arrow down

بيت خديجة العالي

بقلم د. عادل بن حسن الحمد

( الأمين المساعد برابطة علماء المسلمين )

نالت المرأة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم منزلةً عاليةً جداً هي من أعلى المراتب في هذه الأمة. بلغ من علو هذه المنزلة أن الله جل في علاه يرسل جبريل إلى الأرض ليبشر المرأة بعلو مكانتها عند الله.

فهذه خديجة رضي الله عنها تقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول جبريل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ بِإِنَاءٍ مَعَهَا فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ، أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ، فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ. رواه البخاري.

فكانت المنزلة العالية التي نالت شرفها أم المؤمنين خديجة بيتاً في الجنة ليس فيه تعب ولا إزعاج. فما الذي فعلته خديجة حتى نالت هذه المنزلة؟. لقد نصرت هذا الدين الذي آمنت به، ووقفت بجانب زوجها الذي أرسل للعالمين فساندته في دعوته مادياً ومعنوياً، فنالت هذه المنزلة.

وهذه عائشة رضي الله عنها يرسل الله جل في علاه جبريل بآيات عظيمة تتلى على الناس في محاريبهم إلى يوم القيامة فيها تبرئة لها مما نسب إليها وفيها وصف لها بالطيبة. فما الذي فعلته عائشة حتى يدافع الله عنها من فوق سبع سماواته؟ لقد ساندت زوجها نبي الله للعالمين في دعوته بإسعاده وإدخال السرور على نفسه حتى نالت منزلة (مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، قِيلَ: مِنَ الرِّجَالِ. قَالَ: أَبُوهَا ). رواه الترمذي.

وهذه حفصة رضي الله عنها يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم فيأتيه جبريل ويأمرها بإرجاعها ويقول: يا محمد! طلقت حفصة وهي صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة؟. رواه أبو نعيم. فما الذي فعلته حفصة حتى تنال هذه الشفاعة العظيمة بإرجاعها بعد طلاقها؟ إنها كانت تكثر من صيام النهار وقيام الليل، وهذه عبادة عظيمة لرب العالمين.

إن الله جل في علاه يعلي منزلة كل امرأة تسارع في مرضاته وتنصر دينه وتنافح عن نبيه، ويكرمها ويدافع عنها. وإن هذه الأعمال الجليلة التي تحلت بها أمهات المؤمنين فنلن بها المنزلة العالية ليست حكرا عليهن، بل تستطيع كل امرأة طموحة أن تسلك سبيلهن وتنال من فضل الله وكرمه ما تنال.

ومن تكريم الله للمرأة أن جعل لها سبيلا ميسرا لبلوغ المنازل العالية في الآخرة، ومن ذلك أن تدعى لدخول الجنة من أي باب تشاء من أبوابها الثمانية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ. رواه أحمد.

فدل الحديث على أن مكانة المرأة وعلو منزلتها وتكريمها مرتبط بثلاثة أمور رئيسة في الحياة:

الأول: مدى طاعتها لله جل في علاه.

الثاني: عمق العفاف في حياتها.

الثالث: قوة علاقتها بزوجها.

وهذه الأمور الثلاثة هي التي تحاربها اليوم منظمات الأمم المتحدة بقوانينها واتفاقياتها التي تفرضها على العالم، ويساندهم من يسمى ب: (دعاة تحرير المرأة ) من الجمعيات النسوية في بلاد المسلمين وغيرهم. إن هذه الاتفاقيات الأممية والمؤتمرات الدولية التي تقام باسم المرأة ويتولى إدارتها من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ولا برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن تدعو المرأة إلى طاعة ربها والإيمان به، وإنما يدعونها إلى اتباع الهوى، بحيث لا يردعها خوف من الله، ولا حياء من الناس.

هذه المؤتمرات التي تفتعل العداوة بين المرأة والرجل، وتسعى جاهدة لتحطيم صور الحياة الزوجية التي رسمها الله في القرآن العظيم؛ لتتمرد المرأة على الرجل وترفض أمر الله فيه.

إن هؤلاء يزعجهم أن يقال للمرأة: أطيعي الله وأطيعي الرسول ومن ولاه الله أمرك من زوج أو أب أو قريب.

إن هؤلاء يزعجهم أن تُذَكَّر المرأة بآيات الله المتعلقة بها، أو بالأحاديث الموجهة إليها.

إنهم يريدون لها أن تنحط من المنزلة العالية التي كرمها الله بها إلى أسفل سافلين، لذلك لن تجدي أيتها الفاضلة أي صوت لهم يدعوكِ لطاعة الله أو طاعة رسوله، {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27].

إننا ندعوكِ أيتها الفاضلة بدعوة الله ورسوله، ندعوكِ لتحقيق ذاتكِ وبناء كيانكِ، وموافقة فطرتكِ التي فطركِ الله عليها.

ندعوكِ إلى السير بجوار من خلقتِ منه، ومالت نفسكِ إليه، ومال إليكِ، لنيل الأجر العظيم فطريقكما واحد، {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الأحزاب: 35].

ندعوكِ للحياة الطيبة والاستقرار النفسي من خلال السير في الطريق الذي رسمه الله لكِ ولرفيق عمركِ ، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النحل: 97].

ندعوكِ لحماية نفسكِ من إيذاء البشر في الدنيا { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] ونحذركِ من خسارة الجنة في الآخرة، (صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي مِنْ أَهْلِ النَّارِ، لَمْ أَرَهُمْ بَعْدُ، نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ، عَلَى رُؤُوسِهِنَّ أَمْثَالُ أَسْنِمَةِ الْإِبِلِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا) رواه أحمد

ندعوكِ لدخول الجنة من أي أبوابها شئتِ، (ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة؟ الودود الولود العؤود التي إذا ظلمت قالت: هذه يدي في يدك لا أذوق غمضا حتى ترضى). رواه الدارقطني.

ندعوكِ لمصاحبة خيار النساء في الجنة؛ خديجة وعائشة وحفصة وفاطمة رضي الله عنهن أجمعين.

نحن ندعوكِ لعلو المنزلة، والقرار بيدكِ.