arrow down

الرد على الغلاة في حكم الموالاة

بقلم د. عدنان بن محمد أمامة ( عضو رابطة علماء المسلمين )

يجمع علماء الإسلام قاطبة على خطورة التسرع في تكفير المسلم وإخراجه من الإسلام والحكم عليه بالردة، وعلى أن هذا من الورطات العظيمة التي تعرض صاحبها لغضب الله وعذابه الأليم في الدنيا والآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله، واتفقوا على أن استسهال تكفير المسلم ثم استباحة دمه وعرضه وماله يعد السمة الكبرى للخوارج الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم كلاب أهل النار وأمر بقتلهم وقتالهم.

وإن المتأمل في انتشار ظاهرة التسرع في تكفير المسلمين في أوساط الشباب وبعض الجماعات الجهادية يجد أنها تنطلق من مسألتين اثنتين، الأولى: اعتقاد كفر من يوالي الكفار مطلقا و من دون تفصيل، والثانية:كفر من يحكم بغير ما أنزل الله بلا التفات إلى سبب ترك الحاكم للحكم بشرع الله، وما يرتبط بهذه المسألة من تكفير المشاركين في الحكومات غير الإسلامية ومن ينتخبهم، وتكفير من لم يكفرهم، ما يجعل الأمة الإسلامية عمليا -إلا أفرادا قلائل- واقعة في الكفر ومرتدة عن الإسلام.

وقد ضخم الغلاة هاتين المسألتين، ولبسوا على عامة الناس بشأنهما، وأوهموا من يتابعهم أن قولهم بهما هو التوحيد الذي نطقت به قواطع النصوص من القرآن والسنة وإجماع الأمة، وأن من يخالفهم بشأنهما قد افترى على الله إثما مبينا وضل ضلالا كبيرا.

لذا فإنه من الواجب على أهل العلم تكرار بيان الحكم الشرعي الصحيح لهاتين المسألتين، وكشف شبهات الغلاة بشأنهما، قياما بواجب البلاغ عن الله، وصونا لشباب الأمة من الانحراف، والوقوع في براثن الغلو والتكفير.

وسنبدأ الحديث عن المسألة الأولى: مسألة موالاة الكفار ومناصرتهم، فقد عد الغلاة مطلق مناصرة الكفار كفرا مخرجا من الملة، من دون دخل لعمل القلب فيها، و بلا تفريق بين ما كان منها حبا لدين الكفار ورغبة في انتصاره على الإسلام والمسلمين، وبين ما كان نابعا من هوى وشهوة ورغبة في نيل حظ من حظوظ الدنيا.

والحقيقة أن أهل العلم من زمن الصحابة إلى يومنا هذا قد فصلوا في أنواع الموالاة ولم يجعلوها نوعا واحدا وفرقوا بين ما إذا كان الدافع لإعانة الكفار ‏على المسلمين، هو المحبة لدينهم، والرغبة ‏في انتصارهم على الإسلام ‏وأهله، فيعد كفرا أكبر مخرجا من الملة

وبين أن يعين الكفار على ‏المسلمين بأي إعانة، ويكون الحامل ‏له على ذلك مصلحة شخصية، أو ‏خوفا، أو عداوة دنيوية بينه وبين ‏من يقاتله الكفار من المسلمين، فهذه ‏الإعانة محرمة، وكبيرة من كبائر ‏الذنوب، تُوقِع صاحبَها في غضب الله تعالى ومَقْتِه، ولكنَّها لا تُوصله إلى الكُفْرِ والردَّة عن دين الإسلام.

قال الإمام الطبري –رحمه الله- عند تفسيره لقوله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28]:" لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفارَ ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينِهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم؛ فإنه مَن يفعل ذلك، فليس مِن الله في شيء، يعني بذلك: فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر".

وقال الماوردي –رحمه الله- في "تفسيره": "والثاني: موالاتهم في الدّين فإنه منهم في حكم الكفر، وهذا قول ابن عباس".

