arrow down

الراية العمية والميتة الجاهلية

بقلم فضيلة د. أحمد بن فارس السلوم ( عضو رابطة علماء المسلمين )

جواب سؤال من بلاد الشام

عن معنى حديث: " من قاتل تحت راية عِمّية فقُتل فقِتْلته جاهلية"

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فلما يسر الله عز وجل لي زيارة بلاد الشام كان مما سُئلت عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل تحت راية عِمّية فمات فميتته جاهلية.. الحديث.

ما المقصود بالراية العمية؟ وما الذي يُشترط لدفع هذه الميتة؟ وهل الأعلام التي يرفعها بعضهم مما يسمى بعلم الاستقلال ذي الألوان الثلاثة الأخضر والأبيض والأسود بنجومه الثلاث يعتبر من الرايات الجاهلية؟ أم أنه لا بد من رفع علم كعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وما المقصود بالميتة الجاهلية؟ وهل من مات على هذه الهيئة يكون كافراً كأهل الجاهلية كما يفيده التشبيه؟ إلى غير ذلك من الأسئلة، فكنتُ أجيب السائل بما يقتضيه حاله، وأحيل على عزمٍ - في علم الغيب - بأني سأكتب في ذلك رسالة.

وقد وجدتُ فسحة في الوقت للوفاء بذلك فأقول والله المستعان:

1-الحديث المشار إليه حديث صحيح مشهور:

أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه وغيرهم من طرق عن غيلان بن جرير عن زياد بن رياح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ خَرَجَ مِن الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الجماعةَ فماتَ ماتَ مِيتةً جَاهلية، وَمَنْ قَاتلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أو يَدْعُو إِلى عَصبَةٍ، أو يَنْصُرُ عَصَبَة، فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِليَّةٌ، وَمَن خَرَجَ عَلى أُمَّتي يَضرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَها، لا يَتَحَاشى مِنْ مؤمِنها، ولا يَفي بِعَهدِ ذِي عَهدِها، فَلَيْسَ مِني، وَلَسْتُ منه".

وفي لفظ عند مسلم مثله إلا أنه قال: "ومن قتل تحت راية عمية يغضب للعَصَبة ويقاتل للعَصَبة فليس من أمتي".

ورواه مسلم في صحيحه من حديث المعتمر قال: سمعت أبي يحدث عن أبي مجلز..

ورواه النسائي في الكبرى وابن حبان في صحيحه من حديث عمران القطان عن قتادة عن أبي مجلز عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن قَاتل تحت راية عِمّية يقاتل عَصبيةً ويغضب لِعصَبيّة فقِتْلتُهُ جاهلية".

ولفظ مسلم: "من قُتل تحت رايةٍ عِمِّية يدعو عصبيةَ أو ينصر عصبيةَ فقِتْلَةٌ جاهلية".

ورواه الطبراني وأبو يعلى من حديث حدثنا قزعة بن سويد، عن الحجاج بن الحجاج عن سويد بن حجير، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قاتل تحت راية عِمية يدعو عَصبية، أو ينصرُ عصبية فقِتْلتُهُ جاهلية".

وقزعة مختلف فيه وقد حسن حديثه بعضهم، وأفاد الطبراني بتفرده فيه.

ورواه الطبراني من حديث خليد بن دعلج، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فارق المسلمين قيد شبر فقد خلع رِبقة الإسلام من عنقه، ومن مات ليس عليه إمام فمِيتَتُه جاهلية، ومن مات تحت راية عِمِّية ينصر عصبيةً فقِتْلتُه جاهلية"، ثم قال الطبراني: لم يروه عن قتادة إلا خليد بن دعلج ولا يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه أهـ، وخليد ضعيف الحديث.

فالأحاديث قد صحت وتواردت على أن الذي يقاتل على راية عِمية فيُقتل تحتها فمِيتته مِيتةٌ جاهلية، وليس هو من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 وفي هذا الأحاديث مسائل عدة نبينها في هذه الرسالة بإذن الله تعالى.

2-أما الراية العِمّية:

فالراية هي العَلَم، وهو ما يعقد على الرمح، ويقال لها أيضا: الثُّكنة، والبيرق والغاية.

إلا أن بعضهم يخصص الراية بأنها أعلام الحرب، والبيرق بأنه العلم الكبير.

والعِمِّيَّة: بكسر العين وتشديد الميم المكسورة بعدها ياء مشددة مفتوحة، فِعيلة من العمى، صيغة مبالغة، وهي الضلالة، هكذا قيدها الزمخشري في غريبه.

