arrow down

ما تميَّز به الشيخ محمد سرور - رحمه الله  -

   توفّي هذا الأسبوع الشيخ محمد سرور بن نايف زين العابدين - رحمه الله تعالى - ، وقد أكثر الدعاة – جزاهم الله خيرًا – في ذكر فضائله ، وتعداد مناقبه – وهو جديرٌ بذلك - جزاه الله خير الجزاء عمّا قدّم للأمّة الإسلامية ..

لكن ثمَّة ملمحٌ مهمٌّ تميّز به الشيخ سرور ربّما لم يتعرّض له أحدٌ - فيما اطّلعنا - ..

وهو أنّ الشيخ - رحمه الله تعالى - تميّز  بأنّه يتكلّم في الوقت الذي تحتاج الأمّة فيه إلى من يتكلّم ..

في زمان كان الكثير من المشتغلين بالعلم يعلمون ما يعلمه الشيخ محمد سرور - رحمه الله تعالى - ..

ولقد كان الشيخ من المجاهرين الصادعين بالحقّ في وقت احتياج الأمّة له ؛ فكان ذا نصيبٍ كبير من مشابهة أحمد بن حنبل في هذا الجانب - وهذه مشكلةٌ قديمة بعد القرون المفضّلة - قلَّ مَن يصدَعُ بالحقّ إمّا أخذًا بالرُّخصة ، أو تضخيمًا لجانب الفتنة ؛ أو سوء تقدير للمصلحة والمفسدة .. إنّه لابدّ أن تبقى  ثُلَّةٌ من العلماء حاسرةُ الرؤوس تقول كلمةَ الحقّ بلا مواربة - وهذا هو مجال جهادِها - ترتقي به إلى درجة سيّد الشهداء حمزه - رضي الله عنه - .. لتظلَّ محافظةً على المبادئ. لقد كان محمد سرور - رحمه الله - من هؤلاء القلائل عبرَ التاريخ  ، ودفع ثمنَ قول كلمة الحقّ تشريدًا من بلده وأهله ، وكان رأسه مطلوبًا في عدد من العواصم العربيّة حتى وافاه اللهُ الأجلَ وهو في العاصمة القَطرية - الدَّوحة -. 

وفيما يلي نذكر للشيخ - رحمه الله تعالى-  مواقف ثلاثة عدَّلَ بها مسار وتاريخ الحركة الإسلاميّة المعاصرة وكان له فيها قصب السّبق وتتابعَ النّاس عليها من بعده :

الأول : كشف حقيقة الرافضة :

منذ ما يقرب من أربعين سنة قام الخميني بالثورة الإيرانية الباطنيّة الرافضيّة ، وانخدع بها عامّة الجماعات الإسلاميّة السُّنِّية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت حتى جلس تحت أقدام الخميني قادة بعض هذه الجماعات يلتمسون منه العلمَ والمشورة ، وتطلّع الشباب يومَها لمَقدَم ثورة الخميني لنجدة الشعوب المسلمة في كلّ بلاد المسلمين .. وسكت عامّة العلماء وقتَها، وكان النّاس في أشدّ الحاجة إلى مَن يُعرِّفهم بحقيقة حال هؤلاء الروافض الذين يعتمد دينهم أساسًا على التقية والمداهنة والخديعة .. فكان أن انبرى لهذه الفتنة الكبرى الشيخ سرور -رحمه الله تعالى - فصنّف كتابه المشهور  : " وجاء دور المجوس " ،  فعصم الله - عزّ وجلّ - بكتابه هذا عمومَ المسلمين من فتنةٍ عظيمةٍ لم يُعرَف خطرها إلا بعد مرور أعوامٍ متطاولة ، وقد كاد عموم الجماعات الإسلاميّة أن ينضمُّوا للخميني الضالّ المُضِلّ وكاد أن يكون قائدهم للفساد والإجرام ..

