arrow down

سبب البلاء ظاهرٌ لمن تدبر القرآن

بقلم أ.د. محمد بن عبدالعزيز العواجي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

" التوحيد والوعد والوعيد هو أول ما أنزل ، كما في صحيح البخاري عن يوسف بن ماهك قال : إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إذ جاءها عراقي فقال : أي الكفن خير ؟ قالت : ويحك ! وما يضرك ؟ قال : يا أم المؤمنين ! أريني مصحفك . قالت : لم ؟ قال : لعلي أؤلف القرآن عليه ، فإنه يقرأ غير مؤلف ، قالت : وما يضرك أيه قرأت قبل ، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا : لا ندع الخمر أبداً ، ولو نزل لا تزنوا لقالوا : لا ندع الزنا أبداً ، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم ، وإني لجارية ألعب : { بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } (القمر:46) . وما نزلت : (سورة البقرة ) و( النساء ) إلا وأنا عنده ، قال : فأخرجتَ له المصحف فأملت عليه آي السور. وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي ، فيكون ذلك من ذنوبهم ، وينكر عليهم آخرون إنكاراً منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم ، فيحصل التفرق والاختلاف والشر ، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديماً وحديثاً ، إذ الإنسان ظلوم جهول ، والظلم والجهل أنواع ، فيكون ظلم الأول وجهله من نوع، وظلم كل من الثاني والثالث وجهلهما من نوع آخر وآخر. ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك ، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها ، ومن تبعهم من العامة من الفتن : هذا أصلها ، يدخل في ذلك أسباب الضلال والغي التي هي الأهواء الدينية والشهوانية ، وهي البدع في الدين والفجور في الدنيا ، وهي مشتركة : تعم بني آدم لما فيهم من الظلم والجهل ، فبذنب بعض الناس يظلم نفسه وغيره ، كالزنا واللواط وغيره ، أو شرب خمر أو ظلم في المال بخيانة أو سرقة أو غصب أو نحو ذلك . ومعلوم أن هذه المعاصي وإن كانت مستقبحة مذمومة في العقل والدين فهي مشتهاة أيضاً ، ومن شأن النفوس أنها لا تحب اختصاص غيرها بها ، لكن تريد أن يحصل لها ما حصل له ، وهذا هو الغبطة التي هي أدنى نوعي الحسد ، فهي تريد الاستعلاء على الغير والاستئثار دونه ، أو تحسده وتتمنى زوال النعمة عنه وإن لم يحصل ، ففيها من إرادة العلو والفساد والاستكبار والحسد ما مقتضاه أنها تختص عن غيرها بالشهوات ؛ فكيف إذا رأت الغير قد استأثر عليها بذلك واختص بها دونها ؟ فالمعتدل منهم في ذلك الذي يحب الاشتراك والتساوي ، وأما الآخر فظلوم حسود . وهذان يقعان في الأمور المباحة والأمور المحرمة لحق الله ، فما كان جنسه مباحاً من أكل وشرب ونكاح ولباس وركوب وأموال : إذا وقع فيها الاختصاص حصل الظلم والبخل والحسد ، وأصلها الشح ، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إياكم والشح ، فإنه أهلك من كان قبلكم : أمرهم بالبخل فبخلوا ، وأمرهم بالظلم فظلموا ، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا » . ويقال : الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم » . فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفوراً له مرحوماً في الآخرة ، وذلك أن العدل نظام كل شيء ، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة ، فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له ، والتعدي عليه في حقه . وداعي الظلم لنفسها بتناول الشهوات القبيحة كالزنا وأكل الخبائث . فهي قد تظلم من لا يظلمها ، وتؤثر هذه الشهوات وإن لم تفعلها ، فإذا رأت نظراءها قد ظلموا وتناولوا هذه الشهوات صار داعي هذه الشهوات أو الظلم فيها أعظم بكثير ، وقد تصبر ، ويهيج ذلك لها من بغض ذلك الغير وحسده وطلب عقابه وزوال الخير عنه مالم يكن فيها قبل ذلك ، ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين ، يكون ذلك الغير قد ظلم نفسه والمسلمين ، وأن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب ، والجهاد على ذلك من الدين "أ.هـ.

رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لشيخ الاسلام ابن تيمية ص24-27