وقال ابن الأثير: وحكى بعضهم فيها ضم العين أهـ

ولذلك قال شارح القاموس: والعُمِّيَّةُ، بالكسْرِ والضَّمّ مُشدَّدتي الميمِ والياءِ: الكِبْرُ أَو الضَّلالُ وهو مِن ذلكَ؛ ومنه الحديثُ: (مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رايَةٍ عِمِّيَّة )، أَي في فِتْنَةٍ أَو ضلالٍ، وهي فِعِّيلَةٌ مِن العَمَى، الضَّلالَةِ كالقِتالِ في العَصَبِيَّةِ والأَهْواءِ؛ رُوِي بالوَجْهَيْن أهـ.

ويقال للواحد المقاتل في العمية ولمن شابهه: رجل عمٍ في أمره، أي لا يبصره.

قال الكميت: ألا هل عمٍ في رأيه متأمِّل..

ومثله قول زهير: ولكنَّنى مِن عِلمِ ما في غَدٍ عَمِ.

والضبط المعتمد في رواية مسلم هو: كسر العين، كذا قيده القاضي عياض في المشارق، وهو المتبع في الرواية.

فالعمية كل ما لم يستبن طريق الهداية، مأخوذة من العمى، ضد الإبصار، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 72].

قالَ الراغِبُ: الأوَّلُ اسْمُ الفاعِلِ والثاني قيلَ مِثْله، وقيلَ هو أَفْعَلُ من كذا، أَي للتَّفْضِيل، لأنَّ ذلكَ مِن فقْدَانِ البَصِيرَةِ، ويَصحُّ أَنْ يقالَ فيه ما أَفْعَله، فهو أَفْعَل مِن كذا؛ ومنهم مَنْ جَعَلَ الأوَّل مِن عَمَى القَلْب، والثَّاني على عَمَى البَصَرِ، وإلى هذا ذَهَبَ أَبو عَمْرٍو القارئ رحِمَهُ اللّهُ تعالى، فأَمَالَ الأوّل لما كانَ مِن عَمَى القَلْبِ وتَرَكَ الإمالَةَ في الثاني لما كان اسْماً، والاسْمُ أَبْعَد من الإمالَةِ أهـ.

والمقصود أن العمى يطلق على الضلالة، وهو المراد في هذا الحديث، وعلى كلِّ أمرٍ خفي عليك حقيقته، وهو كذلك مرادٌ، فإن القتال لا يكون إلا عن تحقق وتثبت.

فقد قال صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاةـ فإن فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى..

فمن تحققت وثبتت عصمته لم يجز قتاله إلا عن بينة وتثبت، والراية العمية يتوارد أهلها على القتال دون تمحيصٍ أو تبيين.

وعلى المعنى الثاني جاء الحديث الوارد في الديات: (من قتل في عِمِّيَّا في رمي يكون بينهم فهو خطأ) وفي رواية (في عِمية في رِمِّيَّا تكون بينهم بالحجارة فهو خطأ) أي فيه دية الخطأ على القوم الذين رموا.

وعِمِّيَّا ورِمِّيَّا هنا لا تروى إلا بالكسر في الأول، وهي فِعيلى من العَمى والرَّمي.

وليس المقصود من الراية مجرد البيرق الذي يرفع أو لونه أو شكله، كما قد يظنه بعضهم لمجرد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها وشرح العلماء لمعنى الراية، ذلك لأن الراية التي هي العلم لا توصف بالعمى أو البصيرة.

إنما المقصود الغاية التي يقاتل من أجلها، ولكنه صلى الله عليه وسلم كنّى عن الغاية بالراية، وهذا من بلاغته ومن تفننه بلسان العرب الذين أرسل فيهم بأبي هو وأمي.

ولذلك فسر العلماء الغاية في حديث الروم بالراية.

كما قال ابن الأثير رحمه الله في النهاية: وفي حديث أشراط الساعة (فيسيرون إليهم في ثمانين غاية) الغاية والراية سواء أهـ.

وهذا واضح جلي، وخير ما يفسر به الحديث الحديث.

وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً للراية العمية بالقتال تحت العصبية وذلك في الحديث نفسه، والعصبية مشتقة من العَصَبَة، وهم أقارب الرجل من جهة أبيه، وهم الذين يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم لأنهم قبيلته وعمومته.

ثم استعيرت العصبية لكل أمر يتحزم له الرجل حقاً كان أو باطلاً، ويتعصب له، وليس المقصود حصر الراية العِمّية بالعصبية، إلا أنه لما كان من شأنهم القتال تحت العصبية - وهذا أكثر ما يكون بينهم حتى إنهم يقولون في كلامهم: فلان ذو عِمية أي إنَّه يعمُّ بنصره أصحابَه لا يخُصّ، يمتدحون بذلك، كما قال:

فذادَها وهو مخضرٌّ نواجذُه

كما يذود أخُو العُمِّيَّة النَّجِدُ

• ضربها الرسول صلى الله عليه وسلم للراية العمية مثلاً، وإلا فكل ضلالة تدخل في الراية العمية.