وقال ابن الجوزي –رحمه الله- في "زاد المسير": "مَن يتولهم في الدّين، فإنه مِنهم في الكفر".

وقال الشّنقيطي –رحمه الله- في "أضواء البيان": "وَيُفْهَمُ مِن ظواهرِ هذِه الآياتِ أَنَّ مَنْ تَولّى الكُفّارَ عَمْدًا اختيارًا، رَغْبَةً فِيهم أَنَّهُ كافرٌ مِثْلُهُم".

فهذه نقول تدل على ربط الموالاة المكفرة بعمل القلب واعتقاده، ويفهم منها أن ما كان دون هذه الصورة فليس بكفر مخرج من الملة، ويؤكد هذا أن عامة أهل العلماء ذهبوا إلى أنّ التجسسَ للكفّار على المسلمين مِن الكبائر والمعاصي التي لا تُخرج مِن الملة، مع أن الله سماه في كتابه موالاة بقوله: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة:1].

وقد نقل الاجماع على ذلك غير واحد منهم واستدلوا لذلك بحديث حاطب رضي الله عنه - المتفق عليه- حينما كاتب قريشاً بمسير النّبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: (يا حاطبُ ما حملك على ما صنعتَ ؟)، فذكر حاطبُ -رضي الله عنه- أنه لم يفعله كفراً ولا ارتداداً عن الإسلام، وإنما فعله ليكون له يدٌ عندَ قريشٍ يدفعُ بها عن أهلِه، فقال النبي: (لقد صدقكم)، وفي لفظ: (ولا تقولوا له إلا خيراً) .

قال القاضي أبو يوسف مُجيباً عن أسئلة هارون الرشيد: «وسألتَ يا أميرَ المؤمنين عن الجواسيس يوجَدُون وهم من أهل الذِّمَّة أو أهل الحرب أو من المسلمين، فإن كانوا من أهل الحرب أو من أهل الذِّمَّة ممن يؤدي الجِزية من اليهود والنصارى والمجوس فاضرب أعناقهم، وإن كانوا من أهل الإسلام معروفين فأوجعهم عقوبة، وأطِلْ حبسَهم حتى يُحْدِثوا توبة». [كتاب الخراج ص189 ـ190]

وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني: «وإذا وَجَدَ المسلمون رجلاً - ممَّن يدَّعي الإسلامَ - عيناً للمشركين على المسلمين، يكتب إليهم بعوراتهم، فأقرَّ بذلك طَوعا، فإنَّه لا يُقتَل، ولكنَّ الإمام يُوْجِعُه عقوبةً»، ثمَّ قال: «إنَّ مثله لا يكون مسلما حقيقة، ولكن لا يُقتل لأنَّه لم يترك ما به حكمنا بإسلامه، فلا نُخْرِجُه من الإسلام في الظاهر، ما لم يترك ما به دخل في الإسلام، ولأنَّه إنَّما حمله على ما صنع الطمعُ، لا خُبْثُ الاعتقاد، وهذا أحسن الوجهين، وبه أُمِرنا». [انظر: شرح كتاب السير الكبير 5: 2040].

قال الإمام الشافعي –رحمه الله- في "الأم": "وليس الدِّلالةُ على عورةِ مُسلمٍ، ولا تأييدُ كافرٍ بِأَن يُحَذّرَ أَنَّ الْمُسلمينَ يُريدونَ مِنهُ غِرَّةً لِيحذرَها، أو يتقدَّمَ فِي نِكايةِ المسلمينَ بِكُفْرٍ بَيِّنٍ".

وقال ابنُ بطّال –رحمه الله- في "شرح البخاري": "وفيه: أنّ الجاسوس قد يكون مؤمنا، وليس تجسسُه مما يُخرجه مِن الإيمان".

وذكر نحو هذا المعنى ابنُ حجر، والعيني، والقسطلاني -رحمهم الله- في شروحهم على البخاري.

وقال القاضي عياض: «التَّجَسُّس لا يُخرج على الإيمان». [إكمال المعلم بفوائد مسلم 7: 539].

