arrow down

العقل العربي المعاصر وإشكالية النمطية التغريبية

بقلم د. خالد صقر ( عضو رابطة علماء المسلمين )

بعد التغيرات الهائلة التي تجتاح العالم العربي أصبح من الضروري أن نتأمل التحديات التي باتت تواجه العقل العربي المعاصر بوضوح شديد، بعد أن كانت تلك التحديات تخفى على الكثيرين نتيجة الاستسلام للنمطية التغريبية التي تصور الإنسان العربي التقليدي بشكل بعيد كل البعد عن قيم ومفردات التراث الحضاري الإسلامي، وأصبح من الضروري أن نضع خارطة طريق نحو تجديد الفكر العربي المعاصر، والتخلص من الأنماط الثقافية التغريبية التي أورثنا إياها ما يزيد عن قرنٍ من الذل والقهر والتغريب الجبري لأمتنا.

هذا المقال يأتي في هذا السياق ليقدم أفكاراً مبدئية تتناول هذه الإشكالية.

1- تراثنا المجيد وقيم الحداثة الغربية، متى نحطم المرايا المقعرة؟ من أهم الأنماط الفكرية التغريبية التي ميزت العقل العربي المعاصر منذ الحملات الصليبية الأخيرة علي بلادنا "القرن الثامن والتاسع عشر" هو النمط الذي يعتبر أن التراث الإسلامي العربي هو "عار" ثقافي وتاريخي يجب السعي دائماً للتخلص منه، والتنصل من قيمه بكافة الوسائل، ويتجلي ذلك النمط الفكري بوضوح في النتاج الفكري للمستغربين الأوائل أمثال الطهطاوي ومصطفي مختار وعلي مبارك وغيرهم، والسبب الكامن وراء هذا النمط الفكري هو إخضاع التراث الإسلامي للنسق الفلسفي للحداثة الأوروبية وعناصره المختلفة، مثل المدنية والمساواة الإنسانية والتحررية "الليبرالية" وغيرها، علي الرغم من أن تراثنا المجيد قائمٌ على نسقٍ فلسفي مختلف تماماً عن مثيله الأوروبيّ، فالنسق الفلسفي للحضارة الإسلامية مستمد من نصوص الوحيين المطهرة التي تضع خطوطاً فاصلة وواضحة بين الخير والشر، والجمال والقبح، وتؤسس لمنظومة أخلاقية مطلقة بالنسبة للزمان والمكان؛ قوامها القرآن الكريم، وتفاصيلها مستمدة من أفعال وأوامر ونصائح خير البشر محمد - صلى الله عليه وسلم -، بينما نرى أن النسق الفلسفي للحداثة الأوروبية ليس فيه تلك الخطوط الفاصلة بين الخير والشر، والأخلاق فيه نسبية وموضوعية، والإنسان فيه هو محور الكون والعقل هو الوثن الذي يعبده الأوروبيون من دون الله تبارك وتعالى، فلما أخضع المستغربون تراثنا المجيد لعناصر نسق فلسفي مختلف عن ذلك النسق الذي تأسس عليه هذا التراث، وهذا بالطبع مع التعظيم المطلق لنتاج الحداثة الأوروبية في أنفس هؤلاء المستغربين، فلما حدث هذا صنع العقل العربي لنفسه مرايا مقعرة ينظر فيها دائماً إلى نفسه فيراها صغيرة ذليلة حقيرة، فشعر هؤلاء المستغربين بالعار من تاريخهم وتراثهم، وورثوا ذلك العار المصطنع لتلامذتهم على مر الأجيال، وفاتهم أن ذلك التراث المستمد من نصوص الوحيين المقدسة المطهرة أقام أعظم حضارة في تاريخ البشرية قبل أن تظهر اللغة الإنجليزية إلى الوجود بقرون!

