arrow down

مقتلُ السفير الرُّوسي ..

 بعيدًا عن الجدَل في حكم قتل السفير الرُّوسي في تركيا - الذي امتلأ به فضاءُ المواقع الإلكترونيَّة -  ومَن يقف وراء هذه العمليَّة , هل هي مخابرات دولة أجنبيَّة , أو جماعة فتح الله كولن , أو عملٌ فردي .. فقد توقَّع بعض المحلِّلين في أنحاء العالم ردًّا عنيفًا يتَّخذه بوتين ، وأنَّ العلاقات الديبلوماسيَّة الروسيَّة التركيَّة قد انتهت بحرب وشيكة ؛ وشدَّد بعضهم على أنَّها بداية الحرب العالميَّة الثالثة ..

ولكنَّ ما حدث هو أنَّه لم تمضِ سوى ساعاتٍ قليلة حتى صدرت البيانات الرسميَّة الروسيَّة لتكشف عن أنَّها جريمةٌ سياسيَّة تستهدف العلاقات المميَّزة بين تركيا وروسيا ، وأنَّهم لن يسمحوا للإرهاب باستثمارها ، هكذا قالت الخارجيَّة الروسيَّة ، ثم كانت المفاجأة أن قاله بوتين شخصيًّا - رغم أنه يبذل مجهودًا ضخمًا ليكون مرهوبَ الجانب مهابًا داخليًّا وعالميًّا -..

فوجئ  الكثيرون بهدوء بوتين الشديد في مواجهة الحدث ، وردُّ فعله الذي وُصِفَ بأنَّه متعقِّل..

هذا التعقُّل  الظاهري - افتقده بوتين قبل أشهر قليلة عندما أسقطَت القوَّاتُ التركيَّة طائرةً اخترقت المجال الجوي التركي . 

 إنَّ تعقُّل بوتين ما كان ليحصل إلا مقابل منفعةٍ ضخمةٍ - فالمقتول سفيره المقرَّب إليه شخصيًّا - .. وقد كان بالفعل من ورائه منافع متعدِّدة  ؛ منها : الحصول على التنازل التُّركي عن تنحية بشار ..

فعَقِب هذا التعقُّل المريب بقليل يصرِّح وزير الخارجيَّة الروسي "سيرجي لافروف" للصحفيين في موسكو :

 إنَّ روسيا وإيران وتركيا يتَّفقون على أنَّ الأولوية في سوريا هي محاربة الإرهاب وليست الإطاحة بحكومة الرئيس بشَّار الأسد ..

وكان "لافروف" يتحدَّث بعد اجتماعٍ عقدَه مع نظيرَيه الإيراني والتركي في موسكو .

وعقد وزير الدِّفاع الروسي "سيرجي شويجو" اجتماعًا مماثلًا - في نفس الوقت والمكان - مع نظيرَيه الإيراني والتركي أيضًا ..

وقالت الوثيقة التي سمَّاها وزير الدفاع الروسي : " إعلان موسكو " : إنَّ الدول الثلاث على ثِقَةٍ من أنَّها تستطيع إحياء عمليَّة السلام المحتضرة ، وأنَّ إيران وروسيا وتركيا على استعداد لتسهيل صياغة اتِّفاق يجري التفاوض عليه بالفعل بين الحكومة السورية والمعارضة وأن تُصبحَ الضامنَ له .

وحتى نتصوَّر حجمَ المسألة يجب أن نعلم أنَّ الموقف التركي خلال أعوام الثورة السوريَّة الستِّ كان مصمِّمًا على جعل الأولويَّة في الحرب على الأرض السوريَّة هي تنحية المجرم النُّصَيري بشَّار ..

وأيًّا كان الحال ؛ سواء كان الاتفاق الجديد مع تركيا مُعَدًّا له قبلَ قتل السفير الروسي ؛ فأراد بوتين بتعقُّله الحفاظَ عليه ، أو كان غير ذلك .. فإنَّ الرابح الأوَّل من هذه العمليَّة هو روسيا والباطنيَّة " إيران وبشار " :-

1- فقد تحوَّلت روسيا وبوتين - بفضل الهدوء - على المستوى الدَّولي إلى ضحايا متعقِّلين محافظين على ضبط النفس ؛ بعد أن كان اسمهم – هم والروافض والنُّصَيريَّة - مقرونًا بالإجرام والوحشيَّة وقتل المدنيين والنِّساء والأطفال وتدمير المساجد والمدارس والمستشفيات على صفحات الصحف وعموم أجهزة الإعلام ..

