arrow down

فتنة مسايرة الواقع

بقلم د. عبدالعزيز بن ناصر الجليل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والـسـلام عـلـى نـبـينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فـإن مــن علامة توفيق الله ـ عز وجل ـ لعبده المؤمن أن يرزقه اليقظة في حياته الدنياº فلا تراه إلا حذراً محاسباً لنفسه خائفاً من أن يزيغ قلبه، أو تزل قدمه بعد ثبوتها، وهذا دأبه في ليله ونـهـاره يفر بدينه من الفتن، ويجأر إلى ربه ـ عز وجل ـ في دعائه ومناجاته يسأله الثبات والوفاة على الإسلام والسٌّنَّة غير مبدل ولا مغير.

وإن خوف المـؤمـــن ليشتد في أزمنة الفتن التي تموج موج البحر والتي يرقق بعضها بعضاً، وما إخال زماننا الـيـوم إلا مـــــن هذه الأزمنة العصيبة التي تراكمت فيها الفتن، وتزينت للناس بلبوسها المزخرف الفاتن، ولم ينج منها إلا من ثبته الله ـ عز وجل ـ وعصمه. نسأل الله ـ عز وجل ـ أن يجعلنا منهم.

وأجدها فرصة أن أتحدث عن فتنة شديدة تضغط على كثير من الناس فيضعفون أمامها، ألا وهي فتنة مسايرة الواقع وضغط الفـسـاد ومسايرة العادات، ومراعاة رضا الناس وسخطهم، وهي فتنة لا يستهان بهاº فلقد سقط فيها كثير من الناس وضعفوا عن مقاومتها، والموفق من ثبته الله ـ عز وجل ـ كما قال تـعـالى : ((يُثَـبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدٌّنيَا وفِي الآخِرَةِ)) [إبراهيم: 27].

يقول الإمام ابن القيم  ـ رحمه الله تعالى ـ عن هذه الآية: \"تحت هذه الآية كنز عظيم، من وفق لمظنته وأحسن استخراجه واقتناءه وأنفق منه فقد غنم، ومن حرمه فقد حرم\"(1).

وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال له ربه ـ تبارك وتعالى ـ: (( ولَولا أَن ثَبَّتنَاكَ لَقَد كِدتَّ تَركَنُ إلَيهِم شَيئاً قَلِيلاً )) [الإسراء: 74] فـسـواه من الناس أحوج إلى التثبيت من ربه ـ تعالى ـ، وفي هذا تأكيد على أهمية الدعاء وسؤال من بيده التثبيت والتوفيق وهو الله ـ سبحانه وتعالى ـ.

ذكر بعض الصور لفتنة مسايرة الواقع والتقليد الأعمى:

إن فـتـنة مسايرة الواقع والتأثر بما عليه الناس لتشتد حتى تكون سبباً في الوقوع في الشرك الموجب للـخـلـود فـي الـنــار ـ عياذاً بالله تعالى ـº وذلك كما هو الحال في شرك المشركين الأولين من قوم نوح وعاد وثمود والذين جاءوا من بعدهم من مشركي العرب، فلقد ذكر لنا القرآن الكريم أنهم كانوا يحتجون عـلـى أنبيائهم ـ عليهم السلام ـ عندما واجهوهم بالحق ودعوهم إلى التوحيد وترك الـشــــرك ـ بـأنـهــم لم يسمعوا بهذا في آبائهم الأولين، وكانوا يتواصون باتباع ما وجدوا عليه آباءهم ويحرض بعـضـهـــم بعضاً بذلك ويثيرون نعرة الآباء والأجداد بينهم. وسجل الله ـ عز وجل ـ عن قوم نوح ـ عـلـيـه الصلاة والسلام ـ قولهم: ((مَّا سَمِعنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ)) [المؤمنون: 24].

وقال ـ تعالى ـ عن قــوم هـود: ((قَالُوا أَجِئتَنَا لِنَعبُدَ اللَّهَ وحدَهُ ونَذَرَ مَا كَانَ يَعبُدُ آبَاؤُنَا...)) [الأعراف: 70]، وقال ـ تبارك وتـعـالى ـ عـن قــوم صـالـح: ((قَالُوا يَا صَالِحُ قَد كُنتَ فِينَا مَرجُواً قَبلَ هَذَا أَتَنهَانَا أَن نَّعبُدَ مَا يَعبُدُ آبَاؤُنَا...)) [ هود: 62].

وقال ـ سبحانه وتعالى ـ عـن قــوم فـرعون: ((قَالُوا أَجِئتَنَا لِتَلفِتَنَا عَمَّا وجَدنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا)) [يونس: 78]، وقال عن مشركي قريش:

((وإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَل نَتَّبِعُ مَا وجَدنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا...)) [البقرة: 170] والآيـــات في ذلك كثيرة، والمقصود التنبيه إلى أن تقليد الآباء ومسايرة مـا عـلـيـه الـنــاس وألفوه لهــو مــن أشد أسباب الوقوع في الكفر والشرك، وقد بين الحق للناسº ولكن لوجود الهوى وشدة ضغط الواقع وضعف المقاومة يُؤثِرُ المخذول أن يبقى مع الناس، ولو كان يعتق