وقال النّووي –رحمه الله- في "شرح مسلم": "وفيه أنّ الجاسوسَ وغيرَه مِن أصحاب الذّنوب الكبائر لا يكْفرون بذلك، وهذا الجنس كبيرةٌ قطعاً ؛ لأنه يتضمن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كبيرةٌ بلا شك".

[وقال ابن حجر: «نقل الطَّحاوي الإجماعَ على أنَّ الجاسوس المسلم لا يُبَاح دمُه، وقال الشافعية والأكثر: يُعَزَّر، وإن كان من أهل الهيئات يُعْفَى عنه، وكذا قال الأوزاعي وأبو حنيفة: يُوجَعُ عقوبةً ويُطَال حَبْسُه». [انظر: فتح الباري 12: 310].

وقال ابنُ العربي في "أحكام القرآن"، والقرطبي في "تفسيره": "مَنْ كَثُرَ تَطَلُّعُهُ على عَوراتِ المسلمينَ، ويُنَبِّهُ عليهِم، ويُعَرِّفُ عَدُوَّهُم بِأَخْبارِهِمْ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ كافِرا إِذَا كَانَ فَعَلَهُ لِغَرَضٍ دُنيويّ، واعتقادُهُ على ذلكَ سَليمٌ، كَما فَعَلَ حاطِبٌ حِينَ قَصَدَ بِذلكَ اتِّخاذَ اليدِ، ولم ينو الرّدة عن الدّين".

وقال ابن تيمية –رحمه الله- في "الفتاوى": "وقد تحصلُ للرّجل موادتهم لرحمٍ أو حاجةٍ فتكون ذنباً ينقص به إيمانُه، ولا يكون به كافراً كما حصل مِن حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل الله فيه {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ}".

وقال ابن القيم –رحمه الله- في "زاد المعاد" في فوائد قصة الفتح: "وفِيها: جَوازُ قَتْلِ الجاسوسِ وَإِنْ كانَ مُسْلِما.. وَفِيها: أَنَّ الكبيرَةَ العَظِيمَةَ مِمّا دُونَ الشِّرْكِ قَدْ تُكَفَّرُ بِالحسَنَةِ الكبيرةِ الماحيةِ، كما وَقَعَ الجَسُّ مِنْ حاطب مُكَفَّرا بِشُهودِهِ بَدرا".

ولا نعلمُ أحداً مِن أهل العلم نصَّ على كفرِ الجاسوس المسلم بمجرد التجسسّ، بل نصّ الإمامُ الشافعي على أنّ الخلافَ في تكفيره غيرُ معتبر، فإنه بعدما بيّن أنّ التّجسسَ بأنواعِه ليس بكُفرٍ بيّنٍ سُئل: " أقلتَ هذا خبراً أم قياساً؟ قال: قلتُه بما لا يسع مسلماً عَلِمَه عندي أنْ يخالفَه بالسنّة المنصوصة بعد الاستدلال بالكتاب".

فهذه النقول تثبت على وجه اليقين أن تكفير المسلم لمجرد عمله في مؤسسة من مؤسسات الحكومات العلمانية الكافرة لا تخرجه على الإسلام إلا إذا انضم إلى ذلك محبته للكفر والكفار ورغبته في ظهورهم على الإسلام والمسلمين، ولا يعكر على هذا الكلام وقوع بعض اختلاف بين العلماء في تحقق المناط في بعض صور معاصرة من الموالاة من عدم تحققها، فهو خلاف اجتهادي وليس خلافا في أصل المسألة.

فالعجب كل العجب ممن تجاهل كل هذا الكم من أقوال العلماء من لدن أئمة السلف إلى يومنا هذا وكفر وضلل وبدع وسفك الدم الحرام وأضعف الأمة الإسلامية وفرقها وخدم اعداءها أيما خدمة؟ من أين أتى برأيه؟ ومن هو سلفه فيما قال وأفتى؟

نسأل الله تعالى أن يهدي ضال المسلمين، وأن يجمع الأمة على الحق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.