arrow down

رأيٌ حول اجتماع الفصائل الموعود..

أعلن مؤخرا عن عزم بعض الفصائل الكبرى في الساحة السورية الاجتماع في جيش واحد وقيادة واحدة، من هذه الفصائل: (أحرار الشام، وفتح الشام المعروفة سابقا بجبهة النصرة) وقد اختلفت أراء الناس في هذا الاجتماع، وهذا رأيٌ أدلي به في هذه المسألة لعله يُستأنس به، فأقول والله المستعان:

1-الاجتماع واجب والفرقة محرمة، ودلائل ذلك وافرة من الكتاب والسنة وعمل سلف الأمة وعلمائها، فإذا كان الاجتماع في السلم والأمن واجبا فكيف هو في حال الحرب والبلاء، لا أشك أنه أشد وجوبا وآكد، ولذا كان أول عمل قام به خالد بن الوليد رضي الله عنه لما قدم الشام من العراق ورأى الجيوش الإسلامية متفرقة هو جمعهم في جيش واحد، وشعبنا الآن يدرك تماما الحاجة الملحة إلى الاجتماع في إصلاح دينه ودنياه.

إن اجتماع هذه الفصائل مطلب طالما انتظرناه ودعونا الله عز وجل أن يهيء أسبابه ودواعيه.

2-بحسب ما اطلعت عليه من مواقف الناس من هذا الاجتماع الموعود، فإنَّ الناس فيه على طرفي نقيض ، قوم فرحوا به ورحبوا به كيفما وقع، وآخرون حذروا منه وعدوه اجتماعا مشؤوما، وصدق من قال: كلا طرفي قصد الأمور ذميم.

3- من حجة من كره هذا الاجتماع أنه كمن يمد عنقه إلى محكوم عليه بالإعدام كي يقتل معه، في إشارة إلى جبهة النصرة فهي وإنْ غيرت اسمها إلا أن الغرب لم ولن يتقبلها وهو حكم بكونها إرهابية، نظرا لجذورها القاعدية.

4- مناقشة هؤلاء الذين حذورا من هذا الاجتماع الموعود في أمور ، منها:

الأول: أنَّ شعبنا والثوار قد جربوا الغرب طيلة سني هذه الثورة فلم يجدوا منه إلا التآمر والغدر والخيانة، لذا صار التوجه العام عندهم عدم المبالاة والاكتراث بهم، والعجيب أن هذا التعليل هو منطق بعض المشايخ الذين ما زالوا يتعلقون بأوهام النجدة الغربية، وليس بتعليل عوام أو ليبراليين، وأنا على يقين أنَّ الشعب السوري في الداخل لا يقيم لهذا التعليل اعتبارا، لأنَّ مصلحته اليومية تؤكد على اجتماع هذه الفصائل مهما كانت، فقد عانى الشعب طويلا من تعدد المحاكم واختلاف نقاط التفتيش، وفوضى الشرعيين والأمنيين، فهو في أمس الحاجة إلى أن يجمع بين الطم والرم والبحر والبر ليخفف عنه المعاناة المعيشية في بعض جوانبها.

الثاني: أن الاجتماع واجب شرعي، ولا يمكن ترك واجب متعين قد ترتَّب على تركه فساد عظيم طيلة سنوات الثورة لأجل مخاوف من أن يحكم الغرب على جميع فصائل الثوار بالإرهاب، وترك الواجب بالتذرع بالسياسة هدم للدين، إذ يمكن نقضه كله على هذا المبدأ، مع أن مسلسل إملاءات الغرب لا ينتهي، فهم (ودوا لو تدهن فيدهنون)، هذا مع أن الوقائع تشهد أن الغرب ليس لديه مشكلة حقيقية مع الأيدلوجيات بحد ذاتها، بقدر ما هو يبني سياساته مع الآخرين بحسب قوتهم أو ضعفهم، فهو مستعد للتفاوض مع أشد التيارات تطرفا إذا كانت قوية، في حين يدوس على أشدها علمانية إذا كانت ضعيفة ولا يقيم لها وزنا إذا تعارضت مع مصالحه..نعم سيكيد لأعدائه ولا شك كما يكيد لتركيا حاليا!

الثالث: لا يمكن ترك أبناء الشعب السوري في جبهة النصرة -وهم يمثلون جل أفرادها- خارج هذا الاجتماع، فإن ذلك سيوغر صدورهم وينمي الشعور لديهم بغربة الدين، مما يأزهم إلى الغلو وتبني الفكر الداعشي منهجا، وصاحب البيت مطلوب منه أن يسوس أهله بيته وأن يقدم مصلحتهم على مصالح الآخرين.

5- وفي مناقشة الذين رحبوا بالاجتماع بعُجُره وبُجره أمور كذلك، منها:

الأول: إن الثورة السورية قد جربت الاجتماع من قبل، فكانت نتائجها على الضد، مزيدا من الفرقة والعداء والشحناء، لأنها لم تكن مبنية على أسس صحيحة، وإنما كانت دعوى بلا حقيقة.