وحتى يعلم ويتصوَّر شباب أمّتنا اليوم خطورةَ الموقف يومَها ؛ فإنّ الشيخ محمد سرور لم يستطع أن ينشر كتابه : " وجاء دور المجوس " في طبعاته الأولى باسمه الحقيقي ، واضطرَّ لطبعه باسم مستعار هو : " عبد الله محمد الغريب " ؛ ليتجنَّبَ شرَّ الروافض الذي امتدّ ليصلَ إلى عامّة الدُّول الإسلاميّة وغير الإسلاميّة .. وقد قام الروافض بعدَّة عمليّات إجراميّة لاغتيال علماء أهل السنّة منها اغتيال الشيخ : إحسان إلهي ظهير - رحمه الله تعالى - ومعه تسعة من علماء السنّة بقنبلةٍ مؤقّتة أثناء إلقائه محاضرة في " جمعية أهل الحديث ندوة العلماء " في مدينة لاهور الباكستانيّة ، وذلك لأنّه كان قد صنّف عدّة كُتُب لكشف انحرافاتهم والتحذير من خطرهم ، وقد كان قبل اغتياله أقام الحُجّة على أحد المراجع الشيعيّة الكبار - حتى انقطع - وشهد الحضور بذلك . . 

الثاني : المزج بين الأصالة والمعاصرة :

  انتمى الشيخ سرور في بداياته لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا ، ثم ترك الجماعة في أواخر ستينيّات القرن الماضي الميلادي ، وكان من جهوده المباركة تأسيس مركز السنّة النَّبويّة الذي كانت تصدُر عنه مجلّة " السُّنَّة " .. ومن خلال جهوده تلك استطاع أن يَسُدَّ خُلّةً في الحركة الإسلاميّة المعاصرة ، وذلك بأن يمزج بين فهم الواقع وعلم السّلَف ، فأنشأ تيَّارًا إسلاميًّا جديدًا لطالما احتاجت إليه الأمّة لتتجنّبَ به سلبيّات الجهل بالواقع ، أو الجهل بمنهج السلف.. كما استطاع أن يُقدِّم رؤيةً سياسيّة من منظور أهل السنّة والجماعة لواقعِه فسَدَّ نقصًا في هذا الجانب لدى الحركة الإسلاميّة في وقتٍ مبكّر..

ثم تتابعت بعد ذلك جماعات من المسلمين على تصويب هذا الخطأ الذي ظلّ في الأمّة عقودًا تأخَّرت   الأمّة فيها عن الفهم الصحيح للإسلام ومنهج السنّة ..

الثالث : الوسطيّة والحفاظ على المنهج من الإفراط والتفريط :

كنتيجة وردّ فعلٍ لانحرافات الحكّام عن شرع الله - عزّ وجلّ - والمترَفين من المتحكّمين في أموال وخيرات الشعوب الإسلاميّة ; تنشأ طوائف من الغلاة من داخل شباب الإسلاميّين مثل : جماعات التكفير والتوقّف والتبيّن وغيرها .. واغترَّ الكثير من العلماء وطلبة العلم بصدق لهجة هؤلاء الغلاة وقوّة إيمانهم ؛ حتى طُبِعَت مؤلّفات لهؤلاء الغلاة تحت إشراف وعلى نفقة جامعات كبيرة ذات تاريخ سلفيٍّ عريق ..

 فكان من جهود الشيخ - رحمه الله تعالى - مصنَّفه الذي احتاج له المسلمون جدًّا وقتَها ، والمسمَّى بـ : " الحكم بغير ما أنزل الله ، وأهل الغلوّ " ؛ فكان هذا الكتاب - ومعه سلسلة مقالات ماتعة في مجلّة السنّة تناقش حزبَ الغلاة - عاملًا مؤثِّرًا لحماية عامّة الشباب من الانجرار إلى تلك الفتنة العظيمة - مع تنديده بالحكّام المبدّلين لشرع الله - ، ثمّ تتابع بعد ذلك العلماء في تصنيفاتهم وتحذيراتهم من خطورة هذا الغلوّ ..

 ومع ذلك فقد حافظ الشيخ - رحمه الله تعالى - على الوسطيّة وعدم الانجرار إلى ردود الأفعال العكسيّة التي تؤدّي إلى التفريط والإرجاء - العملي منه خاصّة - كما حدث من الكثير من المشتغلين بالعلم ؛ فرغم صحّة وجَودة التنظير العَقَدي للكثير من المشتغلين بالعلم نجدهم عمليًّا في جانب الإرجاء والتفريط ؛ وأما الشيخ - رحمه الله تعالى - فكان من أوّل مَن عمِلَ على الحفاظ على الوسطيّة ، ومن ذلك كتاباته في مجلة السنّة عن أولئك الذين أطلق عليهم : حزب الولاة ؛ في مقابلة حزب الغلاة ..

رحم الله الشيخ ورفع درجته في علِّيّين ونفع المسلمين بعلمه وجهوده .

بقلم

د. عبدالله بن فيصل الأهدل

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس 17 / صفر / 1438هـ

167 / نوفمبر / 2016م