قال إسحاق بن منصور: سئل أحمد بن حنبل عمّن قُتل في عميّة، قال: الأمر الأعمى العصبية لا يستبين ما وجهه.

قال: وقال إسحاق: إنما معنى هذا في تحاربُ القوم وقتل بعضهم بعضاً، يقول من قتل فيها كان هالكاً.

وقال أبو زيد: العِّمِيَّة الدعوة العمياء فقتيلها في النار.

قال القاضي عياض: كأنه من التعمية، وهو التلبيس وقيل العمية الضلالة وقيل في مثله أي فتنة وجهل، وقد فسرها في تمام الحديث بقوله يغضب لغضبه أو ينصر عَصَبة أهـ.

قال النووي: قالوا هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه، كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور، قال إسحاق بن راهوية هذا كتقاتل القوم للعصبية اهـ.

وقال ابن تيمية: هو الذي يقاتل لأجل العصبية والرياسة لا في سبيل الله كأهل الأهواء مثل قيسٍ ويمنٍ اهـ.

وقال رحمه الله تعالى في شرح الحديث المسؤول عنه وذلك في كتابه النافع اقتضاء الصراط المستقيم: ذكر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الأقسام الثلاثة التي يعقد لها الفقهاء باب قتال أهل القبلة من البغاة والعداة وأهل العصبية:

فالقسم الأول: الخارجون عن طاعة السلطان، فنهى عن نفس الخروج عن الطاعة والجماعة، وبيّن أنه إن مات ولا طاعة عليه لإمام مات ميتة جاهلية، فإن أهل الجاهلية من العرب ونحوهم لم يكونوا يطيعون أميرا عاما على ما هو معروف من سيرتهم.

ثم ذكر الذي يقاتل تعصباً لقومه أو أهل بلده ونحو ذلك، وسمى الراية عمياء لأنه الأمر الأعمى الذي لا يدري وجهه، فكذلك قتال العصبية يكون عن غير علم بجواز قتال هذا.

وجعل قتلة المقتول قتلة جاهلية سواء غضب بقلبه أو دعا بلسانه أو ضرب بيده.

وقد فسر ذلك فيما رواه مسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليأتينّ على الناس زمانٌ لا يدري القاتل في أي شيء قَتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قُتل، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج القاتل والمقتول في النار.

والقسم الثالث: الخوارج على الأمة إمّا مِن العداة الذين غرضهم الأموال كقطاع الطريق ونحوهم، أو غرضهم الرياسة كمن يقتل أهل مصر الذين هم تحت حكم غيره مطلقا وإن لم يكونوا مقاتلة، أو من الخارجين عن السنة الذين يستحلون دماء أهل القبلة مطلقاً كالحرورية الذين قتلهم علي رضي الله عنه.

ثم إنه صلى الله عليه وسلم سمى الميتة والقتلة ميتة جاهلية، وقتلة جاهلية على وجه الذم لها والنهي عنها، وإلا لم يكن قد زجر عن ذلك، فعلم أنه كان قد تقرر عند أصحابه أن ما أضيف إلى الجاهلية من ميتة وقتلة ونحو ذلك، فهو مذموم منهي عنه، وذلك يقتضي ذم كل ما كان من أمور الجاهلية وهو المطلوب أهـ.

وقال علي القاري: وكأن أصله من التعمية وهو التلبيس يغضب أي حال كونه يغضب لعصبية وهي الخصلة المنسوبة إلى العصبية، أي لا لإعلاء الكلمة الطيبة، أو يدعو غيره لعصبية، أو ينصر بالفعل من الضرب والقتل. عصبية تمييز أو مفعول له وهو الأظهر، قال النووي معناه: يقاتل بغير بصيرة وعلم تعصبا كقتال الجاهلية، ولا يعرف المحق من المبطل، وإنما يغضب لعصبية لا لنصرة الدين. والعصبية إعانة قومه على الظلم.

قال الطيبي: قوله تحت راية عمية، كناية عن جماعة مجتمعين على أمر مجهول، لا يعرف أنه حق أو باطل، فيدعون الناس إليه ويقاتلون له أهـ.

والمقصود من هذا أن الضابط في الراية العمية: أنها الأمر الذي لا يستبين وجهه، كقتال القوم عصبية للقبيلة والعشيرة أو لنصرة طاغوت أو إقامة حكم بغير ما أنزل الله، يجمع ذلك كله: الباطل.

