arrow down

ظاهرية تتنزه عنها الظاهرية

عُرفت المدرسة الظاهرية في التاريخ الفقهي بأنها مدرسة ترفض تعليل الأحكام، والنظر إلى مقاصدها وغاياتها، وتجمد عند ظواهر النصوص وتفرغها من دلالاتها ومعانيها، وتمنع القياس عليها، وتنظر إليها نظرة تعبدية بحتة،  ما أنتج آراءً قمة في الغرابة والقبح أحياناً، ومن أشهر الأمثلة المستهجنة عند أصحاب هذه المدرسة كلامهم على حديث "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه" حيث قالوا : لو بال الشخص في قارورة ثم صبّه في الماء لا يشمله النهي، ولو بال قريباً من الماء ثم سار البول إلى الماء لا يشمله النهي، كما قالوا إن الإنسان إذا لم يُرِد أن يستعمل الماء فلا يشمله النهي، ونظراً لضيق عطن أصحاب هذه المدرسة وقصر نظرهم، وشذوذ آرائهم، لم يكتب لها البقاء طويلاً، وحبست أقوال أصحابها  في بطون الكتب القديمة، وما لم يكن متوقعاً أبداً أن تحيا هذه المدرسة ومنهجها الشاذ في عصرنا الحاضر ¬الذي شهد ويشهد حركة علمية قل نظيرها في التاريخ الغابر، لكن للأسف نبتت منذ فترة نابتة أخذت بمنهج  هذه المدرسة، ونشطت في الترويج لأحكام شاذة نسبتها إلى الدين والسلفية، وأحيت المدرسة القديمة حية جذعة بفارق : أن أصحاب  المدرسة الظاهرية القديمة كان دافعهم الى الجمود على النصوص تعظيمها والخوف من أن يلحقوا بالشريعة ما ليس منها، وكانت المسائل التي شذوا فيها تتعلق بالسلوك الفردي للمسلم، أما دافع الظاهرية الحديثة فهو الهوى والشهوة وحب الدنيا وممالأة الحكام وشذوذاتهم وأحكامه تتعلق بقضايا الأمة الكبرى في صراعها مع أعدائها،  وقد دفعني إلى كتابة هذه المقدمة حوار جرى بيني وبين أحد أنصار هذه المدرسة بشأن الأحداث في مصر حيث بادرني قائلا: ما رأيك فيما يفعله الإخوان في مصر من فوضى وشغب ورفض للخضوع للحاكم المتغلب على ما يقتضيه منهج أهل السنة والجماعة؟ ونقل لي قول ابن بطال رحمه الله الذي نقله عنه ابن حجر: "وﻗﺪ ﺃﺟﻤﻊ اﻟﻔﻘﻬﺎء ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺏ ﻃﺎﻋﺔ اﻟﺴﻠﻄﺎﻥ اﻟﻤﺘﻐﻠﺐ، ﻭاﻟﺠﻬﺎﺩ ﻣﻌﻪ، ﻭﺃﻥ ﻃﺎﻋﺘﻪ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﺨﺮﻭﺝ ﻋﻠﻴﻪ ﻟﻤﺎ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺣﻘﻦ اﻟﺪﻣﺎء ﻭﺗﺴﻜﻴﻦ اﻟﺪﻫﻤﺎء ...ﻭﻟﻢ ﻳﺴﺘﺜﻨﻮا ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺇﻻ ﺇﺫا ﻭﻗﻊ ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻄﺎﻥ اﻟﻜﻔﺮ اﻟﺼﺮﻳﺢ ﻓﻼ ﺗﺠﻮﺯ ﻃﺎﻋﺘﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺑﻞ ﺗﺠﺐ ﻣﺠﺎﻫﺪﺗﻪ ﻟﻤﻦ ﻗﺪﺭ عليه". وقال تعقيبا على ذلك: ألا ينطبق هذا النقل على ما جرى ويجري في مصر؟ يقصد وجوب طاعة السيسي المتغلب، فقلت: نعم ينطبق، لكن في شطره الأخير من حرمة طاعة السلطان، ووجوب مجاهدته عند القدرة على ذلك، لأنه قد ظهر منه الكفر الصراح والحرب على الدين ومظاهرة الكفار والاستماتة لنصرة دينهم ومنهجم العلماني، فقال لي: هل تكفر السيسي بعينه؟ ومن تجرأ من العلماء على تكفيره؟ وتكفير حسني مبارك من قبله؟ فقلت له: قد أتورع عن تكفيره بعينه حتى تقوم الحجة عليه، ونتأكد من زوال موانع التكفير، فوجد ضالته بكلامي هذا وقال: إذن ما دمنا لا نكفره بعينه فهو مسلم تجب طاعته ولا يجوز الخروج عليه، فقلت له: ولو هدم الدين وحارب أهله؟ قال نعم ما دمنا لم نكفره بعينه. فقلت له:

