arrow down

الاحتفال بالمولد النّبوي الشّريف بين الابتداع والاتباع

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أكمل الله على يديه الدين، وأتمَّ به النعمة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 أمَّا بعد..

فإن خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة ضلالة.

 مع إطلالة كل عام هجري أضحى من الواجب على أهل العلم وطلابه أن يذكّروا إخوانهم المسلمين بأمر لا يُعين عليه إلا الله، فقد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، حتى حسبوه ديناً لا يرون الحق غيره، ألا وهو الاحتفال بمولده الشريف صلى الله عليه وسلم، في ربيع الأول من كل عام؛ وذلك لأن الذكرى واجبة، نفعت أم لم تنفع، معذرةً إلى الرب ولعلهم أو بعضهم يتقون.

 وقبل الشروع في المقصود، وهو بيان حكم الشرع في هذا العمل، هناك تمهيدات ومقدمات لابد من التنبيه عليها، والإشارة إليها، لصلتها الوثيقة باستيعاب حكم الشرع في هذا العمل، فأقـول وبالله التوفيق:

المقدمة الأولى

 ما حقيقة محبة الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم؟ وما علامة ذلك؟

 حبُّ الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان وبغضه كفر ونفاق، بل لا يكتمل إيمان العبد حتى يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ماله، وولده، ونفسه التي بين جنبيه، كما قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه .

 لقد بين الله سبحانه وتعالى حقيقة هذه المحبة ودل على علامتها، حيث قال: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم" [آل عمران: 31.] سواء كان سبب نزولها كما قال ابن جرير يرحمه الله: (أنزلت في قوم قالوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا نحب ربنا" فأمر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: إن كنتم صادقين فيما تقولون، فاتبعوني، فإن ذلك علامة صدقكم فيما قلتم من ذلك)، أوكانت نزلت في وفد نجران ـ كما ذكر ـ الذين قدموا عليه من النصارى: (إن كان الذي تقولون في عيسى من عظيم القول، إنما تقولونه تعظيماً لله وحباً له، فاتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم) [تفسير الطبري بتحقيق محمود و أحمد شاكر جـ6/صـ322-325.].

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره [صـ105.]: (هذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى مجردة، فعلامة محبة الله اتباع محمد صلى الله عليه وسلم الذي جعل متابعته، وجميع ما يدعو إليه طريقاً إلى محبته ورضوانه، فلا تنال محبة الله ورضوانـه وثوابه إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما).

وقال الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير له [جـ1/ 241.]: (هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي، في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدّ" متفق عليه؛ ولهذا قال: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله"، أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِب إنما الشأن أن تُحَب).

 فحقيقة وعلامة محبة الله ورسوله هي اتباع أوامرهما، واجتناب نواهيهما؛ فالحب الوجداني وحده لا يكفي، على الرغم من أهميته، ما لم يكن مقروناً بحب الإتباع والانقياد والطاعة له صلى الله عليه وسلم، بأبي هو وأمي؛ إذ لو كان وحده كافياً نافعاً لنفع أبا لهب الذي أعتق جاريته ثويبة لأنها بشرته بولادة محمد صلى الله عليه وسلم، ولنفع أبا طالب في الخروج من النار، فقد كان محباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حامياً له، بله مادحاً له ولدينه.

 ومن العجيب الغريب قصر البعض، هدانا الله وإياهم سبل السلام، محبته صلى الله عليه وسلم على هذا الحب الوجداني، متمثلاً في إنشاد وتلحين القصائد والمدائح، التي لا تخلو غالباً من الغلوّ إن سلمت من الشركيات، والرقص والتواجد، وإحياء الحوليات، والاحتفال بالمواليد، بل لقد بلغ الغرور ببعضهم أن يحكم على من لا يقرّهم على ذلك، ويشاركهم فيه، ويمارسه معهم، بأنه لا يحب الرسول صلى الله عليه وسلم!! وهذا لعمرالله من الافتراء المبين، والظلم المشين، والغرور اللئيم، حيث قلبوا الموازين، وافتروا على رب العالمين، وتلاعبوا بسنة سيد المرسلين، وأجحفوا في حق إخوانهم في الدين، حيث جعلوا البدعة سنة، والمنكر معروفاً، والباطل حقاً.

المقدمة الثانية

هل هناك بدعة حسنة محمودة، وأخرى سيئة مذمومة؟ اعلم أخي الحبيب، وفقني الله وإياك، أن البدعة في الاصطلاح تنقسم إلى ثلاثة أنواع هي [انظر الاعتصام للشاطبي جـ1/287.]:

بدعة لغوية

وهي كل أمر حادث ، سواء كان في العادات أوالعبادات، نحو اختراع الساعة، والسيارة، ومُكبّر الصوت، وما شابه ذلك، وهي من المباحات.

بدعة شرعية

وهي كل أمر مُحدث ليس له أصل في الدّين يُراد به التقرب إلى الله عز وجل، فهي خاصة بالعبادات، نحو البناء على القبور، والسماع الصوفي، وما شابه ذلك.

