arrow down

أصول مهمة في باب الإيمان

بقلم د. ناصر بن يحيى الحنيني ( عضو رابطة علماء المسلمين )

العقيدة الإسلام والإيمان بالله

باب الإيمان ومسائله من أهم أبواب علم العقيدة، وهو من أوائل القضايا التي حصل فيها خلاف الأمة في الصدر الأول، فأول افتراق حصل هو ظهور رأي الخوارج الذي خالفوا فيه أهل السنة في باب الإيمان. وقد اعتنى سلفنا الصالح بهذا الباب عناية كبيرة، وأفردوا له مصنفات عديدة ما بين مختصرة ومطولة، وكذلك عقدوا له أبواباً مستقلة في مصنفاتهم وجوامعهم الحديثية، وكان مما ميز كتبهم وعرضهم لقضايا ومسائل الإيمان عنايتهم بذكر أصول المسائل والأصول التي بنى عليها المخالفون لهم في هذا الباب، فنقضوها وفندوا الشبه التي بنوا عليها تلك الأصول، فانهدمت كل المسائل المتفرعة عنها. وسوف نشير لبعض تلك الأصول المهمة في باب الإيمان، وغالب المسائل مبنية عليها.

وقبل الدخول في عرض هذه الأصول لا بد أن نشير ولو إشارة مختصرة إلى أهمية العناية بالأصول في هذا الباب، ويمكن أن نجملها فيما يلي:

1 - إن معرفة أصول المسائل تسهل معرفة ما يتفرع عنها من مسائل، وتوضح وجه الخلاف بين أهل السنة وأهل البدع؛ لأن الغالب أن الخلاف بين أهل السنة وأهل البدع هو في أصول المسائل، وعليها جرى الخلاف في الفروع؛ فمن رام تقرير مذهب أهل السنة بوضوح وجلاء فعليه بالعناية بالأصول.

2 - إن هدم الأصل الذي تقوم عليه البدعة يكفي في الرد عليها وبيان بطلانها. وعدم العناية بالأصول يجعلنا نقف مع كل بدعة تظهر وكل ما يتفرع عنها، وقد يطـول البحث بالإنسان ولا يجد ما يشفي العليل ويروي الغليل.

3 - إن المتقدمين من أهل البدع والمتأخرين يوجد بينهم اشتراك واضح في مخالفة أصول أهل السنة المجمع والمتفق عليها، وغالباً ما يكون الاختلاف بينهم شكلياً ولفظياً كل على ما يناسب العصر الذي عاش فيه، ولكن لا اختلاف بينهم في الأصول.

ومن أبرز من أشار إلى هـذه القضية شـيخ الإســلام ابن تيمية - رحمه الله - مبيناً أن متأخري المتكلمين كأبي المعالي الجويني وغيره تأثروا بأصول أهل البدع السابقين؛ حيث قال: «إن أبا المعالي وأمثاله يضعون كتب الكلام التي تلقوا أصوله عن المعتزلة والمتفلسفة، ويبوبون أبواباً ما أنزل الله بها من سلطان، ويتكلمون فيها بما يخالف الشرع والعقل.... والأصول التي يقررها هي أصول جهم بن صفوان في الصفات والقدر والإرجاء.. » ا. هـ(1)، ويقول أيضاً مبيناً أن أصول الرازي هي أصول جهم كذلك: «فقول جهم هو قول هؤلاء، كما قال - تعالى -: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّـمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة: 118]... » أ. هـ(1).

وقال في موضع آخر: «وهذه الحجج من حجج الجهمية قديماً كما ذكر دلك الأئمة... »(2).

وأصول البدع مستمرة إلى وقتنا الحاضر، ولكن تغيرت مسمياتها؛ فالمعتزلة في العصر الحاضر أصولهم هي أصول أسلافهم ويسمون أنفسهم (عقلانيين وعصرانيين)، والمعطلة في الوقت الحاضر أصولهم أصول أسلافهم ويسمون أنفسهم بالـ (متنورين)، والزنادقة المعاصرون يسمون أنفسهم: حداثيين تجديديين، ولكل قوم وارث، وبمعرفة أصول البدع يتعرف طالب العلم على امتدادها المعاصر، ولا تخدعه هذه المسميات.