 أولاً: لا بد أن نقرر أن عدم التكفير العيني لمن يقع في الكفر ليس على إطلاقه بل يقال: نمتنع عن التكفير العيني ما دام  هناك شبهة من تأويل أو إكراه أو خطأ أو جهل فإذا لم يوجد عنده شيء من تلك الموانع فيما يرتكبه من كفر فيكفر عيناً، ثم حتى مع وجود الشبهة فلا يعني ذلك أن من يرتكب الكفر يبقى محصناً من الكفر العيني طول العمر، بل يمكن إقامة الحجة عليه وإزالة شبهته بوسائل متعددة  ثم نحكم عليه بالكفر العيني إن أصر.

ثانياً: الذي أعتقده وأدين الله به أن الحاكم المسلم إذا وقع منه كفر بواح فيشرع الخروج عليه ولو لم نحكم عليه بالكفر العيني، وذلك للأدلة التالية:

1- ظاهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم "ما لم تروا كفرا بواحا" حيث علق مشروعية الخروج على الحاكم على رؤية الكفر البواح وهو وصف ظاهر منضبط، ونحن رأينا من السيسي والانقلابيين الكفر البواح قولاً : بتصريحهم أنهم يريدون علمنة الدولة وإلغاء كل مواد فيها إشارة إلى مرجعية الدين، وفعلا : بإقفالهم للقنوات الدينية وحربهم على مظاهر التدين وقصفهم للمساجد وقتلهم للمصلين وتدنيسهم للمصاحف، ولم يقل الحديث: لا يحل لكم الخروج عليه حتى تكفروه كفرا عينياً بل متى رأيتم الكفر البواح منه قاوموه.

2- قوله صلى الله عليه وسلم في المنع من الخروج على الحكام "ما أقاموا فيكم الصلاة" فعلق جواز الخروج عليهم على تركهم للصلاة وعدم إقامتها ولم يشترط الحديث معرفة اعتقاد الحاكم هل يستحل ترك الصلاة أم لا ، بل متى أهمل إقامة الصلاة أو عطلها  جاز الخروج عليه، فكيف بمن يحارب الشريعة جملة واحدة وينشر العلمنة ويستحل الحرام؟ لا شك أن ذلك أعظم من مجرد التقصير في إقامة الصلاة.

3- الحكم والولاية في الاسلام شعيرة دينية بالدرجة الأولى، وبقاء الحاكم وشرعيته مستمدة من تعظيمه للدين، فإذا هدم الدين وحاربه فقد  فقد مبرر ولايته وسلطته، ولذلك فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الحاكم الفاسق والحاكم الكافر في مسألة الخروج، لأن الفاسق رغم فسقه يبقى معظما للدين حاميا لعقيدة المسلمين حافظا لبيضة الإسلام والمسلمين،  أما الحاكم الكافر فلا يهمه أمر دين الناس ولا تعنيه عقيدتهم، لذا شرع الخروج عليه، فكيف إذا حارب الدين وعمل على إفساد عقائد المسلمين كما هو حال الانقلابيين في مصر.