2- ترسيخ بوتين لنفوذ بلاده المتنامي في الشَّرق الأوسط - وعلى نطاق أوسع - والفوز بتواجدٍ ونفوذٍ حقيقيٍّ على الأرض .. فقد ضمن سكوت َكافَّة دول المنطقة خوفًا من اتِّهامها بالضُّلوع في قتل السفير الروسي ، وبالتالي الضُّلوع في تفجير حربٍ إقليميَّة أو عالميَّة ثالثة -والتي ستلحق العار بمن كان سببا في تأجيجها لقرون التاريخ القادمة - ..

3- ومن مكاسب التعقُّل الروسي أيضًا ما جاء في إعلان موسكو أيضًا : تدعو إيران وروسيا وتركيا  كلَّ الدول الأخرى التي لها نفوذ في الوضع على الأرض السوريَّة أن تقوم بالمثل ( المساعدة في إبرام الاتِّفاق بين الحكومة السوريَّة والمعارضة .. ) .

فهم لم يكتفوا بتنازلات تركيا ؛ بل يطالبون ثمنًا لتعقُّلهم تنازلات من كافَّة الدول المشاركة في تقويض حكم بشار .. وكلُّ ذلك - في الحقيقة - يصبُّ في مصالح إيران الروافض - الرابح الأكبر من قتل السفير الروسي - ..

وتُعتبَر تركيا أردوغان الخاسر الأكبر من عمليَّة مقتل السفير , فهي طعنةٌ سياسيَّة للرئيس التركي رجب طيِّب أردوغان وحلفائه جميعًا ، وتمثل ضغطًا سياسيًّا رهيبًا عليه ، وتجعله في مواجهة الدِّفاع عن النَّفس لفترةٍ قد تطول ..

 ومن أوَّل مظاهر هذه التنازلات والهزائم التركيَّة - إن صحَّ التعبير - هو اللُّغة السياسيَّة الودودة الـمُرضيَة لروسيا ، والمسارعة في الإعلان عن استقبال وفدٍ أمنيٍّ روسيٍّ للمشاركة في التحقيقات الجارية بشأن العمليَّة ، والإعلان عن إطلاق اسم السفير المقتول على الشارع الذي وقع فيه الحدَث .. فأصبحت تركيا أردوغان في موقف لا تُحسَدُ عليه وما أرى ذلك إلا عقوبةً إلهيَّةً لتخلِّيها عن نُصرة حلب , وتراجعها في نصرة الشَّعب السُّوري المسلم المظلوم - وهي قضيَّة عادلة - أقول هذا ؛ وأنا أعلم الضغوط الهائلة التي تمارَس على تركيا , فالمسلمون أمَّةٌ واحدةٌ تتكافأُ دماؤُهم وهم يدٌ على مَن سواهم , ويسعى بذمَّتهم أدناهم .. قال تعالى : { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [ السجدة/21] , بل ربَّما يكون مقتل السفير بدايةَ عقوبةٍ إلهيَّة شاملة لأمم الأرض - بما فيهم الأمَّة السُّنِّيَّة - لتخلِّي الجميع عن نُصرة الشَّعب السُّوري المظلوم . قد تأخذ هذه العقوبة شكلَ حربٍ إقليميَّةٍ شاملة - نعوذ بالله من ذلك - أو حتى حربٍ عالميَّةٍ ثالثة , أو انهيارٍ اقتصاديٍّ عالَميٍّ يتضرَّر منه الجميع , فنحن لا ننسى أنَّ الذي أشعل الحربَ العالميَّة الثانية مقتل وليَّ العهد النَّمساوي على يدِ شابٍّ صربيٍّ , ولا ننسى أيضًا أنَّ الذي أشعل الثَّورة التونسيَّة هو إحراقُ "بوعزيزي" نفسَه , ومن ثمَّ ثورات الربيع العربي ؛ بل الثورة السوريَّة هذه سببُ إشعالها أطفالٌ وفتيةٌ صغار .. فالأمر كما قال القائل : " فمُعظَم النَّار من مستصغَر الشَّرَرِ " .  إنَّ الاحتقان موجود , والثورة السوريَّة لن تنتهي و بشَّار موجود , لأنَّها ثورة شعب , قدَّم ستَّمائة ألف شهيد , وثمانية ملايين مشرَّد .

وصدق اللهُ إذ يقول : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال / 73] .  

نصرَ اللهُ دينَه وأعزَّ جندَه , وردَّ ضالَّ المسلمين إلى الحقِّ , وهزمَ الكافرين شرَّ هزيمة ..

بقلم

د. عبدالله بن فيصل الأهدل

عضو رابطة علماء المسلمين

الأحد 26 / ربيع الأول / 1438هـ

 

25 / ديسمبر / 2016م