قال السندي في حاشية النسائي: قيل قوله: تحت راية عمية كناية عن جماعة مجتمعين على أمر مجهول، لا يعرف أنه حق أو باطل، وفيه: أن من قاتل تعصباً لا لإظهار دين ولا لإعلاء كلمة الله، وإن كان المعصوب له حقاً كان على الباطل أهـ.

3- وكما ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً للراية العمية: بالعصبية فقد بيّن في حديث آخر الراية التي يجب أن يقاتل من أجلها، ويصح بها الجهاد:

فذكر هذه الراية بوصفها لأنها حالة واحدة معروفة، وسكت عمّا سواها من الحالات والرايات الباطلة لأنها كثيرة، وذلك في الحديث المتفق عليه، عن شقيق عن أبي موسى قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة،ً ويقاتل حمية،ً ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا - وفي لفظ: لتكون كلمة الله أعلى - فهو في سبيل الله.

فضرب النبي صلى الله عليه وسلم صفحاً عما سُئل عنه من الرايات العمية، والغايات الجاهلية، وذكر الراية الوحيدة التي هي جهاد شرعي صحيح، وهي القتال لإعلاء كلمة الله تعالى.

وتحت هذه الكلمة، أعني القتال لإعلاء كلمة الله، رايات كثيرة تتبعها، كالقتال لدفع الفتنة وإقامة شرائع الإسلام، كما قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 193]. وقال عز من قائل في سورة الأنفال: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ [الأنفال: 39].

ومنها قتال المعتدين، كما قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190]، وقال: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 194].

ومنها القتال دون الدين والنفس والمال والعرض، والقتال لرفع الظلم وانتقاص الحقوق كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه، عن عبدالله بن عمرو: من قتل دون ماله فهو شهيد.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟، قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار.

وفي المسند عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: من قُتل دون مَظلمةٍ فهو شهيد.

وفيه أيضاً عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده مرفوعاً: مَن قُتل دون حقه فهو شهيد.

والمقصود أن الراية الصحيحة، التي يقاتل تحتها، هي ما كان فيه إعلاء لكلمة الله عز وجل، ومن إعلاء كلمة الله عز وجل: حفظ الحقوق وصيانة الأعراض وإقامة شرعه بين الناس، يجمع ذلك كله كلمة واحدة وهي: الحق.

فالراية العمية هي الباطل، والراية الشرعية هي الحق.

4-ومن الراية العِمِّيّة والعصبية الجاهلية التحيز لقبيلة أو عشيرة أو بلدة أو حزب أو جماعة أو ما شابه، مما يتعصب له الناس، وهذا واضح جداً لأن الشعار المرفوع في هذه الحالات، ليس من شعائر أهل الإسلام.

إلا أنه مما لا يتضح لكثير من الناس، أن من الراية العمية والقتلة الجاهلية، ما قد يرفع فيه شعارات إسلامية، ورايات دينية، فيتوارد الناس على القتال تحتها، دون تمعن وتحقيق، ويتعصبون لها ولاسمها دون معرفة حقيقتها، اكتفاءً بالاسم المرفوع واللواء المعقود.

وهذا خطأ عظيم وخطر جسيم.

وقد حصل مثل هذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، حين دعا مهاجريٌ وأنصاريٌ للتعصب الأعمى، في مقاتلة دون استبان الرشد، واستخدما الهجرة والنصرة شعاراً لذلك، ومع أن الهجرة والنصرة أسماء شرعية جاء بها الكتاب والسنة، وامتُدحت فيهما، إلا أنها لما استُخدمت في العصبية خرجت عن مجالها المحمود، وصارت من شعارات الجاهلية.

فقد ثبت في الصحيحين أن المسلمين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فاقتتل رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقال المهاجري: يا لَلمهاجرين! وقال الأنصاري: يا لَلأنصار! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة".

فانظر كيف جعلها من دعوى الجاهلية مع أنها مصطلحات إسلامية لم تعرفها الجاهلية، وإنما صارت كذلك لأنها استخدمت في دعوة عمية، وغاية جاهلية، لا يعلم القاتل فيها فيما قَتل ولا المقتول فيما قُتل.

فهذا لمن تعصب للمهاجرين أو للأنصار على غير هدى – وهم ممن مدح الله عز وجل ورضي عنهم - فكيف بمن يتعصب لأحزاب وجماعات ومسميات ليس لها في كتاب الله عز وجل ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما للمهاجرين والأنصار، بل ولا يبلغوا مد أولئك ولا نصيفه!.