الثاني: إن اختلاف الأفكار والمناهج بين الفصائل سيكون عائقا دون الاجتماع الحقيقي المنشود من الأمة، فأول خطوات الاجتماع هو اجتماع الأفكار قبل الأجساد، وهذا متعذر ولا سيما من جهة جبهة النصرة الملتزمة بمرجعيتها الخاصة وبشرعييها ومفتيها.

الثالث: لا يستطيع أحد أن ينكر أن بعض الفصائل –وعلى رأسها جبهة النصرة-فيها عناصر تحمل أفكارا منحرفة، تقارب فكر الخوارج الداعشية أو تماثلها، وهذه العناصر مؤثرة بصنع القرار فيخشى من التأثير السلبي على الكيان الجديد، ولا أبرئ بقية الفصائل، ففي كل قوم بنو سعد..

إلى غير ذلك من المخاوف المشروعة التي يحمل همها كل غيور وعالم رباني..

6- لذا أقول: إنني لا أؤيد أصحاب القول الأول ولا أصحاب القول الثاني:

ولكنني أدعو إلى موقف وسط تتحقق فيه المصالح المرجوة من الاجتماع، وتُدرأ فيه المفاسد المخوفة منه، موقف يجمع الفصائل كلها، بما فيها جبهة النصرة، إذ لا يجوز لنا أن نترك أبناءنا فيها على ما هم عليه، وإلاَّ فإنَّ الكيان الجديد لو وُلد والنصرة خارجه سيكون كالند لها، وسنبقى في حالة التشتت، وعلى حد المثل السوري: كأنك يا أبو زيد ما غزيت!

لذا فإنني أدعو العلماء والمفكرين والمجالس الشرعية إلى الاجتهاد في إيجاد آلية صحيحة تحقق الاجتماع الصحيح، ولنستغل هذه الأجواء التي تعيشها الفصائل بعد كارثة حلب، فإن الفصائل إذا لم تجتمع الآن ولم يسهم أهل العلم والخبرة في جمعهم لن تجتمع في ظروف أخرى!

وعلى المشايخ تجاوز مشاكلهم الخاصة مع بعض الفصائل، فقد لحظت من خطاب بعض المشايخ خروجا عن الموضوعية، وإبرازا لأحقاد ودفائن، لا ينبغي للعلماء أن يتصفوا بها سواء نحو هذا الفصيل أو ذاك..

وعلى المشايخ والعلماء الاشتغال بتصحيح الوضع بدلا من تهويله والتمسك بأحد الطرفين، فإن الاجتماع لو قام على أسس غير صحيحة أضر بالشعب، ولو بقي الحال على ما هو عليه من التشتت والتشرذم فالله وحده يعلم أين ستكون وجهة الباصات الخضر في المرحلة القادمة

7-بناء على ما تقدم فإنني أقدم هذا التصور المبدئي لاجتماع أظنه صحيحا مساهمة مني في الدعوة أعلاه، ولعله يشجع العلماء والمفكرين على المساهمة في ذلك.

فأقول:

أولا: يجب أن تلغى المسميات السابقة بالكلية، وذلك بإعلان من قادتها.

ثانيا: تحل مجالس شورى الفصائل المجتمعة.

ثالثا: تنفك بيعات الجنود للمسميات القديمة.

رابعا: يجب ألا تكون المناصب في التجمع مبنية على المحاصصة، فإن المحاصصة ستفسد الاجتماع قريبا أو بعيدا.

خامسا: اختيار قيادات غير التي كانت تقود المرحلة السابقة، ففي ذلك ضمانة لسلامة التجمع من جهة، ومن جهة أخرى أنفى للتهم السابقة، وما أصعب هذا على النفوس.

سادسا: إلغاء كافة المحاكم التابعة للفصائل.

سابعا: تكوين مجلس شرعي بالتزكية من علماء سوريين مشهود لهم بالرسوخ في العلم من الداخل والخارج يتولى مهام اللجان الشرعية ومجالس الشورى سابقا.

ثامنا: تكوين مجلس قضاء تكون مهمته مهمة قاضي القضاة سابقا، فهو يتولى تعيين القضاة وفض النزاعات على أن تطوى النزاعات القديمة أو تؤجل إلى وقت لاحق..

قد أكون موغلا في الخيال لحظة كتابة هذا التصور، لكني على يقين أنه سيتحقق بشرط واحد من قادة الفصائل: هو طرح حظوظ النفس جانبا، والتأسي بسلفنا الصالح، فإذا صدقوا الله سيكونون كخالد بن الوليد، فمن قائد للجيوش المظفرة في العراق والشام إلى جندي في الجيش نفسه دون أن يجد في نفسه غضاضة..

قلتُ ما أعلمه والله أعلم.

بقلم

د. أحمد بن فارس السلوم

عضو رابطة علماء المسلمين

الاثنين 20 / ربيع الأول / 1438هـ

19 / ديسمبر / 2016م