4 - إن هذه الطريقة ـ وهي معرفة أصول المسائل وأصول البدع والحرص على نقضها ـ هي طريقة السلف المتقدمين الراسخين في العلم الذين أخذوها من القرآن والسنة ومن أفواه الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى عصرهم؛ بل إن طريقة القرآن هي التركيز على تقرير الأصول الشرعية التي تبنى عليها كل الطاعات، ونقض الأصول التي تبنى عليها الانحرافات في الاعتقاد والعمل؛ فعلى سبيل المثال من أبرز هذه الأصول التي أشار إليها القرآن وأشارت إليها السنة أن أصل الضلال والمعاصي هو: اتباع الهوى(3):

وقد جاءت الآيات والأحاديث تبين هذا الأصل في غير ما موضع:

قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -: «فجميع المعاصي تنشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه، وقال - تعالى -: فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ [القصص: 50]. وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا يسمى أهلها أهل الأهواء» ا. هـ(4).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهكذا تجد كل أهل المقالات وأهل الأعمال الفاسدة ـ وإبليس إمام هؤلاء كلهم ـ فإنه اتبع قياسه الفاسد المخالف للنص، واتبع هواه في استكباره عن طاعة ربه - تعالى -.... (إلى أن قال): وإنما المقصود هنا التنبيه على هذا الأصل، وهو أن من أعرض عن هدى الله علماً وعملاً فإنه لا يحصل له مطلوب ولا ينجو من مرهوب، بل يلحقه من المرهوب أعظم مما فر منه، ويفوته من المطلوب أعظم مما رغب فيه. وأما المتبعون لهداه فإنهم على هدى من ربهم، وهم المفلحون الذين أدركوا المطلوب، ونجوا من المرهوب» ا. هـ باختصار(5).

بعض الأصول المهمة في الإيمان:

ولعلنا نبدأ بذكر أهم الأصول في باب الإيمان وهي على وجه الإجمال كما يلي:

 

الأصل الأول: أن الألفاظ التي جاء تفسيرها وبيانها في القرآن والسنة لا يجوز أن تُعارَض بأقوال أهل اللغة وما تستعمله العرب من شواهد، ومن هذه الألفاظ لفظ الإيمان والإسلام والكفر والنفاق والشرك؛ فهذه ألفاظ قد ورد في الشرع ما يبين معناها بجلاء ووضوح، فلا يسوغ لمحتج مثلاً أن يحتج بأن معنى الإيمان في اللغة التصديق، فنقول: هذا قد يقبل لو أن الشارع لم يبين لنا معنى الإيمان، أما وقد جاء في لفظ الشارع ما يبينه فلا نحتاج إلى أن نقصره على هذا المعنى اللغوي؛ إضافة إلى أنه حتى في اللغة ليس مقصوراً على هذا المعنى بل يشمل التصديق وزيادة، والتصديق في لغة العرب لا يقتصر على القلب بل يشمل حتى التصديق باللسان والجوارح(6).

يقول شيخ الإسلام: «ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عُرف تفسيرها وما أُريد بها من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم؛ ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع: نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة والزكاة، ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر، ونوع يعرف حده بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْـمَعْرُوفِ [النساء: 19] ونحو ذلك.... واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد بين المراد بهذه الألفاظ بياناً لا يُحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك؛ فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله؛ فإنه شاف كاف، بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة، بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان، وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنباً كافراً، ويعلم أنه لو قدر أن قوماً قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك، ونقر بألستنا بالشهادتين إلا أنَّا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه؛ فلا نصلي ولا نصوم ولا نحج ولا نصدق الحديث ونؤدي الأمانة..... هل كان يتوهم عاقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملو الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويُرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار؟ بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك.. » ا. هـ. بتصرف واختصار(1). ومما يتمم هذا الأصل أنه لا يجوز كذلك أن يحمل كلام الله ورسوله على وفق مذهبه إن لم يتبين مراد الله ورسوله؛ وفي هذا يقول شيخ الإسلام: «وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله وفق مذهبه، إن لم يتبين من كلام الله ورسوله ما يدل على مراد الله ورسوله، وإلا فأقوال العلماء تابعة لقول الله ـ - تعالى - ـ ورسوله... فإذا كان في وجوب شيء نزاع بين العلماء، ولفظ الشارع قد اطَّرد في معنى لم يجُز أن ينقض الأصل المعروف من كلام الله ورسوله بقول فيه نزاع بين العلماء» ا. هـ. باختصار(2).

فالشاهد مما تقدم أن الأصل في معرفة هذه المسائل والأصول الكبار يرجع فيها إلى ما فسره الله ورسوله من خلال جمع النصوص الشرعية. ومن نظر في معنى الإيمان في النصوص الشرعيه وجده يشتمل على القضايا الثلاث الكبرى التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة وهي أن الإيمان قول، وعمل، واعتقاد.