5-وأما ما يظنه بعضهم، من تخصيص الراية العمية بالقتال بين المسلمين أو ما يسمى بقتال الفتنة، فليس كما يتوهمون:

فإنّ الشرع ندب إلى قتال البغاة وقتال الخارجين، ولو كان قتال الخارجين والبغاة قتال فتنة وغاية عمية لما أمرنا الله عز وجل به في قوله: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الحجرات: 9]. فأمر بقتالهم وغَيَّاه بفَيْئتهم إلى أمر الله.

قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين، الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف، لما أقيم حد ولا أبطل باطل، ولوجد أهل الفسوق سبيلاً إلى ارتكاب المحرمات، من أخذ الأموال وسفك الدماء وسبي الحريم، بأن يحاربوهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم، بأن يقولوا هذه فتنة وقد نهينا عن القتال فيها، وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء انتهى.

6-وأما من علق الراية العمية بالنيات فهذا صحيح.

إذ أنّ الراية العمية الجاهلية، هي الغاية التي يقاتل من أجلها الانسان، وهذه الغاية محلها القلب بالنسبة للمقاتل، فقد يوجد مقاتلون في غاية واحدة نياتهم مختلفة، فيبعثون يوم القيامة على نياتهم، كما في حديث الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف به في بيداء، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم، سئل: كيف بمن كان أخرج مستكرها؟ فقال: يصيبه ما أصاب الناس ثم يبعث الله كل امرئ على نيته، أو قال: على ما كان في نفسه.

وهذا محمول على من خرج مكرهًا، أو كان في راية صحيحة ثم اختلفت، أما إذا كانت راية الجيش جاهلية باطلة وهي العمية فلا يجوز القتال معه، ويجب تركهم والانشقاق عنهم، فإن أكره وبُيِّت وقتل، فحكمه ما ورد في الحديث.

ولذلك قلنا إنه يجب الانشقاق عن جيش الطاغوت النصيري، ولا يجوز المكث معه ولو بدون قتال، لأن ذلك من تكثير سواده.

وقد يكون في الرايات الشرعية من يقاتل وهمه الدنيا والغنيمة، وقد يكون فيهم من يقاتل رياء وسمعة، فالكل يقاتل والله أعلم بالنيات، وهو يحاسب عليها.

7-وليس كذلك ما يظنه بعضهم من أن الراية العمية هي الراية التي يكون فيها مقصرون ومسرفون على أنفسهم، حتى ولو كانت محقة:

فيردون من جاءهم راغبًا الالتحاق بركب المجاهدين، لأن سيماه التقصير، وعدم الالتزام، وهذا خطأ كذلك، وفيه مفسدة كبيرة، إذ أن هؤلاء قد يلتحقون بمن لا يدلهم على طريق الحق، مع أنهم ما جاؤوا إلا عن صدق نية، فيجب مساعدتهم على البر والتقوى.

فليس شرطاً ألاّ يكون في المجاهدين تقصير حتى تكون رايتهم راية حق، وحتى تندفع عنهم راية العمية، لكن المشروط أن يحذروا الفتن والمعاصي والذنوب، ويخافوا شؤمها.

وقد كان في جيش النبي صلى الله عليه وسلم مقصرون ومسرفون على أنفسهم، وكان فيه كذلك منافقون، بل وكان فيه حديثوا عهد بإسلام، لم تتحقق لديهم معرفة التوحيد المنافي للشرك.

كما في حديث أبي واقد الليثي، رضي الله عنه: (أنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْن، قَالَ وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُم، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاط، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِسِدْرَة خَضْرَاءَ عَظِيمَة، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاط، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه،ِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّهَا السنن.. لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُنَّةً سُنَّة.

رواه أحمد والترمذي، وهو حديث صحيح صححه المناوي والألباني وغيرهم.

فقد كان في جيش الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل هؤلاء ولم يردهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يشترط لصحبته في الجهاد أهل العلم والدين والورع والتقى.

ولذا فالواجب على المجاهدين ألا يردوا من جاء للجهاد معهم من أهل التوحيد، ما داموا أنهم من أهل السنة في الجملة، لكن يعلمونهم كما علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ويدلونهم على طريق الشهادة.

وقد كان في ممالك الإسلام عبر التاريخ دعاة وعلماء وفقهاء في جيوش المسلمين، وقضاة خاصون بالأجناد، وما ذاك إلا ليعلموا الجاهل ويذكروا الناسي.

8- وأما ما يظنه البعض من أن المقصود بالراية العمية هي كل علم وبيرق مخالف لعلم النبي صلى الله عليه وسلم في اللون والشكل، فإن هذا ليس من فقه الحديث في شيء، كما أسلفنا.

