سمات الإسلام فهذه المظاهر لا تخدم الإسلام فعلى سبيل المثال: الرافضة حينما يحتفلون في يوم عاشوراء يظهرون بمظهر مشوه للمسلمين وهو لا يخدم المسلمين بل ينقل للأعداء صوراً وحشية تشوه الإسلام.. فينقلها الأعداء من أجل تشويه الإسلام عند مجتمعاتهم.. فهو بطبيعة الحال يخدم الأعداء, وإذا سمع الغرب أن كل كافر يقتل بدون تفصيل.. فهذه صورة مشوهة.. وإذا سمعوا أن المسلمين يحرمون على أنفسهم التقدم التكنولوجي والصناعة فهذا يشوه الإسلام وينفر من الدخول فيه ولابد أن نعلم أن الغرب لو وصلهم الإسلام بصورته الصحيحة لدخلوا فيه أفواجا.

ولاشك أن هناك أسباب قد تؤدي إلى هذا التشدد والغلو منها قلة الفقه في الدين وكثرة المنكرات في الساحة التي تضيق بها صدور بعض الشباب المتحمسين فيحصل عندهم رد فعل ومنها الظلم الموجود في بعض البلدان الإسلامية.

والمعالجة لهذه الظاهرة في الفقه في الدين وأخذ الفهم الصحيح للإسلام كما كان عليه سلفنا الصالح عن طريق المشايخ والعلماء؛ لأن الذين أخذوا العلم من غير هذا الطريق نتج عنهم تصرفات فردية وتقصير وفهم خاطئ.

والخلاصة: أن الإسلام دين السماحة والاعتدال وأن التشدد والغلو وكما يقال التطرف منهي عنه شرعاً وأن الغلو قد وجد عند الملل والنحل الأخرى قبل الإسلام وعند اليهود والنصارى قديماً وحديثاً وأن من ذلك حصر التهمة من الغرب بالتشدد والتطرف للمسلمين فحسب وأنهم يغمضون العيون عن أخطائهم ويكبرون ذلك في حق المسلمين ولا أنكر أنه قد وجد غلو وتشدد عند بعض المسلمين كالخوارج في تكفير العصاة والشيعة في تعظيم أئمتهم والمطلوب الحوار والإقناع بالحجة ونشر العدل في الأرض والحريات المشروعة.

أثر التطرف على التنمية:

الذي يحرم على نفسه ومجتمعه التقدم التكنولوجي والصناعة والحضارة والذي يقتل السواح الأجانب ويفجر المباني والمنشآت ويغتال القادة بلا شك أنه يؤثر على التنمية لكن الأمة لابد أن تعرف أن التنمية لها علاقاتها بالدين ولها أصولها وأسسها فقد قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأعراف:96].

وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام:82].

كما أن السياحة إذا ضبطت هي من الأمور المباحة لكن لا شك أن الذين يأتون من الغرب قد تكون لهم نوايا خبيثة كالتجسس على المسلمين، فهذا من واجب الحكومة أن تتنبه له كما أنهم أن تحميهم لابد أن تراقبهم.

ولابد من الأخذ بالأسباب المادية لتكون الأمة قوية إيمانياً وأخلاقياً ومادياً صناعة وزراعة.

التطرف في الرأي:

بعض ما ينشر في صحف المعارضة فيه غلو وتطرف ومبالغة مثل إنكار إيجابية الآخر والدولة لحساسية مفرطة وتكبير أي خطأ يحصل والتهويل فيه، وأذكر هنا أني كنت أقرأ في صحف المعارضة أن الصحف الرسمية تكره آل البيت وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنها تحارب المذهب الزيدي والحاصل بعد القراءة للصحف الرسمية لم يوجد ذلك التهويل أو الاتهام وإنما حصل من خلال الفهم الخاطئ والتطرف في النقد.

والله الموفق..

بقلم

د. محمد بن محمد المهدي

عضو رابطة علماء المسلمين

السبت 28 / محرم / 1438هـ

29 / أكتوبر / 2016م