arrow down

أردوغان وجمهوريَّات الموز

بقلم فضيلة د. عبدالله بن فيصل الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

مصطلح جمهوريَّات الموز يُطلَق على بعض دول أمريكا الجنوبيَّة وغيرها ، وهي الدُّول التي يعتمد معظم اقتصادها على فاكهة الموز وبعض الموارد البسيطة ، ويسودها الحكم الديكتاتوري الفردي المطلَق ، وسيطرة الأقليَّات على السُّلطة عن طريق الانقلابات ، والخضوع الكامل للنِّظام الرأسمالي الأمريكي ، وهي في عُرفِ الدُّول الآن في ذيل القائمة في كافَّة نواحي الحياة ..

 ومقارنةُ هذه الدول بدول أوربَّا مثل هولندا والنَّمسا وألمانيا , هي مقارنةٌ بعيدة التخيُّل , ومع ذلك فقد تصرَّفت هذه الدول تصرفًا أضعف بكثير من جمهوريَّات الموز ، ولذلك وصفَها الرئيس التركي بهذا الوصف الذي نكأ جراحَهم وأغاظهم كما لم يغتاظوا من قبل .

لماذا وصف الطيِّب أردوغان هذه الدول الأوربيَّة بهذا الوصف التحقيري ؟

يُقام في تركيا - الشهر القادم - استفتاء على تعديلات دستوريَّة مهمَّة - في نظرهم على الأقل -، ولذلك فقد قام وزراء ودبلوماسيُّون أتراك ينتمون لحزب أردوغان بجولاتٍ للالتقاء بمواطنيهم المغترَبين في أنحاء العالم ..

 وكان أوَّل الاستفزاز في هولندا - وهي تُعَدُّ من ريف أوروبَّا - حيث طُرِدَ الوافدون ومُنِعَت هذه اللِّقاءات الترويجيَّة لهذا الدستور ..

ثم تتابعت حكومات ألمانيا والنَّمسا على نفس المنوال ..

 ولم يكتفوا بذلك بل أفسحوا المجال أمامَ المعارضين للحكومة التركيَّة - وحتى منظَّمات تركيَّة متَّهمة بالإرهاب - لكي تعقِد ندواتٍ وفعالياتٍ شعبيَّة في ألمانيا وهولندا والنَّمسا ضدَّ الحكومة التركيَّة وضدَّ الاستفتاء ، بل وأفردت صحفهم وقنواتهم الفضائيَّة الرسميَّة مساحاتٍ للنَّشر باللغة التركيَّة تخاطب الجاليات التركيَّة الضخمة هناك لتُقنِعها برفض التعديلات الدستوريَّة والتصويت عليها بـ " لا "، وأوقفت هولندا وزيرةً تركيَّة على الحدود الألمانية الهولنديَّة وقامت الشرطة الهولنديَّة باحتجازها ومنعها من الوصول إلى القنصليَّة التركيَّة ، وفي هولندا – أيضًا - رفضوا هبوطَ طائرة وزير الخارجيَّة التركيَّة "جاويش أوغلو" وهذا أخطرُ وأشدُّ موقف ديبلوماسي ..

 ولاكتمال الصورة نوضِح أنَّ النظام القائم الآن في تركيا هو ما يسمَّى بـ " النِّظام البرلماني "، والسلطة التنفيذية فيه هي لرئيس الوزراء وليست لرئيس الجمهوريَّة ، ويسعى أردوغان وحزبه إلى التغيير إلى نظام جمهوري يكون الرئيس فيه قادرًا على اتخاذ القرارات دون معوِّقات ، وأردوغان يرى أنَّ النظام الرئاسي يقوِّي الدولة ويحميها من التمزُّقات والتنازعات التي تسبَّبُها الحكومات البرلمانيَّة التي تتكوَّن من عدَّة أحزاب ائتلافيَّة غالبًا ..

 هذه النُّقطة هي الأهمُّ لأردوغان في التَّعديلات الدستوريَّة الجديدة ، وهناك أكثر من خمسة عشر تعديلًا دستوريًّا آخر مثل : إلغاء المحاكم العسكريَّة بجميع درجاتها ، وحظر إنشاء أي محاكم عسكريَّة مستقبلًا إلا لأمورٍ تأديبيَّة داخل الجيش ، وتقليلُ سنِّ الترشُّح لعضويَّة البرلمان بحيث تبدأ من(18) سنة ، وأن تكون انتخابات رئيس الجمهورية مع الانتخابات البرلمانيَّة في يومٍ واحد ، وتعزيز سلطات البرلمان وصلاحيَّاته في الرَّقابة والتفتيش والحصول على معلومات ، ومنحُ البرلمان حقَّ فتحِ التحقيق مع رئيس الجمهوريَّة ، ومنعُ الرئيس من حلِّ البرلمان في هذه الحالة ..

 ومن البدهي جدًّا أنَّ مثل هذا الاستفتاء يخصُّ الشَّعبَ التركيَّ وحدَه ، وتدخُّلُ أيِّ دولةٍ أخرى هو تدخُّلٌ مرفوض عُرفًا ..