وإنما مراد النبي صلى الله عليه وسلم من الراية الغاية، كنى عنها بالراية.

والنبي صلى الله عليه وسلم، كانت له بيارق ورايات عدة ويسميها بأسماء، وأهل العلم يعرفون ذلك ولا يخفى عليهم.

ولا شك أن الالتزام برايات الرسول صلى الله عليه وسلم حسن، لكن ليس ذلك واجباً ولا شرطاً، فإن تعدد أشكال راياته واختلاف ألوانها دليل على السعة في هذا الباب، ولله الحمد.

فمرة كانت رايته بيضاء وأخرى صفراء وثالثة سوداء.

وقد كانت لدول الإسلام عبر التاريخ رايات بألوان وأشكال وعبارات وشعارات، فلم يكن في ذلك ضير ولا حرج.

بل قد يكون هناك مصلحة في اتخاذ رايات بأشكال وألوان معينة، تجتمع عليها العامة فتقدم هذه المصلحة على الرايات الخاصة، كما في بلاد الشام حيث تمايز الصفان، فصف الدولة النصيرية القرمطية له علم معروف، وصف المجاهدين له العلم الذي وصفنا في السؤال، فليس في اتخاذ هذا العلم حرج ولا إثم.

9-وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: مات ميتة جاهلية:

أي ميتة جهل وفتنة، والجاهلية يعبر بها عن التناهي في الجهل، كذا قال الحميدي وغيره، والمقصود بها الفترة التي كانت قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم.

وهي فترة جهل وظلم وبغي، كانوا يقاتلون فيها تعصبا وجهلا، عن عمى وضلالة، وينصرون من يتعصبون له على حق كان أو على باطل، حتى غدا فيهم قول دريد بن الصمة الجاهلي دستورا لا يحيدون عنه:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت

غويت وإن ترشد غزية أرشد

فشبه النبي صلى الله عليه وسلم من قاتل تحت الراية العمية بأولئك القوم.

ففي لفظ عنه صلى الله عليه وسلم قال: فقُتل فقِتْلةٌ جاهلية.

وقِتلة اسم هيئة، أي أنه في حال موته تحت هذه الراية يكون على هيئة أهل الجاهلية.

وفي لفظ آخر قال: فليس من أمتي.

وهذان اللفظان من ألفاظ الوعيد الشديد، والتهديد الأكيد، إلا أن عقيدة أهل السنة والجماعة في مثل هذه الأحاديث الواردة في التغليظ من الكبائر والمعاصي هي إمرارها وروايتها وعدم التساهل فيها، ولا يكفر صاحبها.

وهي خاضعة لمشيئة الله عز وجل، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ما دام أنه مات على التوحيد، دلّ على ذلك قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء: 48].

وقوله: ليس من أمتي، كقوله: ليس منا.

وقد أخرج أبو داود في سننه حديث: من غش فليس منا، ثم أتبعه عن يحيى قال: كان سفيان يكره هذا التفسير ليس منا، ليس مثلنا.

وإنما كره ذلك كي لا يستخف الناس بالذنب، فتقرأ هذه الأحاديث على العوام، بما فيها من وعيد، كي ينفروا من هذه الكبائر، ولا يسهل عليهم أمر هذه المنكرات.

قال مفخرة الشام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل تحت راية عمية، يدعو عصبية، أو ينصر عصبية، فقتلته جاهلية.

وهذا الحديث يتناول من قاتل في العصبية.. ولكن لا يكفر المسلم بالاقتتال في العصبية، كما دل على ذلك الكتاب والسنة اهـ.

وقال العلامة السندي في حاشية النسائي: مِيتة بكسر الميم أي حالة الموت جاهلية، صفة بتقدير أي: كميته أهل الجاهلية، ويحتمل الإضافة، والمراد: مات كما يموت أهل الجاهلية من الضلال، وليس المراد الكفر. أهـ.

ولا خلاف بين أهل السنة في هذا الذي ذكرناه، ولذلك فإن المقتول في هذه الرايات العمية يغسل ويكفن ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، ويرثه أهله.

إنما يجادل في هذا أهل الضلال، ممن يكفرون الموحد بارتكاب الكبيرة، أو يقولون هو في منزلة في الدنيا بين المنزلتين، وفي الآخرة في النار.