2- القيود الاجتماعية والقهر الإبداعي والفكري أفرزت لنا النظرية القومية العربية في صورتها السياسية التي أخضعت الشعوب العربية لمزيج غير متجانس من الاشتراكية والتمييز العرقي قدراً هائلاً من القيود الاجتماعية الغريبة عن التراث الثقافي الإسلامي، والتي تسببت في خلق محيط من القهر للقدرات الإبداعية والفكرية للأجيال الشابة للأمة العربية، فقد تزامن ظهور الفكر القومي وتجسده في نظريات سياسية مع ظهور انتشار الإعلام المسموع والمرئي في النصف الأول من القرن العشرين، وبالطبع فقد صاحب ظهور هذه الوسائل الإعلامية انجراف المجتمع العربي خلف عوامل الإبهار التي يقدمها ذلك الإعلام، فاستغلت القوي السياسية المدفوعة بالقومية انجراف المجتمعات العربية خلف ما تقدمه وسائل الإعلام لصنع واقع اجتماعي جديد يناسب ما ترومه تلك القوي السياسية من تطبيق للنظرية الاشتراكية والحكم الشمولي "الباطش"، ومع تهميش دور الحركات الإصلاحية الإسلامية قهراً وعدواناً أصبح التراث الاجتماعي لبلادنا لقمة سائغة افترسها الفكر القومي المتشبع بالاشتراكية من جهة، والمستسلم للتفوق الحضاري الغربي من جهة أخري، فأصبحت فئة "الحرفيين وأصحاب الصنائع" هي فئة دونية بعد أن كانت من أكثر الفئات تأثيراً في مجتمعنا، وأصبحت التجارة "مهنة من لا مهنة له" بعد أن كانت من أهم مصادر الدخل للمجتمع العربي، ومن أهم دوافع الإنتاج، وأصبح النشء والشباب يسعون إلى "وظيفة حكومية"، وصاحب تلك الوظيفة أوهام كثيرة عن الاستقرار والدخل الثابت والحياة المريحة، بينما الواقع أن الوظيفة هي قيدٌ يضعه الحكام في رقبة الشعب ليملكوا قياده تماماً، فمن جهة دخله مقيد ومحدد، ومن جهة أخرى خاضع لقانون وظيفي يزيد من خوفه وقهره الفكري والإبداعي، ومن جهة ثالثة يفقد إحساسه بذاته وقيمته ومدى مساهمته في صنع مجتمع فيسهم إذلاله وقهره، ومن جهة رابعة يصبح الإنتاج والموارد كلها في يد طغمة قليلة من اللصوص وقطاع الطرق ليصنعوا بمقدرات البلاد ما بدا لهم ومن القيود الاجتماعية الأخرى التي صنعتها حقبة القومية العربية ما يخص الزواج في المجتمعات العربية، فبعد أن كان الزواج من أيسر الأمور أصبحت لوازمه وعاداته وتقاليده سبباً في ازدياد متوسط سن الزواج في كل مجتمعاتنا إلى حد بالغ الخطورة، فضلاً عن ازدياد معدلات العنوسة والطلاق المبكر بما يهوي بنا الآن في أتون الفساد الأخلاقي بشكل متسارع، وما حدث في حقيقة الأمر أنه تم استغلال نفس الأدوات الإعلامية لإرساء هذه الأنماط الاجتماعية الخاصة بالزواج ليصبح عاملاً آخر يمكن النظام الشمولي من إحكام القبضة على المواطنين بجانب الوظيفة الحكومية، فأصبح الشاب اليانع الذي يتفجر عقله بالطاقة الإبداعية وتموج روحه بقدرات خلاقة قد تمكنه من اجتياز الجبال وخوض المحيطات، أصبح عبداً للنظام السياسي العربي وأكثر ما يرجوه وظيفة ذات راتب مجزي ليعمل بها سنوات عديدة حتى يتمكن من تخطي العقبات الاجتماعية التي تحول بينه وبين الزواج، فقط ليعيش حياة آدمية عادية تتوفر بها المقومات اللازمة لحياة الإنسان…فتم بهذا تقييد قدراته، وتفريغ عقله من أي مضمونٍ إبداعي قادر على بناء ما تهدم من أعمدة الحضارة الإسلامية من جديد.

3- من يحرر العقل العربي من النمطية التغريبية؟ ومن يفعل هذا سوى الحركات الإصلاحية الإسلامية، ومن يستطيع أن يحطم هذه الأنماط التي تحبس قدرات العقل العربي عن الانطلاق لإعادة بناء الحضارة الإسلامية سوى طلائع الإسلام في بلادنا، ولكن يظل التحدي الأكبر أمام هذه التيارات الإصلاحية هو قدرتها على التخلص من نوع آخر من النمطية الفكرية أصاب البنية التحتية للفكر الإسلامي المعاصر، وهذه النمطية هي نمطية التحزب والانتماء الحركي التي نشأت عند مؤسسي التيارات الإسلامية ومنظروها كرد فعل للقمع الوحشي الذي مارسته الأنظمة القومية ضد الفكر الإسلامي وحامليه، ومن خلال عقود طويلة من العمل الحزبي والحركي الإسلامي ورث الشباب المنتمي لهذه التيارات نسخ أكثر تطرفاً من النمطية الحزبية جعلتهم يحولون التيارات الإصلاحية الإسلامية من حركات إصلاح إلى أحزاب سياسية بالنظرة الغربية الضيقة، وجعلت رسالة الإصلاح التي يفترض بهم حملها تجاه الأمة بأكملها تتقلص إلى أهداف محدودة للغاية تهدف لاستمرارية واستدامة حركتهم أو حزبهم السياسي، فانعزلت الحركات الإسلامية في يومنا هذا عن الجموع الغفيرة من الجماهير، وأصبحت نهضة الأمة بأكملها مرهونة بقدرة الأجيال الجديدة من هذه الحركات على التخلص من الميراث الحزبي المقيت، وتخطي "العتبة الحزبية" للالتحام بجماهير الشعب وقيادتهم نحو الإصلاح الإسلامي المنشود الذي يبدأ بتخليص عقولهم من النمطية التغريبية التي أصبحت تحكم كل مظهر من مظاهر الحياة في الوطن العربي.