arrow down

إلى المتدينــــــين من (الحازمـون) و(الشاطــرون) أو(الآخَــرون)

بقلم فضيلة د. محمد رجب محمد ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عبده المصطفى، وبعد:

فإن من مظاهر ضعف الإنسان أن عاطفته قد تغلب عقله، بل تغتاله إذا اشتدت، فيغفل عن ضوابط السعي ويتيه عن منارات الطريق. وقد تكون شدتها لفرط حب، ولو كان مطلوبا؛ كما في قول عمر عند موت النبي عليه الصلاة والسلام. أو لنازلة ثقلت على احتمال ولو لديانة؛ كقول عمر أيضا في الحديبية وذهول أكثر الصحابة فيها عن الاستجابة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتحلل.

لكن أهل الدين إذا ذكروا فسريعا يذكرون، وبلطيف التنبيه إذا هم يستبصرون.

أما الإقامة على الغفلة وتوطن التيه فليس من صفاتهم ولا يتصور فيهم، بل ذلك صفة غيرهم وخاصته، كما قال تعالى: {وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ} [الصافات:13]، وجمع الله بين الفريقين في الذكر وفرق بين صفتهما بذلك فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ . وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 201-202] وإليك صور من غفلة كثير من المتدينين في جلَبة السياسة وحلْبة الرئاسة:

1- فمنها بناء أحكام على اتهام بواطن لا سبيل إلى جلائها؛ بل الغاية فيها ظنون هي أقرب إلى بعضها الأثيم أو لعلها أصابت عينه. ومطية ذلك الاتهام وراحلته عجلة تقفز بصاحبها قفزا، فلا تسمح له بتبين موضع حِله. فلا تكونوا عُجلا، هكذا قال علي رضي الله عنه.

2- ومنها مقاربة كبيرة التألي على الله تعالى، فضلا عن الوقوع فيها. فكيف يُقسَم على محاسبة معيَّن أو معاقبته بين يدي الله؟!! ولربما كان ممن يدخلون الجنة بغير حساب، أو عساه أن يحاسب حسابا يسيرا ثم ينقلب إلى أهله مسرورا. وكيف يحلَف على صلاحٍ بولاية فلان أو ضياعٍ بفواتها؟! أليس ذلك اقتحام على غيب مكنون لا تدري ما يفعل الله فيه؟! بل إنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا. وغاية الأمر: إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين.

3- ومنها فلتة اللسان ومندمة الكلام، فإن المتدينين بريئوا السرائر، طيبو الضمائر، وإنما الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات، وقد استدل السلف على دين المرء وورعه بحفظ لسانه عند مثارات الزلل. فإن فتشت المتدين ما وجدت منبتا لبذاءة ولا موقعا لقبيحة، فهذا مقام سلامة القلب ورجاء النجاة لصاحبه. فمن لم يبلغ ذلك المقام بعدُ فهو في سعي الآخرة قاصده وآتيه، وليس لهما في تلك الطريق ثالث.

4- ومنها التسور على الكبار وتسفيه شأن أهل السبق. وداعية ذلك شهوة الظهور أو العجب بمحصول النفس والعصبية لرأيها، فتحمل المرء على حمل الناس على ذلك الرأي، لا ترى غيره، ولسان حالها يقول: أنزلوا رأيي منزلة الوحي المعصوم، أو إجماع معلوم. فما أشد بغيه وعدوانه! ثم يعمد إلى قول المقدَّمين فيؤخره، وإلى هدي الأكابر فيحقره، إلا ما وافق نظره وأيد مذهبه. وقد كان السلف يرون رأي العالم في جماعة الأقران خيرا من انفراده، فكيف بالصغار مع الكبار؟!

5- ومنها إذاعة الملامة وإشاعة المعاتبة، فضلا عن الذم والتقريع، ويتأكد ذلك في حق الأتباع والأجناد، فإن عليهم في مناصحة كبارهم وقادتهم أن يستنوا بقول سعد: (فساررته) يريد النبي عليه السلام. والحذر الحذر أن يكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، فينحل ما عقدوه من قبل، وينفرط ما تعنَّوا في جمعه زمنا طويلا، فإن لذلك حقوقا، وقد جعله الله سبب التأثير ومظهر القوة، فكيف يغامرون به في مستجدات الأحداث؟! أم كيف يفرطون فيه وهو ضمانة أسبابهم؟!. وهل يباع حصاد العقود من دائم الثمر ومتحقق الأثر بما لم يثبت بعدُ في مِلكٍ ولا يقدر على تسليمه؟! إن هذا لشيء عجاب!

ومن هذا الباب المطالبة بإذاعة شأن الخاصة في العامة، واعتبار استحقاق العامة ذلك، وهو غصب وعدوان؛ إذْ وسدوا الأمر إلى غير أهله، وحسبهم قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83].

6- ومنها طرح قواعد العلم والقدح في الهدي النبوي من حيث لا يشعرون؛ جريا على سنة من خالف الشرع وسلوكا لطريقتهم. فتنزَّل مواضع الظنون منزلة المقطوع به، ويسلك بنظر السياسة وخلاف الاجتهاد مسلك المخالفة في الاعتقاد، ويسحب عليه لوازمها: كالعداوة والمقاطعة والتوعد و...إلخ، ومن ثَم إنكاره وكل ما تعلق به، كمعاهدة أو مصالحة، وتبعوا لسان غيرهم فقالوا: صفقة، ولما كانت في ضمائر غيرهم خبيثة أبدا، تبعوهم كذلك، فكانت عندهم خبيثة وخيانة، هكذا! واستبدلت مفردات تالفة باصطلاحاتنا المشرَّفة. وفي كل ذلك طرح لقواعد العلم وضوابط الشرع، بل قدح في ما ثبت من فعله عليه السلام من عهود ومصالحة.

ومن هذا الباب تأييد فلان تأييدَ منصوصٍ على إمامته، أو مجمع على ولايته. وإنما كان مهدي آخر الزمان منصوصا على وصفه دون عينه، بل ما كانت ولاية الصديق تنصيصا، فكيف بمن دون ذلك كثيرا؟! ورحم الله الثوري لما قال: إذا مر المهدي بباب أحدكم فلا يكن منه في شيء حتى يجتمع عليه الناس!

وبعد؛ فيا عباد الله: لو ظننتم أنكم بحصائد السيئات تعينون على ولاية أو إصلاح فلن ينفعكم شيء من ذلك إذا ما كبتكم تلك الحصائد في النار. وهل تنفعكم نجاة الخلق لو حرمتم النجاة؟!

فاللهم عافنا واعف عنا، ودبر لنا فإنا لا نحسن التدبير. وأنت المستعان ولا حول ولا قوة إلا بك، والحمد لله رب العالمين.