10- وأما من سبق له القتال تحت راية عمية، فإن عليه المبادرة بالتوبة، وتصحيح النية، والبراءة ممن قاتل معهم، والالتحاق بركب المجاهدين، فإنّ في ذلك كفارةً له.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من أراد أن يكفر الله عنه سيئاته في دعوى الجاهلية وحميتها فعليه بالجهاد، فإن الذين يتعصبون للقبائل وغير القبائل مثل: قيس ويمن.. وهلال وأسد.. ونحو ذلك، كل هؤلاء إذا قتلوا فإنّ القاتل والمقتول في النار، كذلك صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل أخيه، أخرجاه في الصحيحين.

وقال: من قتل تحت راية عمية يغضب لعصبية ويدعو لعصبية فهو في النار، رواه مسلم.

وقال: من تعزى بعزاء أهل الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا، فسمع أبى بن كعب رجلًا يقول: يا لفلان، فقال: اعضض أير أبيك فقال: يا أبا المنذر ما كنت فاحشًا، فقال: بهذا أمرنا رسول الله، رواه أحمد في مسنده.

ومعنى قوله: من تعزى بعزاء الجاهلية يعني يعتزى بعزواتهم، وهي الانتساب إليهم في الدعوة مثل قوله: يا لقيس يا ليمن ويا لهلال ويا لأسد، فمن تعصب لأهل بلدته أو مذهبه أو طريقتة أو قرابته أو لأصدقائه دون غيرهم.. كانت فيه شعبة من الجاهلية حتى يكون المؤمنون كما أمرهم الله تعالى، معتصمين بحبله وكتابه وسنة رسوله.

فإن كتابهم واحد ودينهم واحد ونبيهم واحد وربهم إله واحد، لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون.

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ [آل عمران: 102 - 106] قال ابن عباس: رضي الله عنهما: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل الفرقة والبدعة.

فالله الله عليكم بالجماعة والائتلاف على طاعة الله ورسوله، والجهاد في سبيله يجمع الله قلوبكم، ويكفر عنكم سيئاتكم، ويحصل لكم خيري الدنيا والآخرة.

أعاننا الله وإياكم على طاعته، وعبادته، وصرف عنا وعنكم سبيل معصيته، وآتانا وإياكم في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقانا عذاب النار، وجعلنا وإياكم ممن رضي الله عنه وأعد له جنات النعيم، إنه على كل شيء قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أهـ كلام شيخ الإسلام.

11- وبقيت مسألة قائمة في بلاد الشام، وهي تعدد رايات أهل الإسلام.

فقد رأينا هناك رايات صحيحة تقاتل لإعلاء كلمة الله ولرفع الظلم والعدوان، وتحرص على إقامة شعائر الله، ودعوة الناس إلى الدين القويم، والمنهج المبين، إلا أنهم متحزبون في جماعات وأحزاب، ويتسمون بأسماء تميزهم، فهذا لواء كذا، وذاك لواء كذا، ويقاتلون مجتمعين ومفترقين، ولكل لواء قائد وأمير.

فمما لا يخفى على أحد أن الإسلام دين ألفة واجتماع، يدعو إلى ذلك ويحض عليه، وينهى عن التفرق والتشرذم، ويحذر منه، قال تعالى ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103] وقال ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا ﴾ [آل عمران: 105]، وهذا الأمر واجب على الأمة في كل أوقاتها، إلا أنه في الجهاد أشد وجوبًا وأكثر تأكيدًا، لأن من سنن الله عز وجل، أن النصر يكون مع الاجتماع وأن الهزيمة مع الاختلاف والفرقة، وهذه السنن ثابتة لا تتغير، والله عز وجل لا يجامل في سننه، ولا يبدل في كلماته.

قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 45 ، 46].

قال شيخ الإسلام في التفسير ابن جرير الطبري: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: أطيعوا أيها المؤمنون ربَّكم ورسوله، فيما أمركم به ونهاكم عنه، ولا تخالفوهما في شيء ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ﴾ [الأنفال: 46]، يقول: ولا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم ﴿ فَتَفْشَلُوا ﴾، يقول: فتضعفوا وتجبنوا، ﴿ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46] وهذا مثلٌ، يقال للرجل إذا كان مقبلًا ما يحبه ويُسَرّ به: (الريح مقبلةٌ عليه)، يعني بذلك: ما يحبه..

وإنما يراد به في هذا الموضع: وتذهب قوتكم وبأسكم، فتضعفوا ويدخلكم الوهن والخلل.

﴿ واصبروا ﴾، يقول: اصبروا مع نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عند لقاء عدوكم، ولا تنهزموا عنه وتتركوه ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153]، يقول: اصبروا فإني معكم.

ثم روى عن مجاهد قوله: ﴿ وتذهب ريحكم ﴾، قال: نصركم. قال: وذهبت ريحُ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، حين نازعوه يوم أُحد.