الأصل الثاني: أن الإيمان ثلاثة أجزاء لا يغني واحد عن الآخر، بل لا بد من الإتيان بها جميعاً، والمقصود أنه لا بد أن يكون المسلم معتقداً الإيمان بالله في قلبه ناطقاً بلسانه مصدقاً لذلك بما يعمله من أعمال صالحة؛ فإذا تخلف واحد من هذه الثلاثة فلم يأت به مطلقاً لا يصح أن يكون مؤمناً، وقد تواتر تقرير هذا عن سلف الأمة، وأن الإيمان يقوم على هذه الثلاث، يقول الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: «فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعاً» ا. هـ(3). يقول الإمام الشافعي - رحمه الله - في كتاب الأم في باب النية في الصلاة: «وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر» ا. هـ. (4). ويقول الإمام الآجري: «باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمناً إلا بأن تجتمع فيه هذه الخصال، (ثم قال): اعلموا ـ رحمنا الله وإياكم ـ أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، ثم اعلموا أنه لا يجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح؛ فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمناً، دل على ذلك القرآن والسنة وقول علماء المسلمين.. » ا. هـ. ثم ذكر الأدلة(5).

وعليه فالذين أخرجوا الإيمان عن مسمى الأعمال مخالفون للكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، وليس المجال هنا لسرد النصوص المتواترة والمتضافرة التي تبين أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأنها حين تتخلف بالكلية فإن الإيمان ينتقض.

الأصل الثالث: أن الإيمان يتجزأ ويتبعَّض، وأنه شُعَب كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»(6)؛ وعليه فإن الشخص الواحد يجتمع فيه طاعة ومعصية، وإيمان وفسق. وأصل ضلال أهل البدع أنهم جعلوه شيئاً واحداً. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان، من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعاً، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان»، ثم قال الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان، فذهب سائره، فحكموا أن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان.

وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمــان إلا شيئاً واحـداً لا يتبعض، إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنَّا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزاءً منه؛ فإذا ذهبت ذهب بعضه فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج.. » ا. هـ. (7)، وقال في موضع آخر: «وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله. فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان.. » ا. هـ. (8).

ومما يتفرع على هذا الأصل أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن بعض شعبه إذا زالت بقيت الشعب الأخرى، لكنه ينقص ويضعف، وقد دلت النصوص الشرعية المتواترة من الكتاب والسنة على هذا الأمر كما قال - تعالى -: لِيَزْدَادُوا إيمَانًا مَّعَ إيمَانِهِمْ [الفتح: 4]، وقوله - تعالى -: وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا [الأنفال: 2]، وأما النقصان كما جاء في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان». فالشاهد أن من الإيمان ما هو قوي، ومنه ما هو ضعيف؛ والأدلة لا يتسع المجال لذكرها وسردها، وإنما غرضنا التركيز على الأصول التي قد تخفى على بعض الناس.

الأصل الرابع: أن شعب الإيمان قد تتلازم في الظاهر والباطن عند القوة، وقد لا تتلازم عند الضعف: لا يتصور أن يقوم الإنسان بالأعمال الصالحة ويكون قلبه غير مشتمل على الإيمان بل هو من أعظم الأدلة على الإيمان الذي في قلبه، يقول شيخ الإسلام: «وكذا الإيمان في القلب، والإسلام علانية، ولما كانت الأقوال والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطنة، كان يستدل بها عليها» ا. هـ(1).

يقول الإمام الآجري: «فالأعمال ـ رحمكم الله ـ بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان؛ فمن لم يصدق الإيمان بعمله بجوارحه مثل الطهارة والصلاة لم يكن مؤمناً، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه للعمل تكذيباً لإيمانه، وكان العمل بما ذكرناه تصديقاً منه لإيمانه...، وقد قال - تعالى - في كتابه وبين في غير موضع أن الإيمان لا يكون إلا بعمل، وبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما قالت المرجئة الذين لعب بهم الشيطان. قال الله  - تعالى -: لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْـمَشْرِقِ وَالْـمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْـمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْـمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْـمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ وَالْـمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ [البقرة: 177].. » ا. هـ(2). وكذلك إذا حصل الإيمان التام في القلب فإنه يستلزم العمل الظاهر ولا يتخلف عنه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر»(3).