 4- مسألة مشروعية الخروج على الحاكم مسألة معقولة المعنى ومعللة في الشرع، وليست مسألة تعبدية لا نعرف حكمتها ولا مقصود الشرع منها، وعلتها هنا الحفاظ على الدين، فحيث بقي الحاكم مظهرا لشعائر الاسلام مقيما لها لم يجز الخروج عليه والعكس صحيح، والقول بعدم جواز الخروج عليه مع إظهاره للكفر حتى يكفر عينا يعطل مقصود الشارع بل يقلبه.

 5- من يقرأ كلام العلماء في مسألة الخروج على الحاكم لا يساوره أدنى شك في أنهم يتطلعون إلى قضية إقامة الدين حتى إن بعض العلماء ذهب إلى مشروعية الخروج على الحاكم الجائر والمبتدع ولو لم يصل إلى الكفر وذلك لإخلالهم القيام بالمقصود من الولاية،  ومن هؤلاء العلماء ابن عقيل وابن الجوزي وابن رزين وأحمد في رواية عنه كما ذكر المرداوي في الانصاف.

 6- الحكم اليوم لم يعد حكما فرديا بل حكم أحزاب ومؤسسات وهيئات ومنظمات تتقدم إلى الحكم وفق برامج ومشاريع، ومجلس الحكم الانقلابي في مصر ليس السيسي وحده، بل يجمع النصراني والرافضي والعلماني والملاحدة، فالخروج عليهم ليس خروجا على شخص السيسي بل على مشروع الكفر الذي يقوده السيسي مع أنه يقال: إن حمدي منصور  الرئيس المؤقت نصراني، وهذا لا يحتاج الخروج عليه الى التكفير العيني بل هو كافر كفراً أصلياً.

 فانتقل إلى الحديث عن وقوع مرسي في الكفر لكونه صرح بقبول الديمقراطية والدولة المدنية فأجبته:

والله إنه لمن الظلم المبين، والحيف الكبير، المساواة بين مرسي وعصابة المجرمين بقيادة السيسي، قال تعالى "أفنجعل المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون"، فمرسي صاحب مشروع إسلامي مهما بلغت به أخطاؤه تبقى مرجعيته الشريعة وسقفه الكتاب والسنة،  وقام خلال الفترة التي حكم فيها بالعمل قدر استطاعته على تخفيف الشر الذي ورثه عمن سبق من حكام، كان كل همهم استرضاء أعداء الإسلام، وتغريب الشعب المصري وتغيير هويته الإسلامية ونشر الفساد والاباحية في أوساطه، وقد رأينا كيف خاض معركة تغيير الدستور المصري، وتعديل مواده لجهة جعل الشريعة المصدر الأساسي للتشريع، وتقليل ما فيه من ضرر، ما دفع كبار العلماء في مصر وغيرها للطلب من المسلمين المصريين التصويت بنعم، وأغضب هذا النصارى والعلمانيين ومن يقف خلفهم، وشجع مرسي التدين ومظاهره فارتاحت الدعوة والدعاة من ملاحقة أجهزة الامن السابقة وملاحقاتهم، وسمح لأفراد القوات المسلحة بإطلاق اللحية وللنساء الموظفات في أجهزة الحكومة بالحجاب، وفك الحصار عن قطاع غزة، واجتهد في دعم الثورة السورية، ويكفيه فخراً خطابه الأخير بشأن الثورة السورية، وتشجيعه الناس على دعمها بكافة السبل، وأغلق مكتب السفارة السورية التابعة لنظام بشار المجرم، وسلمها للمعارضة. هذا عدا عن تدينه الشخصي وزهده وإخلاصه لمصلحة مصر وأهلها، وما صرح به  من قبول بالديموقراطية فواضح أنه يريد الديقراطية كآلية وليس كفلسفة، وجل الإسلاميين شارك في العملية السياسية على على هذا الأساس، ومن أنها أهون شراً من الديكتاتورية والاستبدادن ولا شك أنه وقعت منه ومن حزبه أخطاء لكن لا ترقى الى مقارنته بمن لم يقم بانقلابه إلا على أساس حرب الدين وأهله.

بقلم

د. عدنان أمامه

عضو رابطة علماء المسلمين

الثلاثاء 7  / ربيع الأول / 1438هـ

6 / ديسمبر / 2016م