arrow down

حرية الفكر صنم هذا العصر

بقلم فضيلة البرفيسور/ الأمين الحاج محمد ( رئيس عضو رابطة علماء المسلمين )

أظهرت الأعمال الكفرية التي حثت عليها ونشرتها إحدى الصحف الدينماركية، وتناقلتها بعض الصحف في عدد من الدول الأوربية؛ أن الصنم الذي يعبده الكفار وطائفة من المنتسبين إلى الإسلام هو حرية الفكر، حيث برر المسؤولون في ديار الكفر لهذا العمل الإجرامي بحرية الفكر، وأنه لا ينبغي للدولة أن تحجر على أحد فيما يود نشره، ولو كان ماساً بسيد الأنبياء والمرسلين.

وليت القوم صادقون في هذا الادعاء، وليتهم أوفياء لإلههم "حرية الفكر"، ولكن دلت التجارب أنهم يشركون معه الصنم الأكبر، والإله الأخطر؛ الهوى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا} [الفرقان:34].

والأدلة على كذب هذا الافتراء لا تحصى كثرة، يمثل ذلك:

1- اغتصاب اليهود لفلسطين.

2- غزو أمريكا وأذنابها لأفغانساتان والعراق.

3- حظر امتلاك الأسلحة النووية على المسلمين وإباحة ذلك للربيبة إسرائيل.

4- منعهم المسلمين من رفع الأذان بمكبرات الصوت في أمريكا وأوروبا.

5- منع وزير التعليم الفرنسي لفتاة مسلمة من دخول الجامعة لأنها غطت رأسها بفوطة.

6- التعتيم الإعلامي، متمثلاً في ضرب أمريكا لمكتبي قناة الجزيرة في كل من بغداد وأفغانستان.

7- رفع شعار معاداة السامية لكل من يعادي اليهود قتلة الرسل وأعداء الملة والدين.

وهذه مجرد أمثلة، ولو استرسلنا في إيراد المواقف التي تدل على سقوط الكفار في رفع شعار صنم الديمقراطية وحرية الفكر لاحتجنا إلى صفحات وصفحات.

هذه الدعوة الكافرة الكاذبة تقوم على أنقاض الدين الإسلامي: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران:19]، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85]، لأنها سوَّت بينه وبين الأديان المحرفة المنسوخة من ناحية، وبينه وبين زبالات البشر من ناحية أخرى، وفي هذه التسوية خلل كبير وظل عظيم، فبجانب أنها كفر، فهي ظالمة، إذ من المعلوم ضرورة أن الفكر البشري منه ما هو طيب وهوما وافق الشرع الرباني، ومنه ما هو خبيث وهو ما ناقض الشرع.

ليس من الغريب أن يتخذ الكفار الهوى إلهاً، متمثلاً في حرية الفكر، وتقديس الديمقراطية، فليس بعد الكفر ذنب، ولكن الغريب العجيب أن يقلد طائفة من المنتسبين إلى الإسلام ذلك، بله بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي، وإلى قيادات الجماعات الإسلامية، حيث تجدهم يجادلون، ويدافعون، وينافحون عن عقائد كفرية، وأعمال إجرامية، بدعوى حرية الفكر، والاعتراف بالآخر وإن أتى بالكفر البواح.

الأسباب التي دفعتهم لذلك كثيرة ومتعددة، لكن يمكن إجمالها في الآتي:

1- الجهل المصحوب بالغرور والكبر.

2- الخلط المتعمد وغير المتعمد بين الشورى الإسلامية والديمقراطية اللادينية.

3- ردود أفعال من ممارسات بعض الحكام في دار الإسلام، مقارنة بالحرية المتاحة عند الكفار.

4- التقليد والتشبه بالكفار.

5- استغلال الكفار واستخدامهم لهم، من حيث يشعرون أولا يشعرون، وتبنيهم لهم، وفتح المجال لحضور المؤتمرات.

6- الزخم الإعلامي، والتضليل، والتدليس الذي تولى كبره الشيوعيون وأذنابهم.

ليس من الغريب أن يخطئ الإنسان أويضل أويضلل، ولكن الغريب أن لا يفيق من ذلك من ذاته، وإذا نبِّه لم يتنبه، فمن لم تنبهه هذه التناقضات والكيل بمكاييل عدة فمتى ينتبه؟!

ورحم الله علياً عندما تمثل بهذا البيت، عندما نصح شيعته فلم يستجيبوا لنصحه إلا بعد فوات الأوان:

بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

أما قومنا فلم يستبينوا النصح لا ضحى الغد ولا بعد غد، فقد عموا وصموا عن قبول الحق، ثم عموا وصموا كثيراً، فهم في جهالاتهم يترددون، وبناصحيهم مستخفون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

فالعاقل من اتعظ بغيره، والجاهل من اتعظ بنفسه، لكن هذا شأن وطريق كل من عبد هواه، واتخذه إلهاً يعبده من دون الله، إذ حرية الفكر تعني في مصطلح الشرع عبادة الهوى، فقد سبق القرآن هذه المصطلحات: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان:43-44].

وإلا فهل هناك من مجال للمقارنة بين:

1- الوحي المنزل من عند الله وبين زبالات البشر؟!

2- دين الله الناسخ المهيمن وبين الأديان المحرفة المنسوخة؟! حتى يُدعى إلى تسويتها والتصالح معها سلمياً؟!

3- وبين من يعبد الله ويعبد هواه؟!

4- وبين من يعمل لآخرته ومن يبيع آخرته بدنياه، بل بدنيا غيره؟!

5- وبين من يعتد بشرع الله، ومن يطلب العزة فيما سواه؟!

6- وبين من يؤمن بجميع الكتاب ومن يتخير منه ما يهواه؟!

7- وبين من يحب الله ورسوله والسلف، ومن يحب الكفار، ويفضل هديهم وكلامهم وكلام المتكلمين والفلاسفة السفهاء؟!

8- وبين من يريد الرجوع إلى الدين الخالص ومن يريد الجمع بين المتناقِضَين، بين الأصل والعصر؟!

من المصائب التي ابتلينا بها في هذا العصر تسمية الأشياء بغير مسمياتها من باب التدليس والتضليل، وترك المصطلحات الشرعية، نحو:

1- غلبة مصطلح "العلمانيين" على المصطلح الشرعي "المنافقين".

2- غلبة مصطلح "الغربيين" على المصطلح الشرعي "الكفار".

3- غلبة مصطلح "المستنيرين" على المصطلح الشرعي "المتفلتين".

4- غلبة مصطلح "حرية الفكر" على المصطلح الشرعي "اتباع الهوى.

5- غلبة مصلطح "مفكر" في أحيان كثيرة على المصطلح الشرعي "مبتدع" أو "ضال".

هذا على سبيل المثال لا الحصر، فلابد من رد الأمور إلى نصابها، والرجوع إلى المصطلحات الشرعية، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وبالصراحة والوضوح، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!

هذا الدين قوامه الصدق والوضوح، ولا يقبل التنازلات، ولا تصلح فيه المداهنات، والمخادعات، والترضيات، فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والموت أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، وهو آتٍ، وكل آتٍ قريب.

اللهم إنا نسألك الصدق في القول، والعمل، والاعتقاد، وصلى الله وسلم على محمد خير العباد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم المعاد.