وقال ابن كثير: أمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه بل يستعينوا به ويتكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك، فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضًا فيختلفوا فيكون سببًا لتخاذلهم وفشلهم، ﴿ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46] أي: قوتكم وحِدتكم وما كنتم فيه من الإقبال، ﴿ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46].

وقد كان للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة والائتمار بأمر الله، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم؛ فإنهم ببركة الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا وغربًا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم، من الروم الفرس والترك والصقالبة والبربر والجيوش وأصناف السودان والقبط، وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم، إنه كريم وهاب. اهـ.

فالمقصود أنه يجب على أصحاب هذه الألوية الاجتماع وعدم الافتراق لا سيما إذا كانوا في بلد واحد وفي معركة واحدة.

كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم في فتوح الشام فإنهم كانوا في أجناد عدة يفتحون البلدان، متفرقين في بلاد الشام، فلما التقوا في فتح دمشق صاروا لواءً واحدًا على قلب رجل واحد، بقيادة خالد ثم أبي عبيدة رضي الله عنهم أجمعين.

وإذا ترخص إنسان بتعدد ألوية المسلمين مستدلًّا بقصة أبي بَصير رضي الله عنه، فإنه كان يقاتل على سيف البحر، والنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، فإن ذلك قد يسوغ في تعدد البلدان والأقاليم، كما قلنا في فتوح الصحابة لبلاد الشام، لكن ليس في بلدة واحدة، ومحلة واحدة، لما قد يحصل من الشر في الاختلاف بين هذه الألوية في هذه البلدات.

وأهل الشام اليوم في جهاد دفع لا في جهاد طلب وفتح، ولذلك يترخص لهم في تعدد الرايات الحقة في البلدان المختلفة ما لا يترخص في جهاد الفتح والطلب، إلا في الحالتين اللتين ذكرت، من اجتماعهم في بلد واحد أو معركة واحدة.

على أنه يجب عدم التعصب لهذه الألوية والجماعات التي ينتسبون إليها كما ذكرنا آنفا، لا إلى المسميات ولا إلى الأشخاص، لأن هذا التعصب من دعوى الجاهلية.

وقد فهم بعضهم من كلام شيخ الإسلام عن التحزب والأستاذية؛ ما يسوغ له التعصب لاسم لوائه ولقائد لوائه وأستاذه فيه - وكنت نقلت كلامه رحمه الله لبعض الفضلاء - فهذا خطأٌ على شيخ الإسلام ولم يكن مقصوده من كلامه ذلك.

وسأسوق كلامه رحمه الله، ثم أبين مراده منه.

قال رحمه في جملة جواب سؤال عن الفُتوة ولباسها وما يشترطه شيوخها ما نصه:

فكل اسم علَّقَ الله به المدح والثواب في الكتاب والسنة كان أهله ممدوحين، وكل اسم علَّق به الذم والعقاب في الكتاب والسنة كان أهله مذمومين، كلفظ الكذب والخيانة، والفجور والظلم والفاحشة ونحو ذلك، وأما لفظ (الزعيم) فإنه مثل لفظ: الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى: ﴿ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ [يوسف: 72] فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال: هو زعيم. فإن كان قد تكفل بخير كان محمودًا على ذلك، وإن كان شرًّا كان مذمومًا على ذلك.

وأما (رأس الحزب) فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي: تصير حزباً، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.

وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا، مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإنّ الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان.

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وفي الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال:( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) وشبك بين أصابعه، وفي الصحيح عنه أنه قال:( المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله)، وفي الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قيل: يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالمًا قال: تمنعه من الظلم؛ فذلك نصرك إياه).أهـ.

فهذا كلامه رحمه الله يدعو إلى التحزب لكتاب الله وسنة رسوله، وللمسلمين، وللولاء والبراء على ذلك، لا إلى رأس الحزب والطائفة، ولا لأمير اللواء وقائده، كما يسمى الآن في بلاد الشام.

وقد كرر مثل هذه المعاني بعبارات أخرى في كتاب الجهاد، فمن أراد الاستزادة فليرجع إلى كلامه في الفتاوى.

والمقصود أن على قادة هذه الألوية والأحزاب الاجتماع والاتفاق، وعدم التفرق والاختلاف، ويتأكد ذلك في حالين:

إذا كانوا في بلدة واحدة، أو إذا كانوا في معركة واحدة.

وفي هذا القدر من البيان كفاية، والله الموفق, وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به.

اللهم إن نسألك فرجًا قريبًا، ونصرًا مبينًا لإخواننا في بلاد الشام.

اللهم يسر أمرهم، واخذل عدوهم، واجعلهم على عدوك وعدوهم ظاهرين.

اللهم آمين.

 

وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.