وحسب شعاراتِ أوربَّا في مجال حقوق الإنسان ؛ فإنَّ أردوغان وحزبَه لا بدَّ أن ينالهم التقدير والاحترام لالتزامهم بأعلى معاييرهم الديموقراطية ؛ فقد فاز حزب أردوغان في عشر انتخابات متتالية ، ونفَّذ أردوغان عامَّةَ ما وعَدَ به ؛ فقد أصبح الأتراك أغنى وأكثر صحَّة وأكثر قُدرة على التعبير عن آراءهم من أيِّ وقتٍ مضى ، وبالجملة فإنَّ فترة ولاية أردوغان أفضلُ فترةٍ مرَّت بها تركيا الحديثة في كافَّة مجالات الحقوق والحريَّات بالإضافة إلى المجالات المعيشيَّة الماديَّة ..

ورغم كلِّ ما تقدَّم من موافقة للشِّعارات الأوربيَّة فلا ينال تركيا إلا الازدراء والعرقلة لمشاريعها القوميَّة . والذي يستحقُّ التقدير عند هؤلاء الأوروبيِّين هو الحاكم الديكتاتور الذي يحرس مصالحَهم ، من أمثال السيسي وبشار حتى لو فعلوا ما يفعلون من إحراقٍ وتدميرٍ في شعوبهم..

والحقُّ أنَّ أوروبَّا تعلم جيِّدًا من واقعِ وسيرة أردوغان في قيادة تركيا أنَّه يُريد التمكُّن الكامل في حُكم تركيا ليَزيد من النَّفَس الإسلامي وليُقلِّلَ ويقطعَ دابرَ العلمانيَّة .. هم يعلمون ذلك جيِّدًا ولذلك يدبِّرون ما استطاعوا من حِيَلٍ لعرقلة أردوغان ، ولو تمكَّنوا لتخلَّصوا منه ؛ مثل ما حدث من مؤازرتهم المحاولة الانقلابيَّة الفاشلة قبل أشهر ..

متى يُدرك هؤلاء أنَّ حماقاتهم تلك لن تُجدي , وستولِّد قناعاتٍ وتفاعلاتٍ تزيد من العداء ، ومع ذلك فنحن نَتَلَمَّح في حماقاتهم خيرًا ؛ فالنَّاس يفهمون يومًا بعد يومٍ حقيقةَ عداءِ هؤلاء الكفَّار - ليس لكلِّ ما هو إسلاميٌّ فحسب ؛ بل لكلِّ ما هو مفيدٌ ونافعٌ لغيرهم من الأمم { حسدًا من عند أنفسهم} - .

أوروبا - القارة العجوز , ومن ورائها أمريكا - اليوم تحسد تركيا على نُموِّها الاقتصادي والإسلامي , و لذلك تفتعل الاضطرابات والقلاقل والأزمات لتركيا , بقصد إضعاف شعبيَّة أردوغان , ومن ثمَّ إسقاطه , لكن يمكن أن تكون نتائج هذه الحماقات الغربيَّة عكسيَّة  .

ومازلنا نؤكِّد أنَّنا نعتقد اعتقادًا جازمًا أنَّ النُّظُم الديمقراطيَّة والعلمانيَّة لن يقوم بها إسلامٌ ولا خضوعٌ لله ربِّ العالمين - كما ذكرنا ذلك مرارًا -، ومع ذلك فنحن نفرح بتمكين أردوغان وحزب العدالة والتنمية - وأمثالهم - ، ولم يكن فرحُنا يومًا لأنَّهم أقاموا الدِّينَ الحقَّ كما يجب ؛ وإنَّما لخطواتهم "التقدميَّة" نحو الإسلام , خلَفًا لنظام تركيا العلمانيِّ المحارب للإسلام - والممتدُّ منذ عهد مصطفى كمال أتاتورك أكبرُ عدوٍّ للإسلام في العصر الحديث - والذي أزال الخلافةَ الإسلاميَّة لأوَّل مرَّةٍ في تاريخ الإسلام .. ومَن قرأ التاريخ وعَرَف حقدَ وصرامةَ الجيش والنِّظام التركي ضدَّ الإسلام والمسلمين لعقودٍ طويلة.. سيُقدِّر هذه الفرحة .

وتقليل الشَّرِّ - قدر الإمكان - مقصدٌ شرعيٌّ إذا لم يمكن إلغاؤه بالكليَّة .. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - :

والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشُّرور الواقعة , ومراتبها في الكتاب والسنة , كما يعرف الخيرات الواقعة , ومراتبها في الكتاب والسنة , فيفرِّق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسنَّة ؛ ليُقدِّم ما هو أكثر خيرًا وأقلُّ شرًّا على ما هو دونه ويدفع أعظمَ الشَّرَّين باحتمال أدناهما , ويجتلب أعظمَ الخيرَين بفوات أدناهما , فإنَّ مَن لم يعرف الواقع في الخَلق , والواجب في الدِّين , لم يعرف أحكام الله في عباده وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهلٍ , ومن عَبَدَ الله بغيرِ علمٍ كان ما يُفسِد أكثر مما يُصلِح .اهـ [قاعدة في المحبة (ص119)].

{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [ سورة البقرة /120]

 

أعزَّ اللهُ  دينَه وعبادَه الصَّالحين في مشارق الأرض ومغاربها ..