وكذلك لا يتصور وجود إيمان في القلب ولو ادعاه بلسانه وهو يترك الفرائض كلها ويقع في المكفرات والنواقض كسبِّ الله والرسول ونحوها، وقد قرر هذا العلماء وهذا من الصور التي يتلازم فيها الظاهر بالباطن، وإن لم يظهر الجحود، وإن زعم أنه يؤمن بوجوب هذه الفرائض وبحرمة وكفر من وقع في هذه النواقض؛ فإن هذه الدعوى لا تنفع صاحبها فأما في ترك الفرائض فيقول الإمام الحميدي: «أُخبرت أن قوماً يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت، أو يصلي مسندَ ظهره مستدبرَ القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً، إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقر بالفروض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفعل المسلمين. قال الله - عز وجل -: حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: 5]، قال حنبل: قال أبو عبد الله (يعني الإمام أحمد) أو سمعته يقول: «من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به» ا. هـ. (4).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإذا كان القلب صالحاً بما فيه من الإيمان علماً وعملاً قلبياً لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أهل الحديث: قول وعمل: قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد» ا. هـ(5).

ويزيد الأمر وضوحاً فيقول: «إن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة ولا تتلازم عندالضعف، فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله أوجب بغض أعداء الله؛ كما قال - تعالى -: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ [المائدة: 81]، وقال - تعالى -: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ [المجادلة: 22]، وقد يحصل من الرجال نوع من موادتهم لرحم أو حاجة فيكون ذنباً ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافراً كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل الله فيه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْـمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْـحَقِّ [الممتحنة: 1] »ا. هـ. (6).

ويقول أيضاً: «فالإيمان الذي في القلب، لا يكون بمجرد ظن تصديق القلب ليس معه عمل القلب وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك، كما أنه لا يكون إيماناً بمجرد ظن وهوى، بل لا بد في أصل الإيمان من قول القلب وعمل القلب» ا. هـ. (7).

ويقول أيضاً: «فلا بد في الإيمان الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله وحب الله ورسوله؛ وإلا فمجرد التصديق مع البغض لله ورسوله ومعاداة الله ورسوله ليس إيماناً باتفاق المسلمين» ا. هـ. (8).

والكلام في هذا الأمر يطول ويصعب استقصاؤه في مثل هذه العجالة؛ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين(9).

--------------------------------

(1) التسعينية (3/938ـ 939) باختصار.

(1) بيان تلبيس الجهمية (2/56).

(2) المصدر السابق (2/156)، وانظر (2/157).

(3) قال ابن الجوزي في تعريف الهوى: «اعلم أن الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه، وهذا الميل قد خلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل، وإلى المشرب ما شرب، وإلى المنكح ما نكح، وكذلك كل ما يشتهيه؛ فالهوى مستجلب له ما يفيد، كما أن الغضب دفاع عنه ما يؤذي، فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق، وإنما يذم المفرط من ذلك، وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار» ا. هـ. ذم الهوى، ص 18 تحقيق أحمد عطا، ط. دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية 1413هـ، والكتاب من أنفس من تكلم عن هذا الموضوع (أعني اتباع الهوى).

(4) جامع العلوم والحكم، لابن رجب (1/397).

(5) بيان تلبيس الجهمية (1/149-150) باختصار.

(6) انظر تفصيل الرد على من زعم أن الإيمان في اللغة هو التصديق فقط في: مجموع الفتاوى 7/123، 289، شرح الطحاوية ص 471 ـ 473 ط. ت. د. التركي.

(1) الإيمان ضمن مجموع الفتاوى، 7/ 286 ـ 288، وانظر كلام الإمام أحمد في إنكاره ورده على المرجئة باحتجاجهم على باطلهم بغير ما ورد في الشرع، السنة، للخلال (4/23-25).

(2) الإيمان ضمن مجموع الفتاوى، 7/ 35.

(3) الإيمان لأبي عبيد، ص10 ت: الألباني.

(4) انظر اللالكائي (5/886) ومجموع الفتاوى (7/209).

(5) الشريعة، للآجري (2/611) ط. دار الوطن، ت: د. الدميجي.

(6) الحديث في الصحيحين.

(7) شرح حديث جبريل أو (الإيمان الأوسط) لشيخ الإسلام ابن تيمية، 2 ص 383، طبعة ابن الجوزي، تحقيق الدكتور، علي الزهراني.

(8) الإيمان الأوسط، ص 428.

(1) الإيمان الأوسط، ص 412.

(2) الشريعة للآجري (2/614).

(3) مجموع الفتاوى (7/204).

(4) الأثر أخرجه الخلال في السنة (3/586)، واللالكائي (5/887).

(5) مجموع الفتاوى (7/187).

(6) الإيمان الأوسط، ص 402.

(7) المرجع السابق، ص 412.

(8) المرجع السابق، ص 422.

 

(9) أنظر لزاماً للفائدة ما كتبه الدكتور عبد الله القرني في كتابه: ضوابط التكفير، ص 288 ـ 307 طبعة عالم الفوائد، الطبعة الثانية، 1420هـ.