بدعة إضافية

 وهي أن يكون أصل العمل مشروعاً، ولكنه عُمِل بكيفية غير مشروعة، نحو: الذكر بالاسم المفرد "الله، الله" أو"هو، هو"، وما شابه ذلك.

والذي يعنينا هنا هو البدعة الشرعية، وهل فيها حسن وقبيح؟

اعلم أخي الموفّق إلى كل خير أن البدع كلها سيئة وباطل، وإن كانت متفاوتة في السوء، فمنها ما هو كفر، ومنها ما هو حرام، ومنها ما هو مكروه؛ وكلها مردودة على صاحبها، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإليك طرفاً من الأدلة على ذلك:

o    حديث عائشة في الصحيح ترفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ"، متفق عليه؛ وفي رواية لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ"، فالمخترِع للبدعة والمقلّد له فيها سواء، وقد عدَّ العلماء هذا الحديث من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم.

o    حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: "... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عُضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة ضلالة" [أخرجه أهل السنن ، أبو داود رقم " 4607" والترمذي رقم " 2678" وقال: حديث حسن صحيح.].

وكلمة "كل بدعة" نكرة في صيغة العموم، تشمل كل بدعة صغيرة كانت أم كبيرة، جليلة كانت أم حقيرة، سواء كانت قولية، أوعملية، أواعتقادية.

o    حديث جابر في خطبته صلى الله عليه وسلم: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" [مسلم رقم " 867".].

o    قوله عز وجل: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" [المائدة : 3.]، فالدين قد تمّ وكمُل، وماذا بعد التمام والكمال إلا النقص والخسران؟

ولهذا قال الإمام مالك: "ما لم يكن في ذلك اليوم ديناً فلن يكون اليوم ديناً"، وقال: "من زعم أن الدين لم يكتمل فقد زعم أن محمداً خان الرسالة".

ويتشبث البعض في تقسيم البدع إلى حسنة وقبيحة ببعض الشبه، ويتذرع ببعض الآثار والأقوال نشير إليها مع دحضها، نحو:

o    قوله صلى الله عليه وسلم: "من ابتدع بدعة ضلالة"، أُخِذ منه بمفهوم المخالفة الذي يقول به بعض الأصوليين أن هناك بدعة حسنة؛ وكلمة ضلالة هنا لا مفهوم لها كما لا مفهوم لكلمة "أضعافاً مضاعفة" في قوله تعالى: "لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة" الآية.

قال الإمام الشاطبي رحمه الله رادّاً لهذه الشبهة ودافعاً لها: (... الإضافة فيه لا تفيد مفهوماً وإن قلنا بالمفهوم على رأي طائفة من أهل الأصول ـ فإن الدليل دلّ على تعطيله في هذا الموضع كما دلّ الدليل على تحريم قليل الربا وكثيره، فالضلالة لازمة للبدعة بإطلاق بالأدلة المتقدمة، فلا مفهوم أيضاً) [الاعتصام للشاطبي جـ1/185.].

o    قوله صلى الله عليه وسلم: "من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة عليه وزرها و وزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" [مسلم رقم [705]، [2059].].

فقد قال صلى الله عليه وسلم ذلك عندما حثَّ على الصدقة المشروعة على بعض المجهدين من الأعراب، فسارع إلى ذلك أحد الأنصار فجاء بصرَّة كادت يده تعجز عنها بل عجزت ـ كما في الحديث ـ فتتابع الناس على الصدقة حين رأوه، فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك وقال: "من سنّ في الإسلام.." الحديث.

فمراد الحديث: من أحيى في الإسلام سنة قد أميتت، لا أن يُحدث فيه أمراً جديداً لا أصل له.

o    قول عمر رضي الله عنه عندما جمع الناس في صلاة القيام على أُبَيِّ بن كعب وقد كانوا يصلونها جماعات متفرقة، فدخل المسجد و سره اجتماعهم: "إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة هي".

فالمراد بالبدعة هنا البدعة اللغوية لا الشرعية، إذ صلاة القيام جماعة لها أصل في السنة، فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يومين أو ثلاثة، وعندما اجتمعوا له بعد ذلك لم يخرج عليهم خشية أن تُفرض عليهم، وكان  صلى الله عليه وسلم يحب التخفيف على الأمة، بجانب أنها من عملِ عمر وعملُ عمر سنة يُقتدى بها، قال القحطاني رحمه الله في نونيته:

    وصيامنا رمضان فرض واجب    وقيامنا المسنون في رمضان

    صلى النبي به ثلاثاً  رغبـــــــة        وروى الجمــــاعة أنها ثنتان

    إن التراوح راحــة في  ليــلــــه       ونشاط كل عـويجز كســـلان

    والله ما جعل التراوح منـكــــراً        إلا اليهـود وشيعة  الصلبــان

o    زعم بعض أهل العلم ـ القرافي وابن الصلاح رحمهما الله ـ أن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة، وهذا وهم منهما وممن قلدهما، والله يتجاوز عنا وعنهما، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم مهما كانت منزلة القائل.